أسامة الصياد
أسامة الصياد
398

بين ما هو صحفي وبحثي

4/4/2017

يُلاحظ العاملون في مجال الصحافة والإعلام حاليًا بجانب دُفعات الباحثين التي انطلقت إلى داخل الأوساط الصحفية مؤخرًا، أن ثمّ تداخلًا حاصلًا في الوظائف والأشكال والمضامين بين ما هو صحفي وبحثي، الأمر الذي يُثير الالتباس والاختلاط أحيانًا بين القيم الصحفية والمناهج البحثية التي تُستخدم في كتابة الأوراق البحثية وأغراضها التي تحتفظ بخصائص دقيقة لا تختلط مع وظيفة الصحافة، وإن تقاطعت. والحقيقة أن الالتباس الحادث ليس من قبل الجمهور المستقبل فحسب، بل بات خطأ يقع فيه رواد الصحافة والبحث معًا، فأصبحت المادة الصحفية تُقيم تقييمًا بحثيًا بمنهجيات وآليات البحث العلمي، رغم أن القيمة الصحفية للمادة وغرضها أبعد ما تكون عن هذا، والعكس يحدث بشكلٍ ما أيضًا على الجانب الآخر، إذ خاض الصحفيون مضمار المجال البحثي بأدوات صحفية هي أبعد ما تكون أيضًا عن البحث العلمي الأكاديمي.

 

لا ننكر حاجتنا اليوم إلى "الصحافة المتخصصة" و"الصحفي المتخصص" الذي لديه خلفية نظرية معرفية عن مجال تخصصه، لكن هذه الخلفية المعرفية لا تعني تحويل الفنون الصحفية المختلفة إلى منشورات أكاديمية، تُناقش بعين لغة الأكاديميا، وتنحرف عن مهمة الصحافة الأساسية، حيث يحدث نوع من تبادل الأدوار الغير محمود بين ما هو صحفي وبحثي. تبقى وظيفة مقال الرأي أو التقرير الإخباري أو التحقيق الاستقصائي بعيدة بمسافة عن وظيفة الورقة البحثية أو أطروحات الدراسات العليا والنشرات الأكاديمية البحثية المختلفة، وإن تداخلت الصحافة مع البحث في إمكانية اعتماد كلاهما على الآخر كمصادر للموضوع قيد المناقشة، وهذا يعني أن ثمة مساحات متداخلة في نطاقات محددة على الصحفي والباحث أن يعيها، لكنها لا تعني الامتزاج أبدًا.

 

عندما يجري الصحفي تحقيقًا صحفيًا عن ظاهرة ما -كبرت أو صغرت- وينقلها دون تهوين أو تهويل، فإن وظيفة قطعته الصحفية قد انتهت عند هذا الحد، ولا يُطالبنه أحد بوضع حلول للظاهرة قيد التحقيق

ولعل يجب أن نذكر هنا أن مشاهد الفوضى الصحافية والإعلامية وكذلك البحثية حاليًا، لها التأثير الكبير على الحقل الأكاديمي العلمي أيضًا، تلك الفوضى التي أنتجت أنصاف الباحثين، والأوراق البحثية التي هي أقرب إلى مقالات الرأي والانطباعات الشخصية منها إلى العلمية الرصينة الملتزمة بنسقها ونمطها التي من خلاله تؤدي الدور المطلوب. في حين نرى أوراقًا بحثية وتقديرات استراتيجية تُنشر تحت اسم المقالات والتقارير والتحليلات الصحفية، بل وما يزيد فداحة الأمر أن تجد الباحثين الداخلين حديثًا على مجال الصحافة يقيّمون أعمال الصحفيين قياسًا على منشوراتهم البحثية التي وجدت سبيلها خطأً إلى عالم الصحافة بحثًا عن الانتشار، ما يعني أن التأثير السلبي متبادل، وليس على مجال بعينه فحسب.

 

وفي هذا الفارق بين ما هو صحفي وبحثي نشير إلى أن هذه القيم الخبرية التي ذكر بعضها الكاتب الألماني كاسبر ستيلر والبعض الآخر نُشر في كتاب "صناعة الأخبار" لمؤلفيه كوهين وبونك كـ (الآنية والحداثة - ضخامة الحدث - الاستمرارية - الغرابة والطرافة - الشهرة - قرب المكان - السلبية والصراع - التأثير والأهمية) نجدها هي التي تحكم العمل الصحفي في كثير الأحيان على عكس تقيد الباحث العلمي بخصائص أكثر تحديدًا للبحث. فنجد اهتمام الباحث منصب على حصر الدراسة وتكثيف الجهد وتجريد الأفكار والأحكام وتحديد منهجية علمية واستخدامها، فالبحث العلمي طبقًا لما يُدرس في مواد مناهج البحث يجمع بشكلٍ ما بين الجدة، والدقة، والتبويب، ويعمل على ترابط الفصول برابط منهجي معين به من التجانس والتناسب ما يمكن قياسه والتقييم على أساسه، وكذلك تكون طريقة استخدام المصادر مختلفة عما هي عليه في الصحافة، وإلخ من خصائص معلومة نظريًا.

 

إن التذرع بالموضوعية للحكم على الصحافة لا تعني أبدًا إلغاء وظيفتها لصالح تحويلها إلى منشورات بحثية أكاديمية، بل إن المعايير الصحافية أجدها كافية تمامًا -إذا طبقت- لاستبعاد كل ما هو رث وغث

أما في الصحافة فالضوابط تتسم بعمومية أكثر كالموضوعية وذكر الرأي والرأي الآخر، في حين أن اللغة الصحفية تستخدم الأسلوب الأدبي بشكلٍ كبيرٍ بما فيه من إيجاز ومجاز واستعارات وهو الأمر النقيض في اللغة العلمية المستخدمة في كتابة الأبحاث، وبالطبع فهذا لا يُقلل من مصداقية الصحافة لحساب البحث العلمي، لأنه بالأساس لا يجب أن توضع المقارنة بهذه الصورة، نظرًا لاختلاف الأدوار وطبيعتها. إذ إن وظائف الإخبار والتوثيق وتكوين الرأي العام والالتحام مع الأحداث اليومية بالشرح والتحليل، وتقديم المصالح المباشرة للجمهور تختلف عن وظائف تطوير المعرفة الإنسانية بمنهجيات محددة والوصف العلمي واستخلاص الحقائق وما إلى ذلك من وظائف البحث العلمي، حتى وإن تقاطعت هذه الأهداف في بعض الأحيان.

 

عندما يجري الصحفي تحقيقًا صحفيًا عن ظاهرة ما -كبرت أو صغرت- وينقلها دون تهوين أو تهويل، فإن وظيفة قطعته الصحفية قد انتهت عند هذا الحد، ولا يُطالبنه أحد بوضع حلول للظاهرة قيد التحقيق، تلك الحلول التي ربما على الباحث أن يجدها في بحث آخر يتحدث عن الظاهرة نفسها. في الأمر سعة أن يدخل الباحث مضمار الصحافة ليضيف بخلفيته المعرفية العلمية دون أن يتلبس دورًا ليس بدوره ولا يخترع قياسات تقييمية جديدة لفنون الصحافة بعيدة عنها، وكذا على الصحفيين المقتحمين إلى عالم البحث العلمي أن يتحلوا بالقدر نفسه من المسؤولية التي تجبرهم على تغيير نمط الكتابة واتباع الأساليب المنهجية والعلمية الأخرى في كتابة الأبحاث الدراسات والتي هي مختلفة بطبيعة الحال مع النمط الصحفي.

 

إن التذرع بالموضوعية للحكم على الصحافة لا تعني أبدًا إلغاء وظيفتها لصالح تحويلها إلى منشورات بحثية أكاديمية، بل إن المعايير الصحافية أجدها كافية تمامًا -إذا طبقت- لاستبعاد كل ما هو رث وغث، دون الحاجة لاستيراد مناهج بحثية أكاديمية تُفرغ المواد الصحفية من قيمها وأدوارها تحت مزاعم الموضوعية، التي هي بالأساس قيمة صحفية لا يمكن التخلي عنها.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة