كريم عبد المجيد
كريم عبد المجيد
597

موظف حكومي بدرجة أستاذ جامعي

9/4/2017

يقف المعُيد بقسم التاريخ بإحدى الجامعات المصرية في ندوة تُنظّمها الكلية لمناقشة موضوع تاريخي، فُيقدِّم نفسه كمُنظِم للندوة ويُعرِّف بالدكاترة الحاضرين قائلًا: "ويحضر معنا مجموعة من أساتذتنا المؤرخين الكبار ..." مع استكمال ذكر أسمائهم فردًا فردًا بكل إجلال واحترام حتى ينتهي التقديم بهالة تحيط بهؤلاء الأساتذة. هذا التعريف الذي تقدم به هذا المعيد بداخل الأروقة الأكاديمية ناعتًا دكاترة قسمه بالمؤرخين لا يتجاوز حد المدح والتقدير من تلميذ لأستاذ يكبره في العمر فقط، وإلا فإن الواقع العلمي لهؤلاء الدكاترة لا يرتقي بهم بأي شكل إلى رتبة "المؤرخين"، فلو تفحصتهم اسمًا اسمًا وعرضته على المعنى الحقيقي لكلمة "المؤرخ" لرسب الجميع إلا القليل الذي ربما يشفع له بعض الإضافات هنا أو هناك من الأبحاث والكُتب التي وضعها في الماضي.

وبنظرة أكثر دقة لما هو عليه هؤلاء الأساتذة من مرتبة علمية، فلا نجدهم قد يرتقوا إلى مرتبة أعلى من مرتبة "الباحث"، فمن الممكن اعتبارهم باحثين أصحاب نتاج مقبول وفي بعض الأحيان واسع ولكنه نتاج مُستهلك يُعاد فيه الكلام مرات ومرات وتسال فيه أحبار الأقلام بدون إضافة جديدة لمواضيع بحوثهم أو كُتبهم التي تجدها عبارة عن تجميع ونقولات من هنا وهناك بصحبة بعض الإضافات البسيطة، مع الاستشهاد بنتائج توصل إليها باحثين آخرين دون نقدها أو تأييدها أو إبداء رأي شخصي يشير لقناعات صاحب البحث أو الكتاب فيها، والذي يُفترض فيه أنه أستاذ جامعي وصل من العلم إلى درجات عالية تؤهله ليحمل لقب "المؤرخ"، وهو لقب لا نصيب له منه إلا في عبارات الثناء في الدوائر التي تحيط به، بل هو أشبه بالموظف المُعين في وظيفة من وظائف الحكومة الرتيبة التي يجلس فيها على مكتبه كل يوم من الصباح حتى الثانية ظهرًا يؤدي عمله في روتين قاتل يخلو من أي إبداع أو تجديد أو جهد يجعل ما يقوم به شيء ذات قيمة. 

المؤرخ هو رجل ذات مرتبة علمية أخرى، لديه من الجهد في رصيده المبذول والإبداع في سبيل تدوين حقيقي للتاريخ ما تخبرنا به كتبه وأبحاثه الرصينة، التي جلس عشرات السنوات في القراءة والبحث حولها بنظرة نقدية فاحصة

فإذا كان الأصل فيما يعرض من مواد تاريخية ومناهج وأبحاث وكُتب يكتبها لنا هذا النوع من الأساتذة فكيف حال من يخرج من تحت أيديهم من معيدين وما ينتجه هؤلاء من رسائل علمية؟ الإجابة هي: مراثي علمية تلحق بهذا الركب البائس، فلا تجدهم يختلفون كثيرًا عن أساتذتهم بل تجدهم نسخ مكررة لا يملكون من العلم إلا المعروف الشهير الذي استوى على سوقه، ولا يفكرون في أبحاث جديدة إلا للارتقاء في الدرجة العلمية في الكلية للارتقاء بالتالي في الوظيفة، ويخرج لنا في النهاية رسائل وأبحاث هزيلة لا تُقبل في بعض الجامعات المتخصصة من طالب يبدأ حياته الدراسية في الصف الأول من الكلية، وهي تسمى في كلياتنا برسالة حاز صاحبها على درجة الماجستير أو الدكتوراه في التاريخ، ولك أن تنظر إلى الطريقة التي يُعين فيها المعيد في أقسام التاريخ التي هي جزء من هذا النظام الفاشل كله، فكلما حفظت أكبر قدر من الأحداث التاريخية ووضعتها في ورقة الامتحان كلما كانت علاماتك أعلى بغض النظر عن فهمك الحقيقي لهذا الكلام أم لا.

فمن هو المؤرخ الحقيقي؟
هو رجل ذات مرتبة علمية أخرى، لديه من الجهد في رصيده المبذول والإبداع في سبيل تدوين حقيقي للتاريخ ما تخبرنا به كتبه وأبحاثه الرصينة، التي جلس عشرات السنوات في القراءة والبحث حولها بنظرة نقدية فاحصة ليخرج لنا هذا النتاج القيم الذي يرقى فيه بالمعرفة التاريخية رأسيًا وأفقيًا. 

والفارق بين المؤرخ الحقيقي والدكتور الموظف أن الأول يتفاعل مع الماضي الذي يُدونه، يذهب إلى أماكن وقوعه بنفسه، يعيش بداخله ويحيط بروحه، يمشي في شوارعه وأزقته، يصف جماداته من بيوت وقصور وخانات وحمامات كما يصف حياة أحياءه من سلاطين وعلماء وتجار ووزراء وفرسان كأنه يراهم جميعًا أمامه يتفاعلون فيما بينهم في لوحة تتنفس من هذا الماضي ما يعيدها إلى الحياة مرة أخرى، وهو لا يكتفي بهذا بل يذهب لأحفاد الأرض الأحياء ليتعلم منهم كيف كانت الحياة والتقاليد التي أورثها لهم أجدادهم في الماضي، وهو يعرف لغتهم ويتقنها قراءة وكتابة ويفقه كيف تعكس كلماتها وتعبيراتها وأمثالها أشكال من الحياة التي مضت، وهو رجل حيادي بقدر ما تطيق نفسه، وظيفته أن يحيط فيما بين يديه من شهادات مكتوبة ومنقوشة ومروية من مصادرها الأصلية ثم يُعرِّج على المراجع والدراسات الحديثة التي تناولت نفس الفترة التي يؤرخ لها، فيجمع كل تلك الوثائق وينقدهم بدقة وتأني، فيُخرج لنا تاريخ أقرب ما يكون لما كان عليه الماضي، وهي أمور كثيرة تحتاج لقدرات خاصة وعلوم مساعدة لا يمكن أبدًا أن يحيط بها الدكتور الموظف.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة