أروى الطويل
أروى الطويل
5.1 k

سفح القرار وجبال الثمن

8/4/2017
تبدو الأمور جميلة حين يكون الإنسان قادرًا على اتخاذ قراراته بنفسه، يفكر ويقول هذا مناسب لي، هذا غير مناسب لي، الأجمل أن يدرك الإنسان ثمن كل قرار يأخذه بلا "وَلولة" ولا ادعاء للبطولة، ولا بكاء على غدر الزمان وقسوة الأيام..
 

ولو كان كل قرار نأخذه في الدنيا بلا ثمن، لتساوت المصائر، لتساوى البخيل بالكريم، لتساوى الشجاع بالجبان.. لما كان لأبطال الأساطير وجود، ولولا القرارات الصعبة لما قيل "لولا المشقة ساد الناس كلهم.. الجود يفقر والإقدام قتّال"..
 

نقف عند سفح الجبل ونقرر، بعدها نصعد جبال من الأثمان، نواجه المجتمع بقراراتنا التي في الأغلب ستحظى برفض اجتماعي، نواجه الثمن المادي والثمن العاطفي وكل ثمن آخر سنقابله في طريق تنفيذ قراراتنا، ثم نجد أننا في كل خطوة ندفع أثمان جديدة تشكل في النهاية شخصياتنا، تشكلنا "نحن"، وترسم وجهًا مختلفًا لإنسان متفرد في هذه الدنيا..
 

نقف وندفع هذه الأثمان بنفسنا بدون أن نناصفها لا مع قريب ولا غريب، "لا يؤلم الجرح إلا من به ألم لا تحرق النار إلا رجل واطيها"، والقرارات جلها إن لم يكن كلها ألم، وكلما كبر القرار زاد الألم، وكلما كان مختلفًا عن المألوف كلما كان الثمن أكبر.
 

لا أفهم قرارات الانحياز لظالم، أو لقاتل إلا في إطار القرارات المتعلقة بالانحدار للإطار الحيواني

الزوجة التي قررت أن تستمر مع زوج يهينها ويضربها، قرارها هو الاستمرار، والثمن آلام نفسية وجسدية، والنتيجة ربما أولاد محبين يقدرون القرار وما بذلته من أجلهم، وربما أولاد غير مقدرين لا يفهمون ولا يعرفون ويرون فيها امرأة ضعيفة يقولون يا ليتك طُلقتِ قد أوذينا، في النهاية هو قرارها الخاص لا يدفع أحد ثمنه سواها، ولا يحس بألمه إلاها، وليس من حقها أن تطلب من أحد أن يشاركها دفع الثمن..

بالنسبة لي أرى أن أعظم دليل على وحدانية الله هو "حرية الإنسان المطلقة" قدرة الإنسان على أن يكون إنسانًا عظيمًا أو أن يكون حيوانًا أو أقل من حيوان -هو قراره الشخصي لا قرار أحد سواه- ، فيكون كل إنسان على وجه الأرض يشبه أخوه بوظائفه البيولوجية والحيوية ولكنه مختلف تمام الاختلاف بقراراته وجبال الأثمان التي يحملها على ظهره، تجمعنا الخِلقَة الواحدة ونتفرد بالروح الواحدة، وتفرقنا قراراتنا وانحيازانا..
 

هنا لا أفهم قول إنسان ما "لا أستطيع أن آخذ هذا القرار، أؤمن بصحته ولكني عاجز!" لا أفهم العجز، أفهم صعوبة الظروف، أفهم ثقل الثمن، أفهم الخوف الذي قد تهزمه الشجاعة، أفهم عدم الرغبة أو حتى التكاسل، ولكني لا أفهم العجز، لم يخلق الله إنسانًا عاجزًا، فالحرية والعقل مناط المسؤولية والتكليف، فإذا امتلكت عقلًا وكنت حرًا، سئُلت عن كل قرار، حوسبت أمام الله عما إن كنت بذلت أقصى مجهود لك، ستسأل إن كنت عاجزًا فعلًا أم هو أي شيء آخر إلا العجز..
 

لا أفهم قرارات الانحياز لظالم، أو لقاتل إلا في إطار القرارات المتعلقة بالانحدار للإطار الحيواني، أقول من خلقه الله حرًا كيف يسلب نفسه هذا التكريم؟ كيف لا يحمل هذه الحرية ويدفع ثمنها برضى وبشجاعة مهما كان الثمن مرًا؟ فبها يحمل صبغته الإنسانية وتفرده وتكريم الله له..
 

أقدر جدًا أن يأخذ الإنسان قرارًا ويمضي به من غير دعوات أن يمجده الناس لأنه أخذ قراراته دون غيره، وأقدر أكثر أن يدفع ثمنه بقوة وشجاعة فيخرج من التجربة إنسانًا جديدًا.. وأي جائزة أكبر أن تكون كل يوم إنسانًا جديدًا حرًا؟

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة