الدعاء.. اختبار الحب والانتظار

11/5/2017

هل كانت عودة سيدنا يوسف لأبيه الذي ظل يدعو الله راجيا عودته بكل تلك البساطة؟ هل عاد له فور رفعه يديه إلى السماء؟ لماذا يظن البعض أن الله يسجل دعاء ويُهمل آخر؟ وأثناء ترقبنا للاستجابة لِمَ لا نلمس عنايته بنا؟ مَن مِنا لم يفكر للحظة بأن الله لم يستجب له، معتقدا أنه نسيه وسط زحام التوسلات، وبذلك إما أن يقنط من رحمته أو يفوض أمره له وكله يقين بأن الله "قَدّرَ وما شاء فعل".
 

في الحقيقة يا صديقي إن الله لا يعمل وفقا لرغباتك حين تدعوه، ذاك الذي خلقكَ بأحسن تقويم، فيه من الرحمة والحكمة ما يجعله يستجيب لك بالوقت المناسب، فقط انظر من حولك للخير الذي يُصيبك والشر الذي يُخطئك، ولا تُصر فقط على اختصار سعادتك بما تطلبه أنت، ذلك أن الإنسان كثيرا ما يكون عدو نفسه، يطلب ما لا يليق بها.
 

سيدنا يعقوب ظل يدعو الله عمرا كاملا كي يعود له يوسف، لم يهدأ أبدا ولم يتوقف "وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ"، وعلى الرغم من صبره وإيمانه وحكمته وكونه نبيا، لم يستجب الله لدعائه في وقت قريب. لم يكن الله مشغولا عن يعقوب، بل كان يصنع من يوسف ملكا ويُعلي من شأنه ومكانته في مصر، ولو علم يعقوب بما أصبح عليه ابنه، لكان استودعه الله الذي لا تضيع عنده الودائع، ولم يحزن كل هذا الحزن.
 

حين يكون مفهومنا للدعاء سطحي، نسير نحو التذمر وربما الإلحاد، لأن الإنسان يميل إلى ازدراء ما لا يفهمه عندما يصبح أكثر عجزا من إدراك المعنى فيه.

الدعاء ليس مجرد كلمات نرددها وأمنيات نرغب بها، إنما هو إيمان عند انقطاع الرجاء بكل من هم حولك ليظل رجاؤك معلقاً بالله وحده، هو يقين بأن لا شيء سيحدث لك خارج مصلحتك، حتى ذلك الألم الذي يعتصرك، تأكد أنك ستتعلم من قسوته، وتنجو بسببه من أشياء وأشخاص وربما من نفسك.
 

الدعاء هو ممارسة الحب في مخادع الروح التي يطيب فيها الانتظار. هو آلة موسيقية، ستسمع اللحن الذي يُمتعك حين تُجيد العزف عليها، وفي الحالتين تكسب، فأنت العازف والمستمع. إن فهمنا العميق لمعنى الدعاء هو اختبار لنقاء الحب فينا وصدق الانتظار، ذلك أننا حين نحب شيئا ما ونرغب به ونسعى للحصول عليه، نحاول الاعتناء به ونُسخر كل الظروف لتحقيقه، ويصبح عطشنا له وترقبنا وحرماننا منه محبباً لنا، وما نريدهُ بشدة ننتظره بصبر. لكن حين يكون مفهومنا للدعاء سطحي، نسير نحو التذمر وربما الإلحاد، لأن الإنسان يميل إلى ازدراء ما لا يفهمه عندما يصبح أكثر عجزا من إدراك المعنى فيه.
 

أتعلم يا صديقي أن هناك دعاءً مريحا ودعاءً لا يزيد القلب إلا قسوة وألما؟ ستستغرب حين أقول لك أنك تستطيع التخلص ممن أساؤوا لك وظلموك بالدعاء لهم وليس بالدعاء عليهم. أن تدعي لمن آذاك وليس عليه، أمرٌ يحتاج لجهد كبير، لا لشيء إلا لأن تعاستك بسببه تتطلب منك بالفطرة الانتقام منه، فتعتقد بأنك لو باشرت بالدعاء عليه سيعاقبه الله ويخلصك منه، وكأن الله متفرغا لأحقادك!
 

انتبه، هناك أدعية تُخطئ كثيرا حين تطلبها، فمثلا عندما تُحب تتألم بالقدر الذي تشعر فيه بالسعادة، وحين تصطدم بفشلك في علاقة ما، أول دعاء يخطر ببالكَ هو "اللهم انزع هذا الحب من قلبي". هل تعلم أنكَ بذلك تكون قد دعوت على نفسكِ بزوال أكبر نعمة منحها الله لك؟ وهي "الحب".
 

طبيعة الدعاء في أكثر أوقاتك ألما وضيقا هو اختبار لكل ما بداخلكِ من عظمة ورحمة ووفاء ونقاء وصبر، لأن العاشق الحقيقي لا يرجو زوال نعمة الله من قلبه، ويتجنب الأمنيات التي تُدخله العتمة بانطفاء قبس من نور الله فيه.
 

لماذا لا تفكر بكل تلك الطاقة والحياة والفرح الذي يبعثه الحب فيك عندما تكون على علاقة جيدة مع المحبوب، لماذا لا تكون الأشياء الجميلة هي مخزونا يمنعك من السقوط عند الفراق؟ ولماذا لا تؤمن بأن الأشياء الجميلة التي مرت فينا لا يُمكن أن تنتهي مِنا، لأنه وعلى رأي الحلاج "العينُ تبصرُ مَن تهوى وتفقِدُهُ.. وناظرُ القلبِ لا يخلو من النظرِ".
 

تذكر حين ترفع يديك للسماء بأنكَ قد تدعو على قلب أنتَ ساكنه، وحين يكتمل العشق في قلبك، ستدرك كيف يكون الدعاء اختبارا، فقلبٌ تعمرهُ بالحب لن تغادر الراحة منه وإن غادرتكَ أسبابها.

جلال الدين الرومي قال "إن الوداع لا يقع إلا لمن يعشق بعينيه، أما ذاك الذي يحب بروحه وقلبه فلا ثمة انفصال أبدا". ستقول لي إن هذه الكلمات ليست كافية عندما يحترق أحدهم من فراق المحبوب. أفهمك، لا شيء يمكن أن يصف ذاك الحريق الذي يندلع بالروح خلال سيرنا في طريق العشق، لا أحد ينتبه لوحدتنا وتعاستنا، وكل كلماتي ستغدو ركيكة في وصف ذلك الألم، لكن دعني أعود بك من جديد لمولانا الرومي الذي قال يوما " لكي تولد نفس جديدة يجب أن يوجد ألم، فالحب لا يكتمل إلا بالألم" تلك الولادة ما هي إلا نتيجة اكتمال ألمك في العشق.
 

ورغم أنني أفهمك جدا يا صديقي، إلا أنني ما زلتُ مصرة بأن الراحة لا تأتي إلا مِن وجود الحب في قلوبنا، وإن الذين "نذكرهم بالمحبة والشوق حتما سيذكروننا بالوصل والقرب"، لذلك ليس أجمل من نصيحة ابن الفارض حين قال: " ﻳﺎ ﻣﺤﺮﻗﺎ ﺑﺎﻟﻨﺎﺭ ﻭﺟﻪ ﻣﺤﺒﻪ.. ﻣﻬﻼً ﻓﺈﻥ ﻣﺪﺍﻣﻌﻲ ﺗﻄﻔﻴﻪ.. ﺃﺣﺮﻕ ﺑﻬﺎ ﺟﺴﺪﻱ ﻭﻛﻞ ﺟﻮﺍﺭﺣﻲ.. ﻭﺍﺣﺮﺹ ﻋﻠﻰ ﻗﻠﺒﻲ ﻓﺈﻧﻚ ﻓﻴﻪ".

تذكر حين ترفع يديك للسماء بأنكَ قد تدعو على قلب أنتَ ساكنه، وحين يكتمل العشق في قلبك، ستدرك كيف يكون الدعاء اختبارا للحب والانتظار، وقتها لن يكون مختصر سعادتك في حضور الأشياء التي تحبها بجانبك، فقلبٌ تعمرهُ بالحب لن تغادر الراحة منه وإن غادرتكَ أسبابها، وبذلك تكتمل نعمة الله عليك، لأن هذا العشق سيوصلك حتما لأخلاقه، سيكون دليلك في مرحلة تستطيع فيها أن تحب كل شيء بذات العطف، وتتقبل أسوأ الأمور بابتسامة، وهي ذاتها التي تطرب فيها روحك، ترى الحبيب في قلبك وتبصره في كل الأشياء الجميلة حولك، وتحدثه في صلاتك، وتُصافحه بشوق في دعائك له.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة