ساري عرابي
ساري عرابي
9.7 k

الثكلى في إضراب الأسرى

29/4/2017
إن حياتك سلسلة من الحوادث العظام، وغارت في روحك آلامها، وكنتَ طول المسيرة تلك كلّها تشق في التاريخ وفي لحظاتك السائرة وفي نفسك مغارات تسكنها متأملاً، خاليًا بالسؤال عمّا جرى، ولماذا جرى، ناشدًا الحكمة المستورة، وراجيًا الوعي بما يحمل عوائدَ الزمان من الأسباب، ويعجنها من الحقائق، ملتمسًا فهم نفسك، ولكن اكتشافاتك كثيرًا ما تبدو لك متأخرة!

في الأيام الأخيرة وجدتُ نفسي تحاول أن تشرح لبعض المكلومين، لماذا يَقصر إحساس الآخرين عن إدراك أوجاعهم، أو لماذا يبدو المتعاطفون كالنائحة المستأجرة، أو كمن يعدّ العصي التي تهوي على المتألم الشاكي، وغالبًا ما يكون حديث الموجوع بتلك الأمثال لا طلبًا لمزيد من التعاطف، ولكن تفسيرًا لإحساس المكلوم الشديد بوجعه، على نحو ما يقول الموجوع: إنني لست مبالغًا ولكنكم لا تعلمون ما بي!

لو أن إحساس النّاس بوجعك يطابق إحساسك به فمن ذا الذي يواسيك؟! إن طلب إحساسنا بأوجاعنا ذاته في النّاس إن لم يكن ضربًا من الأنانية فإنه ضرب من الوهم
في شرحي ذاك تساءلتُ -في نفسي- لماذا تدهمني هذه المعاني الآن؛ وكأنني أتعثر بها صدفة في طريق أوجاع الآخرين؛ وكأنني لم أعرف الوجع يومًا، ولم أتضرّع لأجل فهم اختلاف الناس في الإحساس ببعضهم، ومع أن المحرومين حرمانًا جوهريًّا هم الأكثر تأملاً في هذا الاختلاف.

على الأغلب تأتي الإجابات في وقتها الصحيح، تبدو متأخرة، ولكنها تنتظر ساعة من نضج، تصهر الفهم حكمة. كثيرًا ما يتشغل التأمل في النفس بحركة الكامن، يدور مثل الدويّ ولا تحسّ به إلا بعد سنوات طوال حينما تقفز من نفسك إلى عقلك الإجابات، وعلى الأغلب دون التأمل في اختلاف الناس تظل الحكمة متوارية والفهم معاقًا.

قلت لأحدهم لو أن إحساس النّاس بوجعك يطابق إحساسك به فمن ذا الذي يواسيك؟! إن طلب إحساسنا بأوجاعنا ذاته في النّاس إن لم يكن ضربًا من الأنانية فإنه ضرب من الوهم، إنه طلب للغرق في الحزن الكاسح، ولو أن النّاس أحسّوا بوجعك مثل إحساسك به تمامًا؛ فمن أين لك بالذي ينظر إلى المصيبة من غير زاوية الوجع أو من غير زاوية الحزن أو من غير زاوية السخط؟! من أين لك بالذي يوجّه نظرك إلى حكم القدر وتدبيره، من أين لك بالذي يذكّرك بحكاية الخضر مع موسى في سورة الكهف؟! ثم لو أن النّاس أطبقوا على الإحساس ذاته بالوجع؛ فكيف للحياة أن تمشي، وكيف للمعنى من وجودها أن يتحقق في اختلاف النّاس ومضيّ سعيهم؟!

حينما كنتُ سجينًا لدى السلطة شاهدت وجه والدتي يشيخ بالحزن، ووجه زوجي يذبل به، يمكنني الآن أن أتذكر كيف ذويا وطوى وجه كل منهما لما رأتاني وقد حُلق شعر رأسي تمامًا.
خرجتُ مرتاحًا لاكتشافاتي المتأخرة، ومستغربًا أنني لم أفكر بذلك من قبل، أو هكذا بدا الأمر لي، وأيضًا متدبرًا لمَثَلين قلتُ للحظة إنهما ليسا شيئًا واحدًا، أما الأول فقولهم "ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة"، وأما الثاني فقولهم "من يعدّ العصيّ ليس كالذي يُضرب بها"، ولكن هل يختلفان؟ أليست العصا واقعة على الثكلى، كما قال رؤبة:
بكاءَ ثكْلى فَقَدتْ حَميما *** فَهِيَ تُرَثِّي بِأَبا وابْنِيما

فهي في عويلها كما يقول رؤبة أيضًا:
كأنَّما عَوْلَتُها، مِنَ التَّأَقْ *** عَوْلةُ ثَكلى ولْوَلَتْ بَعْدَ المأَقْ
والتأق الامتلاء غضبًا وغيظًا وحزنًا، والمأق شهقات الفواق الحرّى يصعد بها المكلوم بين يدي البكاء، وهو نشيج البكاء وشدّته وكأنه أنفاس يقتلعها المكلوم من صدره، أو هو بكاء الثكلى، بكاء الفاقدة، بكاء التي هوت عليها عصا الفقد والأخذ، تأخذ منها ابنًا أو أبًا أو زوجًا.

حينما كنتُ سجينًا لدى السلطة شاهدت وجه والدتي يشيخ بالحزن، ووجه زوجي يذبل به، يمكنني الآن أن أتذكر كيف ذويا وطوى وجه كل منهما لما رأتاني وقد حُلق شعر رأسي تمامًا وفهمتا أنني كنت معاقبًا، بلا جرم طبعًا، ويمكنني أن أتذكر كيف لما رأتاني مصفرًّا منهكًا هزيلاً في محكمة الاحتلال العسكرية بعد غياب في التحقيق طال 120 يومًا؛ رأيتُ الحياة تظلم في عينيهما، تقلّص جسداهما فجأة، لولا بقية من حياتي، لقلت إن الحياة انتهت في اعتبارهما.

أنا السجين، ولكن ألمهما لم يكن دون ألمي، في اعتقالي الأول تأخر تصريح والدتي لزيارتي، ووصلتني منها بعض رسائل مهرّبة، لم تكن الورقة قطعة من روحها فحسب، ولا كلماتها مدادًا من دموعها فحسب، ولكنها كانت هي الأسيرة، هي السجينة، تكتب بروح المعتقل ووعيه وإحساسه، وبالرغم من صغر سنّي حينها، فقد فكّرت فعلاً كيف لها أن تكتب ذلك؟! ومن أين جاء لها هذا الوعي بالاعتقال!

من الرحمة وجود الأم أو الزوجة التي تدرك عذابك كما هو، ولكن في ذلك قسوة أيضًا؛ إنهما يعيشان وجعك كما تعيشه تمامًا، وفوق ذلك يشعران بالقهر والانكسار والوحدة.
إنني لا أتحدث عن الأذى الماديّ المباشر الذي قد يقع على أهل السجن، من مداهمات، ومنع من السفر، وربما احتجاز وضرب وشتم، وربما تضييق في الرزق، وإعاقة عن العمل، ولا عن عذاب رحلة الزيارة، ولا عن استنزاف الأعصاب في ملاحقة المحامين والمحاكم، ولا عن حماقات النّاس وفذلكاتهم الغبية التي تلاحق الأسير وأهله، من قبيل قولهم إنه يُسجن لأجل المال، وأن أهله استفادوا من اعتقاله، ولكن عن محض الإحساس بعذابات الابن أو الزوج أو الأب السجين، الإحساس مجرّدًا من بقية الأذى، فكيف هو ببقية الأذى؟!

حينما تُضرب عن الطعام، تجوع أمّك وهي تأكل، وتذبل زوجك ويدها بالكاد ترفع اللقمة إلى فمها، فقط تذكر حينما كنتَ تخبر أيًّا منهما وأنت خارج السجن بأنك جائع، أو أنك اشتهيت شيئًا ما، تذكر كلمات "يا ناري"، "يا حرام"، وأن أطيب الطعام، وأوله وآخره، كان يُترك لك!

حِكم هذه الحياة قاسية. الحياة تالفة دون الأم والزوجة، وجودهما تجلٍّ للرحمة، ولكن مفارقات الحياة كثيرًا ما تشوب الرحمة بشيء من القسوة يؤول غالبًا إلى الرحمة أيضًا، إنّ وجودهما رحمة. إن كان من الرحمة قصور إدراك النّاس بعذابات بعضهم، فمن الرحمة وجود الأم أو الزوجة التي تدرك عذابك كما هو، ولكن في ذلك قسوة أيضًا؛ إنهما يعيشان وجعك كما تعيشه تمامًا، وفوق ذلك يشعران بالقهر والانكسار والوحدة، إنك في سجنك لست وحيدًا، ولكنهما وحدهما، إنهما لك، أما هما فمن لهما؟!

الثائر، المقاوم، هو غالبًا ذلك الذي لديه إحساس عميق بآلام الآخرين، ذلك الذي يكرّس نفسه لهما، لأم الأسير وزوجه، ولهم، للناس. ثمة من يغالب طبائع الحياة ويعظّم في نفسه الإحساس بعذابات الآخرين، من يبحث عن الرحمة في كل تجلياتها، وفي هذه الدورة العجيبة، كان الأسير قبل اعتقاله هو الثائر الذي امتلك ذلك الإحساس، الثائر الذي يربّي في نفسه الإحساس بالواجب الذي فُطرت عليه أمّه أو زوجه!

من جهة ما علينا أن نربي فينا الإحساس بعذابات الذين حملوا الواجب عنّا.. تصير في هذه الحالة مغالبة قصور الإحساس بعذابات الآخرين واجبًا.. 

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة