بيسان الشيخ
بيسان الشيخ
1.2 k

كيف تشرح الموت لمن هم في الخامسة من العمر؟

28/4/2017

لم أعرف حجم المعضلة التي يواجهها الأهل إذ يضطرون لشرح حادث جلل كالموت لأبنائهم الصغار، قبل أن أنظر في عيني ابنة أختي غداة وفاة جدي. حيرة وقلق وكم هائل من الأسئلة التي لا تبددها إجابات. وأكثر من ذلك، خوف من أن يصيب هذا الفقد المفاجئ محيطها المباشر. فإذا كان موت الجد أو الجدة بالنسبة للأحفاد الراشدين تمرين على فقدان الأهل، فهو للصغار صدمة أولى في محاولة فهم الحياة وسنتها.

وكان سبق لابنة الخامسة أن سألت عن معنى عبارة "ريتني موت" التي تسمعها من حولها تحبباً بها حيناً أو غيظاً منها أحياناً، ومعنى عبارة "تقبريني" الشائعة أيضاً في لبنان بالإضافة إلى عدد كبير من تعابير حب "سوريالية" كهذه، لكن الشرح آنذاك كان جزءاً من اللعب والهزل.

أما وقد أصبح الموت استحقاقاً فعلياً، هز العائلة ورتب على أفرادها تغييراً مفاجئاً في جدولهم، فقد بات شرحه للصغار استحقاقاً قاسياً بدوره. ذاك أن الأسئلة باتت أكثر وضوحاً وراحت تصب مباشرة في معرفة عمر كل واحد من الأسرة، وحسبان كم يقرب منه الموت وكم يبعد. بدأ البحث عن وحدة قياس ما، تحدد بوضوح كم تبقى لنا من الوقت سوية. وإلى ذلك، فثمة أسئلة أخرى، تطرح الآن وهنا، تلخص ماهية "السهل الممتنع".

لم نتغيب عن المدرسة؟ لماذا يبكي الكبار؟ لم يرتدي الجميع السواد؟ لماذا علي أن أقضي النهار كله لدى ناس غرباء مع أطفال آخرين؟

الإجابات البسيطة اقتضت أن تكون تلك الجلبة كلها وذلك الحزن والدموع هي لوداع "جدو الكبير"، كما يطلق عليه أطفال العائلة تمييزاً له عن أبنائه وبناته من أجدادهم "الصغار"، علماً أن الزيجات المبكرة جعلت أجيال العائلة برمتها متقاربة وأبعد ما تكون عن العجز والهرم. لكن ثلاثة أيام من الوداع طويلة جداً، تقول الطفلة. ثم إنه لن يلبث أن يعود. فالجميع يسافرون ويرجعون.

كيف فسر هؤلاء فكرة عصية عن التفسير كالموت؟ ابتدع كل من الأهل إجابة تتوافق ونسق تربيتهم لأبنائهم. فمنهم من تهرب من الإجابة وافتعل بهرجة أبعدت الأبناء عن معرفة تفاصيل ما يحدث أصلاً.
وهي لشدة اقتناعها بأن الموت مجرد نزهة طويلة، لا بل ربما تكون جميلة، كان سبق لها أن سألت جديها بحماسة كبيرة، متى سيموتان، وإن كان ممكناً تحديد موعد تسجله على روزنامتها. حاول الجدان القول إن ذلك سيحدث "بعد عمر طويل"، حين تكبر بدورها ويصبح لديها أبناء، لكنها بدت غير قادرة على أن تصبر كل تلك المدة. كانت تريد لهما أن يرحلا سريعاً وليس بعد أعوام مديدة، فسألت ببساطة لم لا تموتا غداً لأني أحتاج أن آخذ "الآيباد" خاصتكما!

الضحك الذي رافق ذلك الاقتراح لا يشبه الحزن والقنوط اللذين سادا بالأمس. المسألة إذا جدية، لم ينفع معها القول إن الجد ذهب إلى السماء. فذلك عزز فكرة السفر بالطائرة، ثم إنه فتح الباب أمام احتمال أن يعود إلينا مع فصل الخريف وزخات المطر الأولى. أين ذهب إذاً؟ هل نقول انتقل إلى جوار ربه فنفسر الماء بالماء ونصعب المهمة أكثر؟ شخصياً، أعلنت استسلامي سريعاً، وتركت العبء على كاهل أصحابه من الآباء والأمهات. فليكابدوا هم اختراع الإجابات المقنعة لأولاد في الخامسة.

لاحقاً، تآكلني الفضول. كيف فسر هؤلاء فكرة عصية عن التفسير كالموت؟ ابتدع كل من الأهل إجابة تتوافق ونسق تربيتهم لأبنائهم. فمنهم من تهرب من الإجابة وافتعل بهرجة أبعدت الأبناء عن معرفة تفاصيل ما يحدث أصلاً، معولين أن يطوي النسيان الحادثة. ومنهم من ذهب إلى الإجابة الدينية البسيطة لما تحمل من طمأنينة ويقين، آخرون دخلوا في متاهات لعلهم لم يخرجوا منها بعد. لكن وسط ذلك التخبط كله، كان ثمة إجابة واحدة تحمل من الحب واليقين والفلسفة أكثر مما تخيلت صاحبتها. فقد جاءت تلك الأم واحتضنت ابنتها وذهبت بها إلى المطبخ. تناولت كوب ماء كبير وذوبت فيه ملعقة سكر وملعقة ملح وأعطته لابنتها لتشرب منه.

لم تفهم الصغيرة بداية كيف يسمح لها بتناول هذه الخلطة من "الممنوعات"، إلى أن قالت الأم "هكذا نحن ومن نحب. ملح وسكر. يذوبون فلا نراهم، لكن يكفي أن نتذوق الماء لنعلم بوجودهم وليصبحوا أقرب إلينا". في تلك الليلة نامت الطفلة وقد امتلكت مفتاح الكون.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة