روى حلاق
روى حلاق
2.2 k

يومَ سُئِلت السماء

9/4/2017

من خلفِ الباب المسدودِ نصفهُ، سمعَ سعيد أمّهُ وهي تصرخ، لم يكن يحتاجُ هذه المرّة أن تلتصقَ أذنهُ بالباب حتى تصل ذبذباتها الصوتيّة إليه كما كلِّ مرّة، كانت أوتارها مشدودة متقطعة "يعني بدهم يقتلونا مثل ما قتلوا مئات الفلسطينيين بدير ياسين؟ وانا وانت والولاد يا أبو سعيد، فكرت بمصيرنا؟ مستحيل نبقى هون وإلا بكون دمنا برقبتك، بدك تبقى ابقَ لحالك، احنا طالعين". لم يدرِ أبو سعيد ماذا يردّ، فنهضَ من مكانهِ خارجًا من الغرفةِ دون أن ينبس ببنت شفة، نظرَ إلى ابنهِ الواقف خلف الباب نظرةَ تأنيبٍ وشفقة معًا لاستراقهِ السّمع، ولكنّه أحسّ بذنبِ ابنهِ أصغر من اللوم لبراءته، فبينما تسرقُ الوحدات اليهوديّة بيوت الفلسطينيين وتقتلهم جماعاتٍ وفرادى دون اعتراض أو حساب،  لماذا يعاقبُ ابنهُ على فعلٍ طفوليٍّ أحمق كهذا أمام مصيبتهِ الأكبر!
 

هربَ الطفلُ سعيد إلى الخارج يلعبُ مع أقرانهِ من أبناءِ الحي، في مساحاتٍ طبيعيّة نائية على أطرافِ مدينةِ الناصرة، كانت الشمسُ تفترشُ سماءَ شهرِ تموز وتلوّنُ بلهيبها بشرة الصبيان لتغلبها السُّمرة، وبعينينِ لامعتين نظرَ إلى الأفق البعيد متخيلًا أنّهُ سيقاومُ الجنود اليهود بعصا الخيزران التي اقتطعها قبل أيام وضربَ بها أبناء جيرانهِ حتى تألمت أجسادهم وصاحوا، وإن لم تنفع، جهّز مخططًا آخر بسرقةِ سكّين قريبهِ أبو خالد الجزّار الحادّة التي لم تستسلم أمام أيِّ ذبيحةٍ طيلة الأعوام الماضية، كي يحمي بها نفسه ووالديه وأخويه الصغار. تشعّبتْ في خيالِ سعيد الخصب قصصٌ بطوليّة كثيرة رغمَ خوفهِ من الأسلحة التي لم يرَها قطّ من ذي قبل، فتحَ صدرهُ، أرخى ذراعيه، ورفع قامتهُ عائدًا إلى بيتهِ منتصرًا بعدَ لهو. ولكنّ صوتًا زادَ من حدّةِ هذا التوهّج حتى صار شعلة من طمأنينة: "لا تخافي، الدول العربيّة أرسلت لفلسطين جيش الإنقاذ ليحررها، آلاف الجنود وصلوا ليحاربوا معنا ضد اليهود وإن شاء الله رح يحمونا، اما أنى اترك البلد مش رح اتركها لو بموت ببيتي" قالَ الأب منهيًا حديثهُ بحزم.
 

عادَ أزيزُ الرصاص، مجهول المصدر، يرنُّ في السماء بصوتٍ أعلى من الليلة الماضية، أخذَ يقتربُ من سعيد رويدًا رويدًا، فهرع إلى منزلهِ للاحتماء بحضنِ عائلتهِ، كما فعلَ كل من كانَ في الشارع، فهو لا يريد الموت بعيدًا عنهم

صمدت ابتسامةُ سعيد بضع دقائق على وجههِ قبل بدئها بالتلاشي أمام أقوال أمّهِ التي تؤكد أنّ جيش الإنقاذ لم يستطع حماية أبناء دير ياسين من الذبح، ولم يحفظ اللد والرملة وحيفا ويافا من السقوط والتهجير، فأسلحةُ الكتائب اليهودية متطورة، رشاشات رشيقة، رصاص فولاذيّ، ذخائر عسكريّة ضخمة، طائرات، ودبابات بحجم الديناصور أمام ضُئلِ السلاح العربيّ والفلسطينيّ البدائيّ الذي استُعمل بعضه لصيد الحيوانات البريّة، كما وصفت له. قطب سعيد حاجبيه ودخل سريره يفتشُ عن حلٍّ ما، فغفى سريعًا. ولكنّ نومه لم يطل، أنهضهُ صوتُ أزيز الرصاص يعصف في قرية صفورية المحاذية للناصرة، معركةٌ دامية تدور بين المقاتلين الفلسطينيين وإلى جانبهم جيش الإنقاذ ضدّ الوحدات العسكريّة اليهوديّة، سمعهم يقولون. سارعَ سعيد وأخواه للخارج بتحريضٍ من الفضول، ومع كلِّ صوتٍ سمعهُ أطلقَ دعوةً لله أن ينتصر أهالي صفورية، ولكنّ نورًا في السّماء المظلمة جمّد فمه وفتحَ بؤبؤ عينيه على اتّساعهما؛ هي طائرة عسكريّة  ضخمة ألقت براميلاً مشحونةً بالمتفجرات حتّى صمّت أذناه وارتعشت قدماه، صاحَ من حوله: "لقد سقطت صفورية". فتوقف عن الدّعاء.
 

في صبيحة اليوم التالي بدا لسعيد أنّ أمّه مُحقّة، ولكنّه كان يكرهُ أن يصدّقَ فعلَ الهزيمة، فكيفَ تغلبُ دولة واحدة الدول العربيّة مجتمعة؟ كان منطقهُ يدفعهُ للنصر دومًا، لا للاستسلام. حاولَ أن يطمئن نفسهُ أنّ قوات جيش الإنقاذ تطوّق مداخل المدينة، ولكنّه لم يستطع أن يثق بالفكرة. أخذ يسيرُ بالشوارعِ رغم الخوف المسيطر على وجوهِ النّاس القابعة في المنازل وخلف الجدران. عادَ أزيزُ الرصاص، مجهول المصدر، يرنُّ في السماء بصوتٍ أعلى من الليلة الماضية، أخذَ يقتربُ من سعيد رويدًا رويدًا، فهرع إلى منزلهِ للاحتماء بحضنِ عائلتهِ، كما فعلَ كل من كانَ في الشارع، فهو لا يريد الموت بعيدًا عنهم.  دخل بيتهُ وإذ بوالدهِ يقفُ على شرفةِ المنزل وقد ارتسمت على محياه ابتسامة غريبة لم يعهدها منذ شهور: "الجيش العراقي اجا يا ام سعيد عشان ينقذنا، هللي وافرحي اجا الفرج والانتصار قريب" فأطلقت أم سعيد الزغرودة الطويلة، قفزَ سعيد من مكانهِ منطلقًا لاستقبال الجيشِ العراقيّ.
 

بعد لحظات قليلة من نزولهِ للشارع، أشارَ سعيد بسبابتهِ نحو مئاتِ الرجال المعتمرين للكوفيّة الحمراء العراقيّة، يسيرون من الشمالِ البعيد ومعهم مدرعتين وسيارات عسكريّة، وسأل: "هذا الجيش العراقيّ، أتراهُ يا أبي؟". لم يسمع الأب كلمات ابنهِ وسط ضجيج النّاس التي احتشدت لاستقبال الجيشِ العراقيّ بالهتافِ الكريم. تقدّمَ سعيد قبلَ الجميع ليحيي الجيشَ العراقيّ، ركضَ نحوهم بنظراتِ حبٍّ وإعجاب وسعادة كانت تتسع رقعتها في صدرهِ كلّما اقترب منهم، شاعرًا نبضات قلبهِ حادّة كأنّها في سباقٍ مع الزمن، وأخيرًا، ها هو قد وصل، وقفَ قبالة أوّلِ جنديِّ، نظرَ إليهِ رافعًا عيناه للأعلى لطولِ قامتهِ الممشوقة، وبعبارةِ طفوليّة أبدى السلام: "مُسلِم والحمدُ لله" ومدّ ذراعهُ للمصافحة.
 

تكدّستْ جثّةُ سعيد المتعفِّنة مع عشرات الجثث الأخرى في ذات المكان، بقيت لأيّامٍ دون أن يمسسها أحد خوفَ الاقتراب من المنطقة، ولكنّها كانت منفردة عنهم بملائكيّتها

حدّقَ الرجل بسعيد غاضبًا، وبحركةٍ سريعة رفع سلاحهُ وأطلقَ أربع رصاصات اخترقت صدرهُ البريء من الأمامِ عن مسافةِ صفر فخرجوا من الخلف. تلقفتْ الأرض جسدَ سعيد الصغير المضرجِ بالدماء وهو يلفظُ أنفاسهُ الأخيرة المختلطة بالتراب، لم يتسَنّ لهُ لفظ الشهادتين الّتي علّمها إياه والدهُ قبل أيّام، فالموت كان أسرع.
 

خلعَ الجنديُّ كوفيتهُ صارخًا: "كديما"، باللغةِ العبريّة، أي تقدّموا. سارت قافلة الجنودِ فوق جسدهِ الصغير وانهالَ الرصاص على المستقبلين من أبناء المدينة، ودون أيِّ مقاومة بدأت ترتطم أجسادهم بالأرض، جرحى وشهداء. منهم من استطاع الهرب -رغم فوهة الرصاص المفتوحة على اتّساعها لقتلِ كلّ كائنٍ يصادفها- عبر تدحرجهم بالطرق الجبليّة. في هذه اللحظة أدركت المدينة أنّ العدو أصبحَ على مشارفها، وأنّها قد خُدعت بقطعةِ قُماشٍ حمراء.
 

تكدّستْ جثّةُ سعيد المتعفِّنة مع عشرات الجثث الأخرى في ذات المكان، بقيت لأيّامٍ دون أن يمسسها أحد خوفَ الاقتراب من المنطقة، ولكنّها كانت منفردة عنهم بملائكيّتها، ولغايةِ يومنا هذا، مازالتا عيناهُ مفتوحتين صوبَ السماء تحدّقان في الأفقِ بحثًا عن جوابِ السؤال: "من قتلني؟".

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة