عبد المجيد سباطة
عبد المجيد سباطة
450

أن تكون عبدا في بلد عربي..

1/5/2017
طبيعي جدا أن نشعر بالنفور والاشمئزاز ونحن نتابع أو نقرأ عن تاريخ العبودية في أوروبا وأمريكا، عندما تم انتزاع بشر لا حول لهم ولا قوة من بلدانهم الأصلية، واقتيادهم في ظروف أقل ما يقال عنها أنها حيوانية ولا إنسانية إلى مناطق أخرى في أمريكا الشمالية واللاتينية، كما أننا نتعاطف آليا مع نضالات السود في الولايات المتحدة، ونستنكر التنكيل الذي تعرضوا له، والذي وصل حد التصفية والقتل، كما جرى مع أبرز قادتهم، مالكولم إكس ومارتن لوثر كينغ وغيرهم.. ولكن ماذا عن العرب أنفسهم؟ ماذا عن تاريخهم الأكثر "سوادا" من بشرة هؤلاء "العبيد"؟


رواية "زرايب العبيد" للكاتبة الليبية نجوى بن شتوان، صدرت عن دار الساقي اللبنانية سنة 2016، ووصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) دورة 2017 (والتي فازت بها رواية موت صغير للروائي السعودي محمد حسن علوان في النهاية) كرواية "نسائية" وحيدة في القائمة.
نحن في فترة زمنية تتراوح بين سقوط الحكم العثماني في ليبيا، وسيطرة الاحتلال الإيطالي على البلاد، تحترق زرايب العبيد التي ضمت مجتمعا غريبا من المنسيين الذين عاشوا حياتهم في درجة أقل بكثير من درجة البشر، فيكشف الرماد المحترق عن أسرار كثيرة حاول أصحابها إخفاءها، ليكون للقدر والزمن رأي آخر..

رغم طابع الرواية "زرايب العبيد" المحلي، واعتماد الكاتبة على عدد كبير من المصطلحات والمفردات المستقاة من اللهجة المحلية الليبية، إلا أنها لم تغفل وضع هوامش تشرح فيها كل تلك المصطلحات.

يقع محمد في حب تعويضة، الخادمة والجارية السوداء، التي تبادله الحب، هو المتزوج والأب للبنات، يعتقد الأهل والزوجة بأن الأمر لا يعدو كونه علاقة عابرة، يتسرى فيها محمد بخليلته (وهو ما كان معروفا وعاديا جدا في ذلك الوقت) لكن مع مرور الأيام، استشعر الجميع خطر علاقة عشق حقيقية تربط بين "الحبيبين"، فبدأت الحرب التي كلفت تعويضه إجهاضا، ثم تزويجا قسريا بعبد آخر، وقتلا لمولود لا حول له ولا قوة، وإبعادا لمحمد من بنغازي، بعد إرساله في رحلة تجارية خارج البلاد، قبل أن تتطور الأحداث بشكل مثير لا داعي لذكر تفاصيله هنا.
 

ما يلفت الانتباه في "زرايب العبيد" أمران اثنان:
تاريخ العبودية في ليبيا -الصالح للإسقاط على كل دول المنطقة-، حيث يقف القارئ مذهولا أمام هول ما تكشفه أسطر الرواية، عندما تتحول حياة بشر سيئ الحظ إلى جحيم، لا لشيء سوى أنهم ولدوا ببشرة سوداء، معاملة حيوانية، تعذيب يكشف عن الجانب المظلم والقذر في حياة الأسياد تجاه عبيدهم -إن صح تصنيفهم كذلك أصلا-، وكم هائل من التعقيدات التي طبعت حياة المجتمع الليبي في فترة تراوحت بين أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. (لم تشر الكاتبة إلى أية سنة في عملها.. وأبعدته تماما عن السمة المعروفة للأعمال الروائية التاريخية، لكنها اكتفت بعلامات مبهمة تجعل القارئ المطلع نوعا ما قادرا على تبين الفترة التي تجري فيها الأحداث بالضبط).
 

البساطة التي كتبت بها الرواية، فالروائية الليبية لم تعتمد على تقنيات روائية جديدة أو معقدة -إلا إذا اعتبرنا أن التنقل بين سرد الراوي العليم والسرد بضمير المتكلم هو تقنية في حد ذاتها- كما أن اللغة غاية في البساطة، التي لا تنفي بطبيعة الحال سلاستها وقدرتها على الوصول إلى القارئ بسهولة ويسر، ورغم طابع الرواية المحلي، واعتماد الكاتبة على عدد كبير من المصطلحات والمفردات المستقاة من اللهجة المحلية الليبية، إلا أنها لم تغفل وضع هوامش تشرح فيها كل تلك المصطلحات، وتجعل قراءة العمل وفهمه متاحين لكل القراء العرب وليس فقط الليبيين منهم، لكنها أضافت إلى هذه البساطة حبكة متماسكة وغير معقدة، وقدرة واضحة على جذب اهتمام القارئ وإجباره على عدم التخلي عن الرواية وتحين أي فرصة مناسبة لالتهام صفحاتها (الطريف أنني اصطحبت معي الرواية عندما ذهبت إلى موعدي مع طبيب الأسنان، فكانت الأحداث المتلاحقة للرواية سببا في تخفيف "ألم" العلاج !) وهذا بطبيعة الحال شرط أساسي لتقييم أي عمل روائي ووصمه بالجودة أو السوء.
 

هل يوجد تشابه بين "زرايب العبيد" ورواية الكاتب الكويتي سعود السنعوسي الشهيرة "ساق البامبو"؟ إلى حد ما.. نعم.. مع اختلاف الوقائع والحيثيات والظروف طبعا.

لي بعض الملاحظات حول "زرايب العبيد"، يمكن تلخيصها كما يلي:
قلت قبل قليل أن اللغة واضحة وسهلة وبسيطة في الرواية، لكن هذا لا ينفي تصيدي لبعض الأخطاء اللغوية، خاصة في الصفحات الأولى، بعضها يمكن تصنيفه كأخطاء "فادحة" من حسن الحظ أنها اختفت فيما بعد (ما يفتح النقاش مرة أخرى حول صاحب المسؤولية، هل هو الكاتب أم الناشر الذي لا يعتمد في فريقه مدققين لغوين أكفاء، أو ربما لا يعتمدهم أصلا؟).
 

الحبكة كما أسلفت الذكر قوية ومتماسكة، لكن ملاحظتي متعلقة ببناء الشخصيات، تصنيف الشخصيات على أنها إما خيرة مطلقة -ناصعة البياض مجازيا- أو شريرة مطلقة -شديدة السواد مجازيا أيضا- لا يخدم في نظري الرواية الواقعية، أنا مؤمن (وهذا رأي شخصي قد يحتمل الخطأ كما الصواب) بأن البناء الأكثر تماسكا لشخصيات أي عمل روائي من هذا النوع هو الذي يقدمها لنا متناقضة، تكاد تجزم بأنها شريرة فتصدمك بضعفها أو نزوحها إلى الخير، أو العكس، عندما يصدمك من توقعت منه الصلاح بلحظة ضعف أو ما شابه.
 

أليس التناقض هو أبرز سمة في النفس البشرية على الإطلاق؟
من جهة أخرى، هل يوجد تشابه بين "زرايب العبيد" ورواية الكاتب الكويتي سعود السنعوسي الشهيرة "ساق البامبو"؟ إلى حد ما.. نعم.. مع اختلاف الوقائع والحيثيات والظروف طبعا..


هي في نهاية المطاف واحدة من أكثر الروايات العربية التي شدت انتباهي هذه السنة، وكنت أتمنى فوزها بلقب البوكر، لكن "موت صغير" فازت بها في النهاية، وهي رواية أخرى جميلة جدا (مع بعض الملاحظات طبعا) وقد أشارككم انطباعي عنها في تدوينة قادمة.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة