لمى خاطر
لمى خاطر
1.8 k

خالد مشعل.. يترجّل ولا يأفل

10/5/2017

إن كان في امتداح رجل وهو على رأس هرم قيادي لا يخلو من شبهة التملّق، أو هكذا يفسّره من اعتاد أن يقرأ معلقات التزلّف للحكام والقادة والمسؤولين، فإن تشييع خطاه المغادرة موقع القيادة بكلمة وفاء يبدو واجباً على من كان يرمق مسيرته بتقدير، وتستوقفه محطّات عديدة يرى فيها حكمته وفطنته وسعة صدره ورحابة أفقه، حتى لو اختلف معه في بعض التفصيلات. فكيف إذا كان هذا القائد زعيم حركة بوزن حماس التي تتحلّق حول تجربتها عيون لا محدودة في الأمة كلّها، وترصد خطواتها أو تتربص بها دائرة كبيرة من الأعداء، على رأسهم عدوّها الصهيوني المباشر، الذي آلمته الحركة على مدى ثلاثين عاماً وأرهقته بتنامي قدراتها واشتداد ساعدها وتمسّكها بحقها في نِزاله.

 

ليس سهلاً أن تُختزل أسراب التحايا التي يستحقّها خالد مشعل في كلمات، أو يستوعبها مقال عابر، فعشرون عاماً قضاها في قيادة واحدة من أهم حركات التحرر والمقاومة في العالم لا بدّ أن تورِث من كان متابعاً تقدّم هذه الحركة أسفاً خفيّاً وهو يرى رئيسها يترجل عن صهوة القيادة، حتى مع إدراك أهمية تداول القيادة وضروراتها الحيوية التي تُجنّب هذه الحركة مصائر غيرها من الحركات التي تحكّم فيها الاستبداد، وآلت إلى الارتهان لمزاج الزعيم الأوحد والرمز المطلق الجاثم على أنفاسها حتى مع ملاحظته بأنه أوغل في العمر أو صار ظلّه ثقيلاً على من حوله.

 

يغادر أبو الوليد موقعه، لكنه لن يأفل، ولن يفتر مشعل النار في ساعده، لن تغيب أنفاسه عن رئتي حماس، ولن يكف موج حراكها عن الاستئناس بمركبه. كل ما في الأمر أن النجوم لن تحمله هذه المرة قمراً إلى عداد أسلافه من الشهداء، إنما يخلي مكانه لفارس آخر

أُدركُ أن أبا الوليد لا ينتظر إطراءً من محبيه أو متابعي مسيرته الطويلة في قيادة الحركة، لكننا اليوم ونحن ننظر إلى الوراء ونستحضر تلك اللحظات العصيبة من عام 1997، يوم حاول الموساد الصهيوني اغتياله بالسم، فلبث ساعات عصيبة بين الحياة والموت، نتذكّر كيف كان واقع الحركة صعباً ومأزوما، وكيف كانت تواجه محناً كبيرة في غزة والضفة الغربية والخارج، لكنّ أبا الوليد ما لبث أن تعافى، ثم بدأت بعده الحركة بالتعافي من ضائقة محنتها العسيرة، وسارت في طريق صاعد، وإن اعترته مفترقات صعبة.

 

سيضيق هذا المقام عن تعداد الفضائل العديدة للرجل وتبيان مآثره، عن تجرّده وحكمته وحنكته وكياسته، وتواضعه، وقوة خطابه الواضح الجامع، والتزامه بثوابت قضيته، وانحيازه إلى جهادها وتفانيه في إعلاء رايته. لكن ثمة فضيلة أساسية يستذكرها كلّ من كان متابعاً لخالد مشعل أو عرفه عن قرب أو بعد، وهي أجواء التفاؤل التي تحضر معه في كل خطاب أو اتصال مع الجمهور، وتحطّ طيورها على أكتاف متابعيه، تفاؤل لا يتخلى عنه ولا يغادره حتى في أشد اللحظات والمحطات وعورة وإظلاما، لدرجة أن هناك من كان يرى هذا التفاؤل نقيضاً للواقعية، لكن مشعلاً كان في موقعه المسؤول يدرك أهمية أن يكون القائد موقداً للهمم، أو محركاً لجمرها المخبوء تحت الرماد، وأن يظلّ مبشّراً لا منفرّا، متسلحاً بابتسامة الواثق بالغد وليس المنشغل بالتباكي على مرارة اليوم. فالحال الصعب لا يدوم، لأن هذه سنة الحياة والتاريخ، ووحدهم المسكونون باليقين من يملكون أن يَعْبروا بهذه القناعة عنق الزجاجة أو يكسروا طوق قيد المراحل.

 

يغادر أبو الوليد موقعه، لكنه لن يأفل، ولن يفتر مشعل النار في ساعده، لن تغيب أنفاسه عن رئتي حماس، ولن يكف موج حراكها عن الاستئناس بمركبه. كل ما في الأمر أن النجوم لن تحمله هذه المرة قمراً إلى عداد أسلافه من الشهداء، إنما يخلي مكانه لفارس آخر وهو في كامل أهليته للقيادة، ذلك أن دروس التجدد والزهد في المناصب عنده أهم لحماس وللمتطلعين إلى تجربتها من التشبث بالموقع حتى إن كان هذا التشبث قابلاً للتسويغ أو ممكناً -لو أراد-. لكنها أمانة الرسالة ومسؤوليتها الجسيمة، فالمبدأ فوق الأشخاص، والقيم فوق الأهواء، والمصلحة العامة فوق المطامح الخاصة والمكتسبات الضيقة.

 

شكراً لحماس التي تنبذ تقديس الهيئات وتحنيط الرموز، ولأبي الوليد الذي أحسن لها قائداً وبرّ بها ابنا، وسيقاسمها مشقّة المسير راعياً وناصحا وحريصا.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة