ساري عرابي
ساري عرابي
6 k

جمر الذكريات.. من سجون السلطة إلى خان شيخون

8/4/2017

على الأغلب كان ذلك في العام 2010، فأنا أعاني من مشكلة في استذكار الأزمنة التي حوت أحداث اعتقالاتي إلا بالاستعانة بأوراق الصليب الأحمر، وحتى الذين التقيتهم في السجون؛ أنسى كثيرًا منهم، مع أنني كنت أسمع وأنا صغير، أن الذاكرة لا تكفّ عن تجديد صور وأسماء هؤلاء تحديدًا، لكني اكتشفت خطأ هذا الادعاء منذ اعتقالي الأول، وقد ظللت منذ عشرين عامًا، وأنا أبحث في سرّ هذه المشكلة، وعن حلّ لها دون جدوى.

 

ليس هذا هو المهم، وإن كانت هذه المشكلة، تستحق حديثًا خاصًّا، ولكن في العام 2010 على الأرجح، وبعدما حُكمت في محكمة عسكرية، لدى السلطة الفلسطينية، بثلاث سنوات غير قابلات للنقض أو الاستئناف، نُقلت إلى سجن عسكري في أريحا، سبقني إليه صديقان، عاشا ظروفًا منفصلة عن ظروفي التي عانيتها في الاعتقال، ولكنهما كانا على أية حال مثلي، معتقلين سياسيين.

 

السؤال النابع من السخط وجهه الجحيم، والسؤال النابع من رجاء المعرفة وجهه السكينة. الصدق في السؤال هو باعث السكينة، ما سوى ذلك نحن نحرق أنفسنا، في الوقت الذي نظن فيه أننا ننتقم من شيء ما، أو نثأر لشيء ما

صرنا ثلاثتنا، بالإضافة لاثنين آخرين، السياسيين الوحيدين في السجن من بين العساكر المُعاقَبين الذين يشاركونا الغرفة، مع عدد قليل من المدنيين المسجونين على خلفية جنائية، وكان هذا يكفي للشعور على مدار الثانية بأننا في قلب الجحيم، جحيم صغير، ولكنه مكثّف وعالي الطاقة، ولو انفجر لأشعل الكون كله!

 

كان زملاء الغرفة، أكثرهم، مخبرين علينا وحدنا، ولا غرابة في ذلك، فالغريب هو فقط وجودنا بينهم، أما هم ففي مهمة مستقطعة من خدمتهم، وهذا جانب صغير من وجوه الجحيم، الجحيم المكثف، متعدد الوجوه، والمتفتق عن أصناف العذاب.

 

يستحق هذا الجحيم تفصيلاً لازمًا لتوضيح الظروف التي كانت جمرًا نتقلب عليه وينفذ إلى أعمق ما فينا، ولكي تعرف لماذا كانت تدور بيننا تلك الأسئلة. ولكن يكفيك أن تعرف الآن، أننا بلا أي فعل اقترفناه، لو كنا اقترناه ما كان جرمًا، كنّا نساق فتُحلق لنا رؤوسنا، ونُضرب ونُلقى في الزنازين، وذلك انتقامًا، أو لوشاية كاذبة من "الزملاء".

 

"الزملاء" الذين ما كان يستهويهم من التلفزيون سوى قناة "غنوة"، ولأنك سوف تظنّ أن المشكلة في قناة "صادحة" برقص الغواني على مدار الثانية، ليلاً ونهارًا، حتى بالكاد كنّا نستطيع أن نصلي؛ فإنني أرغب أن أوضح لك بأن هذا التلفزيون اشتريناه من حرّ مالنا، هو وكل الأدوات الكهربائية في الغرفة.

 

غير أننا، وحدنا نحن المعتقلين السياسيين من بين زملائنا في الغرفة، وشركائنا في شراء الأجهزة، لم نكن نملك من أمر التلفزيون شيئًا، ولكيلا أظلم الزملاء، فقد توصلنا إلى حلّ وسط معهم، وهو أن نتابع مسلسلاً تركيًّا، استقطاعًا من لحظاتهم المزمنة الثمينة التي يرصدون فيها اهتزاز أجساد الغواني، وكان للصدفة، مسلسل "وادي الذئاب"، هناك تعرفنا على السيد مراد علمدار!

 

دعني أقل لك أن هذا جانب صغير من وجه واحد من وجوه الجحيم، ودعني أقل لك أن هذا الجحيم كان يفترض فيه أن يكون خاتمة المطاف لرحلة الجحيم الطويلة، التي ما كان آخرها أهون من أولها، وأنني فيما بعد افترقت عن الصديقين، لأعيش جحيمي الخاص الطويل في سجن آخر، ولكن محنتنا لم تكن في هذه الظروف فحسب، ولكن في أصل "كبيرتنا" التي اعتقلنا بسببها، الرأي السياسي ومقاومة الاحتلال، وأننا كنّا من قلّة عانت، لا الاعتقال، ولكن ظروف الاعتقال الطويل بعد المحاكمة العسكرية.

 

وجدت نفسي، وكأنني، كما يقول النّاس في البليغ من دارج كلامهم، هبطتُّ على الصديقين من السماء، بل هكذا قالا لي، حتى أنهما وإن فرحا بمجيئي إليهما، فقد بدوا وكأنهما فرحا باعتقالي أصلاً حتى أجيء إليهما، اكتشفت حينها فقط، نظرية ما نُقضت بعد، مفادها أن المرء أشدّ ما يكون ممتحنًا وهو وحيد متفرد في محنته، وأن المثيل الممتحن أنيس، ومنذ ذلك الحين وأنا أتدبر قوله جلّ وعلا: "وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون".

 

 هبطتُّ عليهما، وهَبَطَتْ عليّ أسئلتهما، تلك الأسئلة التي ظلّت تمزق صدري ستة شهور في الاعتقال قبل وصولي إليهما، بيد أن واجب اللحظة صار يدعوني للتماسك، وللبحث الصادق عن الإجابة، بعدما كانت الأسئلة من قبل تتجه صوب الشك، أو تأخذ شكل العتاب، الذي هو محاولة لتهذيب السخط، ويائسة للانتقام من الواقع.

 

منذ ذلك الحين، اكتشفت أن الأسئلة لها دافعان، ولكل دافع وجه، فالسؤال النابع من السخط وجهه الجحيم، والسؤال النابع من رجاء المعرفة وجهه السكينة. الصدق في السؤال هو باعث السكينة، ما سوى ذلك نحن نحرق أنفسنا، في الوقت الذي نظن فيه أننا ننتقم من شيء ما، أو نثأر لشيء ما، وإنني وإن أخذت أنتقل من السخط الخفي إلى رجاء المعرفة، لأجل صديقي، لا لأجل نفسي، فإنني أخذت أدخل في السكينة. منذ ذلك الوقت، حسمت بالمعرفة كثيرًا من الأسئلة، وارتحت رغم عناء التجربة.

 

لا أشدّ جرمًا وانحطاطًا من إنكار ما وقع على الأبرياء في خان شيخون بسوريا، وأن الأشد انحطاطًا من ذلك الذي خنقهم بالغاز وضربهم بالكيماوي، ثم بدا حقيرًا وتافهًا وهو مفتقد لشجاعة المقاتل حتى لو كان ظالمًا

سألني الصديقان عن سبب اختصاص الله لنا بهذه المحنة، أو كما سألا "لماذا نحن؟!"، وعن قول الله "أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء"، أو كما سألا "ألسنا مضطرين؟!"، وغيرها من الأسئلة، ولم أكن أدري من أين صارت تنبع إجاباتي، على أسئلة، أوصلتها المحنة إلى حدّ السؤال عن قول النبي، صلى الله عليه وسلم، "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل"، لما سئل "من أشد الناس بلاء"، أو كما سألا "هل ابتُلي الأنبياء بمثل ما ابتلينا به؟!"، كان يرى الصديقان أن السجن هو البلاء الأعظم الذي ابتلي به بعض الأنبياء لا كلهم.

 

بدأتُ حينها أفكّر أن البلاء على قدر المهمة، وأن التكذيب قد يفوق أي بلاء، فكيف والمُكذَّب ذلك الذي يوحى إليه من الله، ويكلف بتلك المهمة، ويحمل تلك الرسالة، خلتُ أنه لا شيء شقّ على النبي، صلّى الله عليه وسلم، كتكذيب قومه له، "وإن يكذّبوك فقد كُذِّبت رسلٌ من قبلك"، "قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون".

 

بدأ ذلك المعنى يستقرّ في نفسي، حينما انفصلت عن الصديقين، وأُخذت إلى سجن آخر، وصرتُ اقرأ في الصحف أخبارًا ومقالات تُنكر مظلوميتنا وما يقع علينا، "لا يوجد لدينا معتقلون سياسيون"، كانت هذه الجملة، أشدّ على نفسي من كل الذي عرفته من السجن والتعذيب.

 

كانت هذه الجملة في حدّ ذاتها قطعة من العذاب، تنفذ جمرة من عيني اللتين تقرآنها في الصحيفة إلى صدري، يحترق بها. بدت لي هذه الجملة وكأنها لون مُهندس من العذاب مقصود لأجل العذاب، بقدر ما هي مقصودة لأجل السياسة ومناكفاتها، ولا يقل عنها أذى كلام العامة، ومنهم الأقربون، "لولا أنّه فعل شيئًا يستحق ما أخذوه"، "لقد أخرجوا من بيته أكياسًا وأحمالاً، الله أعلم بما فيها"، "إنهم لا يأخذون أحدًا لم يفعل شيئًا. لماذا لم يأخذونا نحن مثلاً"!

 

إنني أعيش حقيقة جلية، ينكرها الظالم، ويتماهى معه كثير من النّاس. لا شيء أشقّ على المرء الصادق من أن تكذبه، أو أن تنكر الظلم الواقع عليه.

 

يبدو لي الآن، أنه لا أشدّ جرمًا وانحطاطًا من إنكار ما وقع على الأبرياء في خان شيخون بسوريا، وأن الأشد انحطاطًا من ذلك الذي خنقهم بالغاز وضربهم بالكيماوي، ثم بدا حقيرًا وتافهًا وهو مفتقد لشجاعة المقاتل حتى لو كان ظالمًا؛ ذلك الذي من موقع آخر، غير موقع المعركة، ومن جغرافيا أخرى، غير جغرافيا الحرب، ودون أن يضطره الانخراط المباشر في القتال إلى الكذب؛ يُنكر متبرعًا مظلومية المظلوم وما وقع عليه، إنه يختار بكل بساطة أن يكون في الموضع الأكثر حقارة وجناية في الوقت نفسه

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة