دسوقي أحمد
دسوقي أحمد
3.2 k

اِبنتي مارية وجِنية الأسنان

7/4/2017
حين سقط أول سِنٍ من أسنان ابنتي الكبرى مارية هرعت إلي تريني إياه. جعلت يومها تقلبه في كفها وتحدق به في دهشة عظيمة. سألتني يومها: ما الذي ينبغي أن نفعله به يا أبت؟ حِرتُ جوابًا ولم أدر بما أرد حتى أنقذتني أمها من حيرتي. بعد لحظات كانتا تقفان في شرفة المنزل التي ابتسمت لها الشمسُ أخيرًا وهما يهتفان بصوت واحد أعاد لي ذكريات الطفولة "يا شمس يا شموسة خدي سنة مارية وهاتي سنة العروسة".

تهللت أسارير مارية فرحةً بشدة وهي ترمي السن بأبعد ما يمكن ليدها الصغيرة. بعد قليل ثار في رأسها الصغير ألف سؤال عن السِن والشمس ومن هي العروسة؟ وكيف يمكن لها أن تستقبل السن الجديد القادم من الشمس وهل يأتي بالبريد أم تصحو لتجده بجوارها! كان حوارا صعبًا جدًا على شخص مثلي، غارق في الأرقام والعمليات المنطقية المركبة ذات المقدمات والنتائج. أعترف أن الطب أثرى واقعيتي لكنه أصاب الفانتازيا لدي في مقتل. أسرعت الأم لنجدتي مرة أخرى، تداخلت في الحديث وجعلت تجيب الابنة بما يناسب خيالاتها الحالمة. أعترف مجددًا أن عيناي اتسعتا من الدهشة لما حكته الأم، تماما مثلما دهشت مارية!

بعدها بأسابيع جعلت مارية تعبث في سِنٍّ آخر كان قد ضعُفَ وقاربَ على السقوط حتى جاءت به في يدِها تريني إياه. أشارت عليها جارتنا أن تضع السن تحت وسادتها وأن تنتظر هديةً من جنية الأسنان في الصباح التالي. اختارت الصغيرة بالطبع أن تحصل على هدية عاجلة بدلًا من انتظار السن الجديد القادم من الشمس بعد شهور! أشارت علينا جارتنا السورية أن نضع هدية ما تحت وسادة مارية إذا نامت، حتى إذا استيقظت وجدتها وفرحت بها.

وهكذا بدأت حكاية مارية مع عوالم جنية الأسنان وصارت أحيانًا تكتب لها ورقةً تخبرها أي هدية تريد مقابل سنها الذي سقط. لكن هذه العوالم الخيالية بعثت في نفسي مرةً أخرى ذات التساؤل الذي أبحث له عن جواب منذ عام ونصف مُذ شرعتُ مع ابنتي نقرأُ معا حكايات الأخوان جريم وهي دستور أساطير الأطفال في ألمانيا هنا ومعين حكاياتهم وعماد عوالمهم الخيالية.

الأمر لم يكن مجرد ولوج لعالم الأخوان جريم وحواديت الأطفال، بل هوولوجٌ إلى ميثولوجيا الثقافة الغربية في صورة حالمة طفولية. أنت حينها تزرع في طفلك عالمًا خياليًا للأرض التي يعيش عليه وتباعد بينه وبين العوالم الطفولية العربية. أنت تلج به إلى عوالم الساحرات، الطيبات منهن والخبيثات، بأقزامه وفرسانه، ملوكه وأميراته. عالم غربي صرف سوف يشد الطفل أكثر وأكثر إلى الأرض التي يعيش عليها ويجعله جذرًا غير منبت.

ما يبعث مبدئيًا على الطمأنينة أن هذه العوالم لا تزال محكومة برؤى أخلاقية تبتعد كثيرًا عن شطحات الحضارة الأوروبية الحديثة. صحيحٌ أن هذه العوالم لا تشبه كثيرًا العوالم العربية التقليدية الأسطورية، ولا تشبه كذلك العوالم الطفولية عندنا نحن المصريين، لكنها مليئة بدروس أخلاقية تشترك فيها الحضارات.

في قصة الأمير الضفدع مثلا التي يحكيها الأخوان جريم، يسأل الملك ابنته الصغيرة عن سبب امتقاع وجهها وعن سبب إغلاقها الباب بعنف فتجيبه بحكاية عن الضفدع الذي رآها تبكي لضياع لعبتها في الماء فسألها ما الذي ستقدمه له إن هو جلب لها لعبتها من بئر الماء. الأميرة الصغيرة وعدته بأن تلبي كل طلباته واتفقا فأوفى لها وحنثت هي. ثم هو الآن يطرق الباب ويطالبها بالوفاء. ما الذي فعله الملك يا تُرى؟ الضفدع يطلب أن يأكل من طبق الأميرة الذهبي وينام في سريرها المذهب، وهي تراه مثيرا للغثيان ولا تتحمل هذا. لكن الأخوان جريم يقرران للأطفال مبدءا أخلاقيا مهما علي لسان صاحب الجلالة: من وعد لابد أن يفي بوعده ولا يجوز له أن يخلف هذا الوعد. هكذا نطق الملك ذي اللحية الكثة المهيبة كما يصفه المؤلفان.

هذه الحيرة تثير سؤال الهوية المستمر الذي لا تكف مارية عن مناكفتي فيه ومشاغبتي. صحيح أن أسئلتها وملاحظاتها لا تزال طفولية إلا أنها معبرة للغاية عن مدى الحيرة والصراع الذي يعتملان بداخلها. منذ أيام كنت أصحح لها بعض الكلمات العربية التي تنطقها، سمعني صديق كان يجلس بالقرب مني ففاجأني ضاحكًا بقوله: ابنتك تتحدث لغةً عربيةً "خواجاتي" وهو تعبير مصري دارج قصد به وصف نطقها لبعض الكلمات (مُكسرة وبلكنة أعجمية).

اليوم حملت مارية إلي الهدية الأخيرة التي جلبتها لها جنية الأسنان. تفترض مارية أن الجِنية هي التي جاءتها بـقصص القرآن للأطفالالمكتوب بالألمانية. تضيف مارية أن ما نقرأه ليس حواديت.
أذكر أني كنت أقود بها عائدا من مدرسة المسجد حيث تتلقي دروسا في الدين واللغة العربية، سألتها عما رأته وسمعته هناك فجعلت تحكي على عادة الأطفال وأنا أسمع. ثم إن سمعي قرعه حكايتها لي جزءًا من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم "الخير كله في يديك والشر ليس إليك" ثم دعاء "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة" وإنما قرعت حكايتها سمعي لأنها كانت بلسان (ألماني) مبين، فهل يا ترى تكون مارية قد قررت أن تغرس جذرها في هذه الأرض؟

مارية تقابل كل يوم "أرانب الفصح" و"رجل الثلج" و"أقزام الغابة" و"ذات الرداء الأحمر" و"بيضاء الثلج". تقابلهم في الحكايات وفي مسرحيات الأطفال وفعاليات المدينة التي لا تنقطع. فهل ينبغي أن أخرجها من هذا الواقع وأحكي لها عن "الغولة" و"أبو رجل مسلوخة" أو حتى "علاء الدين" و"التاجر والعفريت"، فكرت كثيرا أن أجلب عالمي إلى ابنتي؛ فخرجت مسوخ لا تعيش هنا ولا تنبت هناك. ثم إن عالمي قد نضبت حكاياته وأساطيره. حتى عوالم الرعب التي خرجت من رحم السلطوية العربية مثل "أبو رجل مسلوخة" وإخوانه لم يعودوا يعيشوا في موطني الأصلي.

كانت إحدى المتدربات لدي في دورتموند طبيبة تركية -مولودة بألمانيا- حديثة التخرج بحجاب سابغ، يوما ما قابلتها مشكلة مع أحد المرضى الذي ضايقه حجابها فأصرت أن تلقنه درسا ورفعت صوتها وسط طاقم العمل بأنها لا تعرف لها بلدا غير هذه البلاد وأن من يظن أنها قد تترك (بلدها) واهم وسيخسر المعركة حتما. يومها نأى الجميع بعيدا عن غضبة "خير النساء".

اليوم حملت مارية إلي الهدية الأخيرة التي جلبتها لها جنية الأسنان. تفترض مارية أن الجِنية هي التي جاءتها بـ"قصص القرآن للأطفال" المكتوب بالألمانية. تضيف مارية أن ما نقرأه ليس "حواديت" لأن الحواديت يفترض بها أنها مجرد خيال لم يحدث لكن قصص القرآن هي وقائع حدثت!

قاطعتني وسط قراءتي لها خبر ما فعله إخوة يوسف به، تستوثق مني أن هذه من قصص القرآن وليست "حدوتة". أجبتها بالتأكيد فارتسمت علامات الحزن على وجهها تتمنى لو لم يُرمَ الطفل في ظلمات البئر.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة