أروى الطويل
أروى الطويل
6.6 k

تحرشات اجتماعية جماعية

29/4/2017

قبل ثلاث سنوات تعرضت لحادثة -أعتبرها بشكل شخصي حادثة تحرش- حيث قامت عدة صفحات من الصفحات المؤيدة لعبد الفتاح السيسي والشؤون المعنوية في مصر، بنشر صورتي، معلومات شخصية عني، مع تحذير عن الفتيات الإخوانيات اللواتي يقمن بالتغلغل في أوساط الشباب المصري من أجل زعزعة استقراره..

التعليقات على هذا المنشور في معظم الصفحات -ومعظمها صفحات مليونية- كانت غير مفهومة بالنسبة إلي -خارج إطار الموضوع والذي هو الخلاف السياسي- لأن كل التعليقات كانت تدور حول شكلي الخلقي، تذم في خلقتي وشكلي وأني لست جميلة على الإطلاق، بعض التعليقات الأخرى أكدت أني سورية لاجئة على الأراضي المصرية، فملامحي تنطق عن ذلك بوضوح، تعليقات أخرى تحدثت أني بالتأكيد عانس لا أجد رجلًا "يلمني". بعض التعليقات تحدثت عن أنه يجب أن يتم تربيتي من جديد إذ أنه على ما يبدو أني أستغل جمالي في اللعب بعقول الشباب ..

لم تثر التعليقات في نفسي أي ضيق بل كانت أشبه بحالة كاشفة عن المستوى العقلي الذي وصل إليه بعض الناس، والوضع الاجتماعي الأخلاقي المتدني الذي وصل إليه بعض الناس.. خلال هذه الأيام لاحظت تكرار نفس الطريقة في التعرض لبعض النساء في حالتين منفصلتين، إحدى الفتيات المراهقات -على ما يبدو- كتبت حالة تافهة جدًا على الفيس بوك، تشي بانعدام خبرتها الاجتماعية وعدم معرفتها بما يدور حولها من أحوال الناس والبيوت، فلقيت عقابًا اجتماعيًا صارمًا -جماعيًا بالمناسبة- من إسلاميين وغير إسلاميين..

فتح باب الإتاحة الاجتماعية للنقاش حول أجساد النساء أمر خطير ليس لأنه يتجاهل فرض الحجاب كأحد الأطر الاجتماعية المنظمة للعلاقات بين النساء والرجال.

دار هذا العقاب حول تحرش شبيه بما حدث لي، كان في معظمه يدور حول قبح الفتاة -ليست قبيحة بالمناسبة- وأن هذه الفتاة لا تجد رجلًا "يعبرها" لذلك خرجت على الفيس بوك تعبر عن رأيها، الحقيقة أني استخدمت تعبيرات أكثر تهذيبًا بكثير عن تلك التي استخدمت في وصف الفتاة، فبعضها شمل الخوض في عرضها بوصفها "بالعاهرات الفيمنستيات" والمفاجأة أن الواصف هو شخص مشهور على وسائل التواصل الاجتماعية -يعني تبلغ كلمته الآفاق- داعيا لتعدد النساء، ويزعم أنه يحترم المرأة، لكن عندما اختلف مع إحدى الفتيات تحدث بمنتهى البساطة عن شرفها ونعتها بنعت يقام عليه الحد فيه ..

الحالة الأخرى لفتاة مقبولة الشكل محجبة تقدم محتوى ترفيهي بسيط بصوت هادئ ورقيق، وهكذا انطلقت الأصوات تتحدث عن هذه أنت الفتاة نجحت -لأنها جميلة جدًا- رغم التزام الفتاة بالحجاب الشرعي وتوصيفات أخرى، وعاصفة من الغمز واللمز عن الفتاة أزعم أني لو كنت مكانها لاعتزلت الحياة العامة تمامًا بسببها..

وهكذا في مجتمعاتنا -بغض النظر عن الالتزام من عدمه- تصبح أجساد النساء ساحة للنقاش وساحة للإهانة والتشنيع على المرأة، لو كنتِ جميلة فأنت امرأة تسعى للفت الأنظار لجمالها أو تسعى للحصول على زوج -قد تكون المرأة متزوجة وتعول لكن لا يهم، فرصة للتقليل منها وكأنها إهانة- أو حتى القول بأن نجاحها جاء فقط لأنها جميلة وملفتة- لماذا الحجاب إذا؟
 

أما إن كان شكلها لا يتفق مع المعايير الاجتماعية، كأن لونها شرق أوسطي -بحكم أنها شرقية ولم تنل حظًا من جينات الشانزلزية- فهذا يعني أن الفرصة أكبر للاحتقار واحتقار جسدها ووصمها بأوصاف شديدة الحقارة مشمولة بأوصاف جنسية.

أنا أفهم المستوى الأخلاقي المنحدر الذي وصلنا له كمجتمعات تعاني من حروب وانتهاك ممنهج للنساء، لكن إن كان في أيدينا أن نوقف أو نؤخر أو نعطل هذا الانحدار والانهيار فلم لا؟

فتح باب الإتاحة الاجتماعية للنقاش حول أجساد النساء أمر خطير ليس لأنه يتجاهل فرض الحجاب كأحد الأطر الاجتماعية المنظمة للعلاقات بين النساء والرجال، وتجاهل هذا الفرض وإسقاط جدواه "ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْن" يعني أنه لا شيء يمكن أن يعيق تعرض أي أنثى للأذى في المجال العام وبغض النظر عما تقدمه من محتوى أو أفكار، فتح باب النقاش والتطبيع معه يعني أنك كمرأة مستباحة لأن جسدك هو جسد أنثى، وهو ما يتعارض بشكل مباشر مع كل مروءة وخلق قويم أو أي دين.

كما أن التطبيع مع هذا التفكير يعني تطبيع التعامل مع التحرش الفعلي -أقصد به التحرش الذي يشمل الفعل- لأن الأخلاق تنحدر دائمًا ونحن عندما ندعي الفضيلة ولكننا نمارس ونشجع كل فعل قد يقع على الأطراف التي قد لا يمكنها أن تنجر لساحة بمثل هذا الانحطاط في الدفاع عن أنفسهن.. يفكر الناس أحيانًا أن هذا لن يحدث لنا، هذا يحدث لبنات الأخرين فقط لأن بناتنا مهذبات كفاية، وربما لا يخرجن للمجال العام، حتى يتعرضن لمثل هذه التصرفات ولكن الأيام تثبت أنه لا علاقة، بل إن التطبيع لهذا الأمر يعني انتشاره وفواحه بشكل سري -كالعفن- في الإطار الخاص.

بالنسبة إليّ أرتدي الحجاب كفرض تعبدي ثم كطريقة لإخراج جسدي من إطار التعاملات، فلماذا يتم الزج بجسدي وجسد غيري من النساء في إطار النقاشات؟

أنا أفهم المستوى الأخلاقي المنحدر الذي وصلنا له كمجتمعات تعاني من حروب وانتهاك ممنهج للنساء، لكن إن كان في أيدينا أن نوقف أو نؤخر أو نعطل هذا الانحدار والانهيار فلم لا؟ سيسألنا الله كأشخاص منفردين عما فعلنا، وقلنا وأنجزنا بغض النظر عن مدى الانحدار الاجتماعي الذي أحاطنا.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة