روى حلاق
روى حلاق
4.3 k

أرخصُ من حفلة شواء إسرائيليّة

30/4/2017

لم يبقَ أيّ شيءٍ هنا لهم من ذرّات جلدهم، قطراتُ دمائهم أصبحت غيثًا، وكلّ السيوفُ باتت في انصهارٍ عميق، يقولُ الشاهد المبتسم: "لقد اندثر في صحراء العرب كل ما سبق، بكر وتغلب، عبس وذبيان، المناذرة والغساسنة، طسم وجديس، وقريش وكنانة، فالأغمادُ حين فرغتْ أضاعت الكثير.. الكثير. لكنّهم صمدوا أحياء إلى عصرِ الدبابات والطائرات والرشاشات".

كلّ المواد زالت عن سطحِ الكرةِ الأرضية إلى باطنها وتحللتْ إلى ترابٍ مرّة أخرى، خاصةً تلك التي في الشرق الأعرج، تبدّلت تسمياتُ هتكِ الدماءِ فيما بينها وتفاوتت، لكنّ أسباب القتالِ هنا جميعها مازالت قائمة: حيّة ترزق، باقية تتمدد! ابتسم لها المؤسس الحقيقيّ لدولة اليهود، ثيودور هرتسل ومضى في تأليف كتابهِ "الدولةِ اليهودية"، باحثًا عن بحيرةٍ نقيّة للصهيونيّة في بحر دماء العرب.

وبالتأكيد قلّب هرتسل أوراقَ تاريخ النزاع الحمائليّ والقبائليّ والعشائريّ والعائليّ والمناطقيّ والدينيّ والطائفيّ جيّدًا بين كفّيهِ كما فسّر توراتهُ اليهوديّة حرفًا حرفًا ليختارَ جغرافيّته هنا بعد أن احتارَ بين فلسطين أو الأرجنتين أو أوغندا. وتساءل: أيٍّ منهم ستكون وطنًا أنسبَ لليهود يا ترى، من حيث المناخ والسكان والمساحة والجغرافيا.. ولم يخشَ شيئًا حين اختار الأولى معتمدًا على أسبابٍ دينيّة ستحفز اليهود للرجوع إلى أرض الميعاد بعد هجرانها آلاف السنين.

في الثاني من أيار، تحتفلُ إسرائيل بعيد استقلالها، سيرفرفُ العلمُ الأزرق والأبيض في كلِّ شارعٍ ومنزل إسرائيليّ، خطّان أفقيان متوازيان يعنيان أنّ حدود دولةِ إسرائيل من النيل إلى الفرات.

نشر هرتسل، اليهوديّ النمساويّ العامل في مجال الصحافة والأدب، كتابه "الدولة اليهوديّة" في 14 فبراير من العام 1896 بفيينا، أي قبل قيام دولة إسرائيل ب 52 عامًا فقط، وصُنِّفَ كتابهُ ضمن الخيال الأدبيّ، وضع بهِ تصورًا للعمل على تحقيق حلم دولة اليهود، كيف سيكون شكل هذه الدولة، نظامها، علَمَها، وأسس الحياةِ بها، وأمضى ساعاتٍ وساعات يتخيّلُ دقائق هندستها النموذجيّة والمثاليّة حين تصبحُ واقعًا. وبالرغمِ من اعتماده على الخيال إلّا أنّ هرتسل كان مقتنعًا بالتمام أنّها صالحة للتطبيقِ كمشروعٍ سياسيّ لحل المسألة اليهوديّة ورفض فكرة أن تكون حلم مثاليّ فحسب.

بعد مرور عامٍ تقريبًا على اصدار الكتاب نجح هرتسل بإقامةِ المؤتمر الصهيونيّ الأوّل في بازل بسويسرا بحضور 204 من المندوبين اليهود لوضع حجر الأساس لوطن قوميّ لليهود ونواة افتتاح المنظمة الصهيونيّة التي حددت أهدافها بتحقيقِ وطنٍ قوميّ للشعبِ اليهوديّ في فلسطين، أسوةً بشعوب العالم، من خلال عدّةِ سبل، منها ربط اليهود تنظيميًا بالحركة الصهيونيّة، تعيين هرتسل رئيسًا للمنظمة الصهيونيّة العالميّة، الحصول على الشرعية الدوليّة، وتأسيس صندوق قوميّ ماليّ من مدّخرات اليهود حول العالم للمساهمة في مشروع الاستيطان للدولة اليهوديّة.
 

في المؤتمرِ ذاته من عام 1897 وقف هرتسل بكل ثقةٍ قائلًا: "خلال 50 عامًا سنؤسس دولة اليهود"، وبالفعل قامت إسرائيل عام 1948 كما تنبأ هرتسل. وبعد سنواتٍ قليلة من المؤتمر عُرضِ على الحركةِ الصهيونيّة اتخاذ أوغندا كوطنٍ قوميّ لليهود، وتفرّقوا فيما بينهم إلى حزبٍ مؤيد وآخر معارض، الأوّل دعمَ الفكرة من منطلقِ آنيتها باعتبارها حلّاً مؤقتًا، ولكن بعدَ إرسال بعثة خاصة إلى أوغندا لتفقد الظروف المعيشيّة والحياتيّة والجغرافيّة والمناخيّة هناك.
 

خلصت توصيات اللجنة إلى وجود صعوبات جديّة في إقامة استيطان يهوديّ هناك، وبذلك تم حسم فلسطين كدولة واحدة ووحيدة يريدها الشعب اليهوديّ وتحفّزهُ للانتفال إليها من منطلقٍ دينيّ يجمعُ عليه كافة اليهود حول العالم ولا يختلفون. وعلى هذا المنوال صاغت الصهيونيّة خطواتها كحركة سياسيّة اعتمادًا على الديانة اليهوديّة التي حوّلتها الحركة من مجرّدِ ديانةٍ سماويّة تعبدُ الله إلى قوميّة هدفها جمعُ كافة اليهود حول العالم في أرضٍ واحدة خاصة بهم، كمسوغٍ للاستيطان في أرضِ فلسطين.

في الثاني من أيار، أي بعد يومين، ستحتفلُ إسرائيل بعيد استقلالها ال 69 وقد بلغ عدد مواطنيها 8.68 مليون نسمة، سيرفرفُ العلمُ الأزرق والأبيض في كلِّ شارعٍ ومنزل إسرائيليّ، خطّان أفقيان متوازيان يعنيان أنّ حدود دولةِ إسرائيل من النيل إلى الفرات، وسيخرجُ الشعبُ اليهوديّ برمّتهِ إلى عطلةٍ رسميّة لقضاءِ إجازةٍ تمجّدُ دولتهم في الطبيعة والأماكن الرفاهية العامّة.

هكذا تجري العادة أن تخرج العائلات المحتفلة بعيد الاستقلال الإسرائيلي للشواء والتخييم في الطبيعة، يأكلون اللحم المشويّ على مهلٍ لذيذ، وبالمقابل مازال اللحم العربيّ على مائدةِ الموت رخيصٌ جدًا.. أرخص من حفلة شواء إسرائيلية.

سيصطحبُ الآباء أبناؤهم إلى معارض المعدات الحربيّة العسكريّة المعروضةِ في الشوارع والمنتزهات والمتاحف، وسيقفُ الأطفال مشدوهين بضخامةِ العتاد العسكريّ الذي خاضَ حروبه ضد الفلسطينيين وانتصر عليهم، سيفرحون لهذا النصر العظيم وسيفلتون من قبضةِ الأهل مهرولين نحو الجيبات والدبابات والطائرات للهو بها في غمرةِ شعور الفخر والاعتزاز. أما نحن الفلسطينيون فنردد لأطفالنا: "يوم استقلالهم يوم نكبتنا، لا يدركون معنى الحديث، فنحاول منعهم من الانبهارِ الفطريّ بالآلاتِ الحربيّة الإسرائيليّة في أبهى صورها كبطلٍ لامع كاسر".

ستنير إسرائيل شعلة استقلالها الـ 69 في طقوسٍ خالدة على جبل "هرتسل" الموجود في القدس، والمُسمّى تخليدًا لذكرى مؤسس دولة إسرائيل، ثيودور هرتسل. سيشعلُ قادة إسرائيليون ومختارون 12 شعلة رمزًا للقبائل العبريّة الـ 12 مجتمعة، وبطمأنينة سرّية يفرحون أنّ المنطقة العربيّة في أحسن أحوالها بالنسبةِ لهم، فهي ما عادت مصدر قلقٍ كما اعتقدوا، فالعربُ منشغلون بالتناحر فيما بينهم تحت مسمياتٍ مختلفة، ولم يضيئوا يومًا شعلةً واحدة لطفلٍ عربيّ، فكيف سيأتي يوم ويضيئون شعلةً مشتركة بينهم؟ عاداتهم الجاهليّة مازالت حاضرة، فلماذا القلق؟ يسأل اليهوديّ نفسه.

وفي الختام سيطلقُ المدفع الإسرائيليّ 69 طلقةً احتفاءً بعدد سنوات إسرائيل وسط التصفيق والتهييج بينما القذائفُ تسقطُ في كثيرٍ من الدولٍ العربيّة على رؤوس قاطنيها الأبرياء لتقصفَ أعمارهم دون أن ينبس أحدٌ ببنت شفة لإيقافها، وإن لم يقضوا نحبهم بالغارات، فسيكون ذلك إما بالغرق أو الجوع أو الاختناق.. أو ألف طريقةٍ أخرى ستركلهم للموت السريع أو البطيء.

هكذا تجري العادة أن تخرج العائلات المحتفلة بعيد الاستقلال الإسرائيلي للشواء والتخييم في الطبيعة، يأكلون اللحم المشويّ على مهلٍ لذيذ، وبالمقابل مازال اللحم العربيّ على مائدةِ الموت رخيصٌ جدًا جدًا.. أرخص من حفلةِ شواءٍ إسرائيليّة.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة