عبد المجيد سباطة
عبد المجيد سباطة
736

صندوق الحب (3)

3/4/2017

أعتقد بأن معظم القراء تابعوا أطوار حكايتي الغريبة، أنا وضاح اليمن، منذ بدايتها، فلنواصلها إذن مع الجزء الثالث والأخير. (يمكن للملتحقين الجديد الرجوع إلى التدوينتين السابقتين صندوق الحب 1 وصندوق الحب 2

 

عندما طلبت مني أم البنين اللحاق بها إلى قصر الخلافة في دمشق بعد عودتها من الحج، كنت أعلم بأن هذا القرار المجنون لا يعني سوى ذهابي إلى الموت عن طيب خاطر، صحيح أنها وعدتني بالتوسط لدى زوجها الخليفة لإلحاقي بحاشيته إن أنا نظمت شعرا في مدحه، لكن الأمور لم تكن بتلك البساطة التي تصورتها امرأة ذاقت طعم العشق لأول مرة في حياتها فأسكتت صوت عقلها وأطلقت لصرخات قلبها العنان.
 

قلت بأن تعرفي على أم البنين قد حرك جني الشعر الذي سكت في أعماقي بعد موت روضة في وادي المجذومين، لكن يبدو أنني احتفظت بذلك الجنون المهلك الذي منعني من تقدير عواقب ما يتحرك به لساني، فقد نظمت ما يلي:
 

إلى أم البنين متى   يقربها مقربها

أتتني في المنام فقل   ت هذا حين أعقبها

فما إن فرحت بها   ومال علي أعذبها

شربت بريقها حتى   نهلت وبت أشربها

وبت ضجيعها جذلا   ن تعجبني وأعجبها

وأضحكها وأبكيها   وألبسها وأسلبها
 

يدعي بعض الباحثين في علوم الشعر العربي القديم أن صاحب هذه الأبيات (التي يقولون بأنها فادحة وإباحية في عرف ذلك الزمان) هو عبيد الله بن قيس الرقيات، الذي ابتكر غرضا شعريا جديدا سماه النقاد شعر الغزل الهجائي، والمقصود منه التغزل بزوجة الخليفة لإغاظته والتشهير به في إطار مناوشات سياسية طبعت تلك الفترة، لكنني أؤكد لكم بأنني صاحبها، ولا علاقة للرقيات بها، وها هو عبد المجيد سباطة مصر على مقاطعتي والتدخل لتوضيح الصورة من وجهة نظر تاريخية:
 

وصلت إلى دمشق في الربيع، الخضرة تكسو ضفاف الأنهار السبعة التي تخترق المدينة، والثلج يتراءى من قمة جبل حرمون، وقصر الخلافة هناك في وادي بردى، ينتظر فرصة ليفتح لي أبوابه، فأذهلني ما رأيت

(ربط عدد من المؤرخين هذه القصة بالصراع السياسي المحتدم بين الأمويين وخصومهم، فمن المعروف عندئذ أن قبائل اليمن كانت متعاطفة ومؤيدة لآل البيت وحقهم في الوصول إلى الحكم بعد الويلات التي لاحقتهم وآخرها مأساة كربلاء، فاعتبر البعض أن وضاح نظم هذه الأبيات منتقما من الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك عطفا على أصوله اليمنية، إلا أن كل المؤشرات التي واكبت تفاصيل حياة وضاح دلت على أنه أحب أم البنين فعلا وكان أبعد ما يكون عن إقحام نفسه في هذه الدوامة من التعقيدات السياسية)
 

هذه آخر مرة تقاطعني يا عبد المجيد! دعني أكمل قصتي واحتفظ بتدخلاتك لنفسك، مفهوم؟ المهم أن الوليد أصدر أوامره بالبحث عني وقتلي انتقاما لكرامته، وعوض الهرب والاختباء خوفا من بطشه، خالفت كل التوقعات وذهبت إلى دمشق بعدما علمت بأن أم البنين التي قررت أن تسمي نفسها روض على اسم حبيبتي الراحلة قد عجزت عن الاتصال بي.
 

وصلت إلى دمشق في الربيع، الخضرة تكسو ضفاف الأنهار السبعة التي تخترق المدينة، والثلج يتراءى من قمة جبل حرمون، وقصر الخلافة هناك في وادي بردى، ينتظر فرصة ليفتح لي أبوابه، فأذهلني ما رأيت، واعتقدت بأنني دخلت إلى جنة الله في الأرض، أنا المتعود على جفاف الصحراء وقساوة طقسها، فأنشدت:
 

أبت بالشام نفسي أن تطيبا   تذكرت المنازل والحبيبا

سبوا قلبي، فحل بحيث حلوا   ويعظم إن دعوا ألا يجيبا

ألا ليت الرياح لنا رسول   إليكم إن شمالا أو جنوبا
 

(أخبرني عبد المجيد بأن حال الشام اليوم يدعو للرثاء والبكاء، بعدما دمرته حرب قاسية دخلت سنتها السابعة، حرب تداخلت فيها كل الخيوط ودفع ثمنها الأبرياء، وادي بردى نفسه الذي احتضن قصر الوليد ذات اليوم تحول في عصركم هذا إلى مسرح لمقايضة قذرة كادت تحكم على دمشق كلها بالعطش، وهذه قصة أخرى)
 

علمت أم البنين بأنني بالقرب منها في دمشق، فاستعانت بجواريها ودهائها الأنثوي، وتمكنت من إدخالي إلى القصر في صندوق، في غفلة من زوجها،
 

هو صندوق الحب، الذي شهد الفصل الأخير من حكايتي...
 

قضيت في جناح العاشقة أم البنين ثلاثة أشهر، إن أمنت أخرجتني من الصندوق لأقعد معها وألقي على مسامعها ما جادت به قريحتي من شعر، وإن خافت عين الرقيب أعادتني إلى الصندوق الذي اعتدت على قضاء ساعات طويلة في كعبه المفروش بالحرير الدمشقي، أما إن طلب الخليفة زوجته فهي تعمد عندئذ إلى التحجج بالأعذار واللقاء به في غرف أخرى، بعيدا عن غرفة صندوق الأسرار، هي التي رددت على مسامعي أكثر من مرة بأن الوليد لم يعشقها يوما وأنه لم يعتبرها سوى زوجة لا قيمة لها كامرأة، وسط جيش من الجواري والمحظيات.
 

لكن هذا الوضع الغريب أصعب من أن يستمر إلى الأبد.. أهدي للوليد جوهر له قيمة، فأعجبه واستحسنه، فدعا خادما له وبعث به إلى أم البنين. دخل الخادم عليها مفاجأة وأنا معها، فأدخلتني الصندوق وهو يرى، فلم يجد بدا من مساومتها بطلب قطعة من الجوهر يحتفظ بها لنفسه ويكتم معها سر ما رآه، فطردته أم البنين بقسوة. خرج الخادم وهو عليها حانق، وعاد إلى الوليد وأخبره، فما كان من الأخير إلى أن أمر بضرب عنقه، ثم دعا الخدم ودخل على أم البنين، وأمر بحمل الصندوق الذي يستقر فيه جسدي، فحملوه حتى انتهوا به إلى مجلس الوليد، الذي أمرهم فنحوا البساط ثم حفروا بئرا عميقة في المجلس. هنا اقترب الوليد من الصندوق المقفل وخاطبني:
 

"يا هذا إنه قد بلغنا شيء، إن كان حقا فقد كفناك ودفناك ودفنا أثرك إلى آخر الدهر، وإن كان باطلا فإنا دفنا الخشب، وما أهون ذلك!"
 

انتهت حكايتي، مدفونا في صندوق الحب تحت مجلس الوليد الغيران والمنتصر لكرامته الجريحة، تاركا للمؤرخين والباحثين الحرية الكاملة في تحليل ومحاولة فهم تفاصيل ما جرى في قصتي الغريبة والعجيبة.

هنا يقف معظم المؤرخين حائرين، فهذه اللحظة المصيرية تقتضي خروجي من الصندوق للدفاع عن نفسي وإنقاذ حياتي، إلا أنني آثرت الصمت المميت... كلهم يتساءلون: لماذا فضل وضاح اليمن الصمت؟ هل هو الخوف الذي ألجم لسانه؟ أم أن اليأس جعل الأمر سيان بالنسبة له؟ (تعليق عابر من عبد المجيد وقبله إلياس خوري في أولاد الغيتو: ألا يذكركم هذا المشهد بغسان كنفاني وصرخته الشهيرة في رواية رجال في الشمس: لماذا لم يدقوا جدران الخزان ؟ لماذا؟) كلهم عجزوا عن تبين السبب الذي لا يمكن إلا أن يكون خوفي الشديد، لا على نفسي، أنا الذي خسرت كل شيء منذ زمن طويل، بل على أم البنين، أو روض الثانية، التي قادها جنون العشق إلى فعل المستحيل لأجلي. هل ضحيت بنفسي لتحيا هي؟
 

ربما...
 

وهكذا انتهت حكايتي، مدفونا في صندوق الحب تحت مجلس الوليد الغيران والمنتصر لكرامته الجريحة، تاركا للمؤرخين والباحثين الحرية الكاملة في تحليل ومحاولة فهم تفاصيل ما جرى في قصتي الغريبة والعجيبة. أرى بينكم من يسأل عن مصير أم البنين، اسألوا عبد المجيد! كيف لميت أن يتنبأ بمصير من بقي حيا بعده؟
 

(اختلف المؤرخون مرة أخرى، وإن تناسى معظمهم مصير أم البنين، قال بعضهم أنها تحولت إلى زوجة منبوذة، فحاولت نسيان حكايتها مع وضاح وانصرفت إلى التعبد حتى أيامها الأخيرة، فيما قال آخرون بأن الصدمة دمرتها، فعاشت عذاب فراق حبيبها الوحيد، قبل أن تقرر الانتحار، وأين؟ في مجلس الخليفة، فوق الأرض التي تحتضن أحشاؤها صندوق وضاح!)

كلمات مفتاحية: شعر، مدح، حب، صندوق، البنين

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة