كريم عبد المجيد
كريم عبد المجيد
1 k

الإرث العثماني للجمهورية التركية

23/4/2017

شهدت الدولة العثمانية في قرنها الأخير الكثير من التطورات والتغُيرات التي تسببت مع مرور العقود بالعصف بأُسس الدولة وانهيارها وقيام الجمهورية التركية على رُكامها، هذا الرُكام الذي استفادت منه الجمهورية في النهوض وتكوين كيان سياسي جديد كانت نتيجة تحديثات وإصلاحات قام بها سلاطين الدولة بدايةً من عصر السلطان "محمود الثاني" المُمَهِّد لإعلان (فرمان) "التنظيمات" عام 1839 حتى الانقلاب على السلطان "عبد الحميد الثاني" عام 1909.

 

الدستور والبرلمان
وهما من الأسس التي قامت عليها الجمهورية التركية، ويرجع تاريخ المطالبة بالدستور في الدولة العثمانية بعد فتح المجال السياسي الذي عَقِب تدمير "الإنكشارية" على يد السلطان "محمود الثاني" عام 1826، والذي أعقبه مجموعة من التغييرات والإصلاحات التي قام بها السلطان وكان نتاجها إصدار (فرمان) "التنظيمات" عام 1839 الذي وضع الأساس القانوني لنهاية الدولة العثمانية فيما بعد، وقد ظهرت من بعد إصدار (الفرمان) بعقد من الزمن تقريبًا الأصوات التي نادت بضرورة مراجعة مركزية الحكم في الدولة وأنه لابد من مجلس يمثل الأمة العثمانية كبديل عن الحكم المطلق لطائفة من رجال الدولة..

 

يُجمِعُ المؤرخون على أنَّ مؤسسات الدولة العثمانية منذ القرن التاسع عشر هي المؤسسات التي قامت عليها الجمهورية التركية، فمنذ عهد السلطان "محمود الثاني" (1808-1839) وكل مؤسسات الدولة يُعاد استبدالها لتوافق النمط الأوروبي

وكان المتبنون لهذا الأمر المجموعة المعروفة تاريخيًا باسم "العثمانيون الشباب" ذات التوجه الإسلامي، ونادوا بأن القوانين التي تُقِرُّها طبقة التنظيمات الحاكمة لابد أن تُمثِّل حاجة المجتمع الحقيقية وألاَّ تكون عبارة عن استجلاب لقوانين أوروبية وزرعها في بيئة غير بيئتها، وأن هذه القوانين لابد أن تحتوي على روح الشرع الإسلامي وأحكامه عند سنِّها.

 

تطوَّر الوضع وطُرحت فكرة الحكومة الدستورية التي تلتزم بدستورٍ يحدُّ من صلاحيات الطبقة الحاكمة  بجانب مجلس يمثل الأمة، وكان "العثمانيون الشباب" بجانب العلماء هم الطرفان الرئيسيان في تبنّي هذه الفكرة، فنتجَ عن الأمر الدعوة إلى نظام "أصل المشورة" الذي ينصُّ عليه الشرع الإسلامي، وإطلاق اسم "مجلس شورى الأمة" في الصحافة العثمانية ﻷول مرة على المجلس الذي يضم ممثلي الأمة.

وبعد الكثير من المشاورات تم في النهاية الموافقة على وضع الدستور الذي أطلق عليه اسم "القانون الأساسي"، وقد شكَّل "مدحت باشا" الصدر الأعظم في عهد السلاطين "عبد العزيز" و"مراد الخامس" و"عبد الحميد الثاني" لجنة مُكونة من 28 شخصًا حوت أسماء من طوائف مختلفة، وتم وضع الدستور في 119 مادة عملت على التقييد من نفوذ السلطان والحكومة..

 

وتم عقد الانتخابات بين يناير ومارس من عام 1877 وانتخاب ممثلين من كافة الولايات التي ما زالت تُحكم بشكل مباشر من المركز، كل ذلك والحرب مشتعلة بين الدولة وروسيا، الأمر الذي لم يمنع انعقاد أولى جلسات البرلمان الجديد الذي سرعان ما تم تعطيله بواسطة السلطان "عبد الحميد الثاني"، إلى أن عاد للعمل مرة أخرى عام 1908 قبل الانقلاب على السلطان، واستمر العمل بالبرلمان في الدولة إلى أن صدر من خلاله تشريع بواسطة "الكماليين" بإلغاء الخلافة وطرد الخليفة في مارس 1924.

مؤسسات الدولة
يُجمِعُ المؤرخون على أنَّ مؤسسات الدولة العثمانية منذ القرن التاسع عشر هي المؤسسات التي قامت عليها الجمهورية التركية، فمنذ عهد السلطان "محمود الثاني" (1808-1839) وكل مؤسسات الدولة يُعاد استبدالها لتوافق النمط الأوروبي، فتمَّ تشييد وزارة تختص بالأمن الداخلي "الداخلية" منذ عام 1835، وتم استبدال "نظارة المعامل والبارود" وأسس مكانها "وزارة الحربية" عام 1835، وتغير اسم "وزارة الكُتَّاب" إلى "وزارة الخارجية" عام 1836، وتمَّ تشييد "وزارة العدل" عام 1836، وأُدمجت التشكيلات الإدارية المختلفة للأوقاف وتم استحداث وزارة لها وهي "وزارة الأوقاف".

أمَّا على مستوى الخدمات فقط توسعت خطوط "التلغراف" في عهد السلطان "عبد الحميد الثاني" توسعًا كبيرًا ومُدَّت خطوط السكّة الحديدية بشكل كبير في أركان الدولة وكان مشروعه الأشهر في هذا الأمر هو "الخطّ الحديدي الحجازي"، كما تضاعفت أعداد المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية التي افتُتحت في عهد السلطان وكانت لها اليد الطولى في تخريج الكوادر التي ستتولى إدارة الجمهورية بعد ذلك..

 

وكان من أشهرهم "أتاتورك" أول رئيس للجمهورية الجديدة وهو خرّيج المدرسة العسكرية التي افتتحها السلطان عبد الحميد، كل هذا ورثته الجمهورية من جهود السلاطين السابقين، وإضافة لما سبق وبناءً على إحصاءٍ قامت به "حكومة أنقرة" الكمالية عام 1921 للولايات التابعة لها [باستثناء الولايات التي تتبع حكومة السلطان] فقد ورثت الجمهورية  أكثر من 33 ألف مؤسسة صناعية صغيرة وكبيرة لإنتاج النسيج ومواد البناء والمواد الغذائية والكيماوية وغيرها.

المؤسسات والقوانين في الجمهورية التركية الحالية ما هي إلا امتداد لقوانين ومؤسسات عثمانية تم اقتباسها من الأفكار الأوروبية منذ القرن التاسع عشر، مما أدى في النهاية إلى صعود القوميين العلمانيين وإلغاء الخلافة

العلمنة
يعتبر "خط شريف كلخانة" أو (فرمان) "التنظيمات" الذي قرأه وزير الخارجية "مصطفى رشيد باشا" في عهد السلطان "عبد المجيد الأول" عام 1839 (فرمانا) سلطانيا لم يشبه أي (فرمان) آخر في تاريخ الدولة العثمانية، فهو بداية إصلاحات الدولة بشكل حقيقي وممنهج على النمط الأوروبي، كما يُمثل أيضًا بداية الثنائيات المتضادة في الدولة، فالمحاكم الشرعية بجوار المحاكم الأجنبية، والقانون المدني الفرنسي بجانب مجلة الأحكام العدلية الشرعية، والجامعات الحديثة في مواجهة المدارس الشرعية القديمة، والمسرح الأوروبي في مقابل عروض خيال الظل، والروايات في مقابل في الأدب الديواني، كل هذا أدَّى في النهاية لاستحواذ التحديثات الأوروبية على نظم الدولة القديمة وسحقها في ظل الجمهورية الجديدة.

 

ومع نظرة قريبة لمواد "الفرمان" يتضح أن الكثير منها يستلهم أفكاره من الإعلانات الأوروبية خاصة الفرنسية، مثل "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" الخاص بالثورة الفرنسية، ووثيقة "حقوق فيرجينيا" للولايات المتحدة الأمريكية، والتي تدل على أن فكرة الإصلاحات لدى الدولة كانت تستلهم من أوروبا ومن خارجها كل ما يناسب رؤيتها للإصلاح، والتي منها رؤيتها تجاه "التعليم"..

 

فالمدارس الجديدة التي بُنِيَت على النمط الفرنسي كانت تقابل المدارس الشرعية الإسلامية الموجودة في الدولة، وكان يتمُّ الاعتماد على تلك المدارس في تخريج أجيال الشباب ونخبة الدولة بعيدًا عن التعليم الديني، ففي عام 1857 تأسست وزارة التعليم، وبعد أزيد من عقد من الزمن أصدرت الإدارة قرارات وتشريعات تحدد معايير قياسية للتعليم وتطويره وكانت هذه التشريعات مستلهمة من برنامج "فيكتور ديوروي" العلماني في فرنسا، والتي أخرجت نسخة من نظام تعليمي للمدارس والكليات تناسب الفكر الأوروبي أكثر مما تناسب فكر العثماني.

 

أما عن التشريعات والقوانين فصدرت مجموعات من القوانين التي تقطع الصلة مع الشرع الإسلامي وتتبنى مباشرة القوانين الأوروبية، فقانون العقوبات الجديد بين العامين 1840 و 1851 تم فيه محاولة التوفيق بين المفاهيم الحديثة للقوانين الأوروبية والشريعة الإسلامية، أما قانون العقوبات الذي صدر عام 1858 والذي أسس على إطار قانون العقوبات الفرنسي فعمل على دفع مبادئ العقوبات الإسلامية إلى المؤخرة، فألغي حد الردة، وصدر قانون المساواة بين المسلمين وغيرهم بشكل تام وألغيت الجزية، كما تم تبني قانون تجاري جديد للدولة عام 1850 نقلًا عن القانون الفرنسي، تبعه قانون 1863 الخاص بالتجارة البحرية.

 

وعلى هذا فإننا نرى أن المؤسسات والقوانين في الجمهورية التركية الحالية ما هي إلا امتداد لقوانين ومؤسسات عثمانية تم اقتباسها من الأفكار الأوروبية منذ القرن التاسع عشر، مما أدى في النهاية إلى صعود القوميين العلمانيين وإلغاء الخلافة ومشيخة الإسلام وتوحيد التعليم العلماني وطرد الدين بالكُليَّة من موقعه بداخل الدولة وحياة الناس في الجمهورية التركية.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة