ساري عرابي
ساري عرابي
9 k

حينما حطّمنا أبواب السجن.. وكيف ظللتُ عاجزًا

22/4/2017
لم أكن أفكر إن كنت وحدي، ذلك الذي يقارب حدث الشهادة من موقع ذاتي، إلا إذا سئلت عن ذلك. لم يكن يحتاج الأمر منّي إلى كثير من التأمل للإجابة، لأن هذه المقاربة استصحاب مستمر للحظة الانفعال الأولى، وحضور راسخ لتلك اللحظة في أعمق ما يمكن أن يستقر فيه الإحساس من الوجدان.

يمكنك أن تضيف إلى ذلك أن الشهيد وإن كان يستقل بمكانته التي وهبتها له شهادته، فإنّه يظلّ بيننا، بشهادته علينا، وأثره فينا، ودعوته لنا، وحياته الخالدة المتجددة بمحايثته لنا، بكلمة أخرى علينا أن نعيد البحث عنه فينا. ثمة علاقة جدلية هنا تتمثل في التفاعل المتبادل بين الشهيد والذين ظلّوا من خلفه.

تحتاج الشهادة إلى منطلق ماديّ، الحدث في طبيعته المرئيّة المحسوسة، الإنسان الذي يدمى لأجل الآخرين، ثم تتحول بعد ذلك إلى متسام فاعل متجدد، يتوهج معنى دائمًا، في فضاء متحرر من الزمان والمكان. كنت دائمًا أسأل عن فاعلية شهادة أصحاب الأخدود في الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.

لا يكون الشهداء جسورًا للقوافل فيشاركونا -على طريقتهم- الفرحة بعد سنوات أو عقود أو قرون فحسب، ولا يكون الشهداء لبنات في بيت الصراع العادل الذي يُشيّد بأشلاء ودماء وعرق الآلاف عبر التاريخ فحسب، ولكنهم -إلى ذلك- يبقون أحياء بيننا. لست أتحدث هنا عن حياتهم التي عند ربهم، ولكن عن حياتهم في التاريخ، وحياتهم فينا، أما المعنى الذي يتوهّجون به، فلا نستضيء به إلا بقدر ملاحظته والتفاعل معه والانفعال به.

تأتي الشهادة كما يحضر فينا الشهداء، بعدالة تامّة. حماقة العدو وإجرامه مجرد وسيلة للقدر، أما الشهادة فهي اتخاذ من الله العليم الحكيم، الذي يعلم من يتخذ لها، لا يُمنح كل أحد هذا الحضور المتعدد في التاريخ وفينا.
قبل أيام وجدت العديد من الأصدقاء، في صفحاتهم في الفيسبوك، يلجون إلى ذكرى استشهاد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي من لحظة انفعالهم بالحادثة حين وقوعها، أين كانوا، وكيف تلقوا الخبر. أكثرهم لم يلتق بالدكتور، وهم من هذه الجهة متطهرون من إكراهات المعايشة، ومتجردون للعاطفة الخالصة، ولتلقي الشهادة نقية بلا رتوش الانطباعات البشرية.

مقاربة الحدث باستدعاء لحظة الانفعال به، حتى لو كان قبل ثلاث عشرة سنة، كما هو حال حدث استشهاد الرنتيسي، يعني أن تلك اللحظة لم تزل فيهم، وهذه العاطفة التي تقلّب جمرها على أرواحهم؛ السبيل الأصدق للتفاعل مع حياته المستمرة في التاريخ. استشهد الرنتيسي وأكثر هؤلاء الأصدقاء في السجن.

كنتُ كذلك في السجن، في سجن النقب، استشهد الشيخ أحمد ياسين أولاً ثم استشهد الدكتور الرنتيسي. إن لكل شهيد حضوره الخاص، ولكن رمزية الشيخ والدكتور كانت متفوقة دائمًا لدى أنصار حركة حماس، يمكنك القول إنهما كانا يبدوان في حضورهما -على نحو ما - رديف حماس، واسمها الآخر، ولونها ورائحتها.

ثمة إدراك فطري عام كان لدى المعتقلين، متقد العاطفة ولكنه وقّاد الوعي، تأمّلَ وجه حماس حين غياب الشيخ. يثير ذلك الحزن، ولكن الشيخ قد وُهب الشهادة في آخر عمره. لا بدّ من التصالح مع سنن الوجود، وتوقع الغياب، والاعتياد عليه.

لكن الشهادة نوع خاص من الحضور المحفوف بالغياب، الحضور الراسخ في التاريخ، والنسبي في البشر، لا يحضر فينا بسوية واحدة، وقد لا يحضر في بعضنا أبدًا. إنّها العدالة التامة، لا يحضر فيك الشهيد إلا بقدر ما تشعل له من جمر العاطفة.

فيما بعد بدا أن هذا وعي عام، لقد أُكرم الشيخ العجوز بالشهادة، مع أنه لو ترك لمات بأمراضه، هكذا يقول الجميع اليوم، وهكذا حينها فهم المعتقلون الحادثة، هذا الثبات والإجماع في الفهم كرامة أُخرى تُضاف للشيخ.

تأتي الشهادة هنا، كما يحضر فينا الشهداء، بعدالة تامّة. حماقة العدو وإجرامه مجرد وسيلة للقدر، أما الشهادة فهي اتخاذ من الله العليم الحكيم، الذي يعلم من يتخذ لها، لا يُمنح كل أحد هذا الحضور المتعدد في التاريخ وفينا، في الشيخ أحمد ياسين ما أهّله لهذه المنحة.

طلب مني المعتقلون كتابة كلمة عن الحادثة تُلقى على المجاهدين في السجن، قويت على ذلك، ووجدتني مدفوعًا لعلاقة خاصة تحدد اتصالي بالشيخ، وهو شعوري بالبنوّة له، لقد كان أبي، هل مات أبي مرتين، أبي البيولوجي الذي تركني يتيمًا، وأبي الحقيقي الذي منحني معنى لوجودي؟ هنا تشعر بالفرق، لأن المعنى المتوهج لا يموت، في التاريخ لا يموت، وفينا كل باستعداده واستحقاقه.

إنني لا أحنّ إلى زمن ماض، ولكني أصف إحساسي ساعتها، الذي يبدو أنه كان إحساس الجميع، الذين هبّوا مرّة واحدة، فاقتلعوا أرضية المعتقل، وخلعوا بوابات ساحته وأسلاكه حتى خرجوا إلى محيط الأقسام.
شعرت بالفقد والحضور في آن، إنها ليست علاقة مجرّدة بالمعنى، ولكنها علاقة من لحم ودم وعاطفة بالمعنى. لا سبيل للقول أبدًا: إن هؤلاء الذي رحلوا خُلّصًا ووُهبوا منحة الحضور الدائم في التاريخ وأحيلوا معنى متوهجًا للمستعدّين في كل زمان مكان؛ لا يمكن القول إنهم منفكون عن المعنى.

لما استشهد الرنتيسي بعد ذلك بستة وعشرين يومًا؛ لم أقو على الاستجابة للطلب نفسه، عجزت تمامًا عن الكتابة، وكان وعيي مشوشًا. تقارُب الزمان بين استشهاد الرمزين المُقدّمين، وسِنّ الدكتور الرنتيسي وعافيته بما كان يؤهله للاستمرار قدرًا آخر من الزمن، والمفاجأة، شوش وعينا كلنا، ولكن شعوري بالفقد هذه المرّة كان مضاعفًا، وإحساسي برمزية الشهيد كان مركّزًا.

إنني لا أحنّ الآن إلى زمن ماض، ولكني أصف إحساسي ساعتها، الذي يبدو أيضًا أنه كان إحساس الجميع، الجميع الذين هبّوا مرّة واحدة، على الأقل في الأقسام التي كنت أعيش فيها في السجن، فاقتلعوا أرضية المعتقل، وخلعوا بوابات ساحته وأسلاكه حتى خرجوا إلى محيط الأقسام.

هذه المرّة وعلى غير عادتها تراجعت إدارة السجن، ولم تطلق قنبلة غاز واحدة، أدركَتْ أن غضب المعتقلين لم يكن غضبًا مطلبيًّا، وأنه غضب غير مسبوق، أرادت امتصاص غضبهم، فلم تصطدم بهم، أما المعتقلون فكانوا يتشبثون بحماس التي عرفوها. صحيح أنهم بعضها، ولكنهم طالما رأوها في وجهي الياسين والرنتيسي.

اليوم سوف أقرّ وأعترف، أن انفعالي بلحظة الرنتيسي أشدّ مما كان عليه ساعتها، وأنني، ورغم كل ما أمكن مراكمته من وعي خلال السنوات التي مضت منذ استشهاده، ما أزال عاجزًا عن الكتابة عنه.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة