أسامة الصياد
أسامة الصياد
725

حتى هذه التدوينة أنا غير راضٍ عنها

12/5/2017
"مقالتي الأخيرة"، "آخر تدويناتي"، "أحدث تقاريري".. تلك الكلمات التي بالتأكيد تصادفها بشكل شبه يومي على مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت تعجُّ بدعاية خزانات المحتوى العربي المتفجرة حديثًا، والتي من وجهة نظري الشخصية تُعد ظاهرة إيجابية على المستوى البعيد حتى وإن شابتها بعض سلبيات التقييم، ولكنها في النهاية تظل مساحات مؤمَّنة بعيدًا عن الأنظمة الاستبدادية، وطاقة حرية لم تُأمم بعد.

وبعكس المرآة يمكن أن ترى ما لا يسعك رؤيته في وجهها، إذ أنها انعكاس لما توجه إليه، فسيل الواردين على منافذ الإعلام والتدوين لا يتوقف، وبالطبع كل فرد منهم لا يرى سوى وجهه في المرآة، وتلك هي إحدى أكبر المشكلات التي تواجه هذا الجيل الحديث، الذي لا يزال يتحسس خُطاه في هذا الملكوت البراق.

لا أحب ادعاء "علم الشيء" بالأسبقية، وأؤمن تمامًا أن المعرفة والتطور المهني عمليات تراكمية بحتة، شرط أن يقتنع الإنسان أنه "جاهل" بما لا يعرفه، دون ترك الأبواب مواربة لأوهام المعرفة ذاتية التصنيع في مطابخ النفس البشرية، والاكتساب بالوحي والإلهام دون مجهود يذكر.

الشعور بالكمال مدمر، والرتابة والروتين في مهنتنا هذه قاتل، وتعود الأشياء يقودك إلى سراب التكرار، والقناعة فيها كنز فان، فالصحافة ليست وظيفة كما اعتقد حديثو العهد بها.
لذلك أعتقد أن ما يجب التحذير منه لكل المشمرين عن سواعدهم حديثًا في مجالات الصحافة والتدوين وغيرها من فنون الإعلام، هو الاستكبار على التعلم، وترك مجهود التحصيل والمراكمة، لصالح عمليات الشو والاستعراض، مع إيماني التام أن تسويق أعمالك هدف ضروري ولا غنى عنه في الشبكات الاجتماعية، التي باتت كالأسواق في الإعلام لعرض البضائع، ولا ضرر مطلقًا في تسويق نفسك، لإيجاد المزيد من المنصات التي توفر لك فرص العرض، وهذه مسألة عادلة تمامًا.

ولكن لا يمكن أن يكون هذا على حساب مسألة الإتقان والتمكن من الفن الذي تكتب فيه، لأن السوق الذي تعرض فيه بضاعتك تأكد أن به من القطع "العادية" ما يفوق منتجك عددًا ومضمونًا، ناهيك عن الإنتاج فائق الدقة والجودة الذي يبقى، بينما يندثر العاديون، فيما تكون معضلتك قناعتك الذاتية "إنك جبت الذئب من ذيله" دون أن ترى السوق من حولك.

استيقظ يا صديقي! بعضنا لم يمر عليه أشهر في هذا المجال الاستعراضي، ويعتقد أن احتفالياته بإنتاجه كفيلة أن تعطيه جواز المرور الاحترافي وصك الموهبة، دون أن يحاول الاستماع لنقد مهني بناء لما أخرج، فيما أن الحقيقة تقول إنه ربما من كل هذا الضجيج لا يخرج شيئًا، وعند أول اختبار عملي حقيقي ستتبخر الكرنفالات، وسينكشف الغطاء سريعًا عما نحاول قطف ثماره قبل زراعته بطريقة صحيحة.

هذه المعايير التي ربما تغيب عن البعض تحت سكرة كثرة الإنتاج وصخب الكتابة والتدوين، ربما تكون سببًا في سقوط مستقبلي، إذ إن البنَّاء يستعلي على تعلم البِناء قبل الشروع في التشييد، مع حالة متواترة غريبة من القبول والرضا بما هو كائن.

لا أتذكر أن كاتب هذه السطور أنتج أي قطعة صحفية -على مدار سنوات معدودة من التعلم ما زالت في بدايتها- وهو راض عنها تمامًا، دائمًا ما كنت أستشعر أن شيئًا ما ينقص اللوحة، وأكون متيقنا عند قرار النشر أن ثمة نقص لا أعلمه بالطبع، وعليّ البحث عنه عند غيري، حتى هذه التدوينة التي أمامكم أن غير راضٍ عنها، وأرى أن هناك ما هو أفضل من ذلك لصياغة تلك الخواطر المبعثرة.

لا أريد في النهاية أن أتحدث بنفس كهل سبعيني يُسدي النصائح يمنة ويسرة، ولكنها أمنية واقعية أن يتخطى هذا الجيل الجديد حدود أصنام معابد الصحافة القديمة وكهنتها المتحالفين مع سلاطين كل عصر.
الشعور بالكمال مدمر، والرتابة والروتين في مهنتنا هذه قاتل، وتعود الأشياء يقودك إلى سراب التكرار، والقناعة فيها كنز فان، فالصحافة ليست وظيفة كما اعتقد حديثو العهد بها، وكثرة المواد لا تغني عن أجودها شيئًا، والكبر عند التعلم سقوط، والرضا بالواقع فناء.

أعتقد أن هذا الجيل القادم في هذا المجال على قدر مميزاته والفرص المتاحة أمامه وتخطيه كافة العقبات العمرية، لا يزال بحاجة إلى ثقافة التعلم ومراكمة المعرفة والميل إلى التدريب أكثر من نزعة الإنتاج المتسرع المتأثر بثقافة "الترند"، وهو ما أعتقد أنه السبيل لكسر الذوات المتضخمة ونزاعات "الإيجو" المنبعثة في الأرجاء، كذلك أدعو إلى صقل المواهب الحقيقية الموجودة التي لا يمكن إنكارها بأي حال.

ولا أريد في النهاية أن أتحدث بنفس كهل سبعيني يُسدي النصائح يمنة ويسرة، ولكنها أمنية واقعية أن يتخطى هذا الجيل الجديد حدود أصنام معابد الصحافة القديمة وكهنتها المتحالفين مع سلاطين كل عصر، ويتحرر بأصول الصنعة من كل القيود المفروضة عليهم لتحجيمهم، دون أن يتهموا بـ "الخفة" في عملهم.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة