دسوقي أحمد
دسوقي أحمد
2.7 k

عن أصدقائي الذين قد لا يدخلون الجنة

12/5/2017
حين بدأت العمل في أحد مستشفيات الغرب الألماني قبل 5 سنوات، كانت هذه -دون مبالغة- هي أول مرة أعمل فيها مع زملاءٍ لا يشتركون معي في اللغة والدين. وأنا اليوم أجزم أن أكثر الأشياء ثراءً في تجربتي الحياتية كانت ذلك المزيج البشري المتنوع الذي يرافقني في كل مكان أعمل فيه.

في الأسبوع الأول من العمل أدركت أن فريق العمل ليس به أي مسلم عداي أنا وصديق أردني. رفيق العمل في الوحدة العلاجية كان شابًا كولومبيًا لا أزال أذكره بكل خير. كان الشاب يساريًا بحق، يحب مساعدة الفقراء ويهتم لأمور الضعفاء والمضطهدين في كل مكان. وجدت عنده معرفة جيدةً للغاية عن القضية الفلسطينية وعن الأخطاء الإعلامية في تصوير العرب والمسلمين في الغرب. سألته ذات يوم لماذا لا يشتري سيارةً جديدة، وأجابني بما لم يقنعني لكنها كانت تعليلًا يساريًا يتفق وقناعاته. بالطبع استطاعت زوجته الأوروبية أن تغير من هذه القناعات لاحقًا.

كان هذا الصديق رغم هذه القناعات اليسارية المتطرفة أحيانًا، كاثوليكيًا مخلصًا يؤمن بالمسيح ويفزع إلى صلواته إذا حزبه أمر أو تعرض لضائقة ما. انضم إلى صداقاتي بعدها كثير من الزملاء والزميلات، زميلة كورية تعتنق المسيحية الإنجيلية، زميل وزميلة يونانيان يدينان بالأرثوذكسية وبالطبع جمع عزيزٌ من الإخوة العرب المسلمين.

ما الذي يُتصوَّر أن أفعله كمسلم إذا ما قابلت زميلي الأرثوذكسي الذي تربطني به علاقة جيدة جدًا؟ هل ينبغي علينا كمتنافرين عقائديًا أن نشعل النار في وجوه بعضنا!
كانت هذه المجموعة تتقابل كثيرًا في أيام العطل والإجازات. ساعد على هذا كون المدينة صغيرة إلى حد ما وكوننا جميعًا مبتدئون في تلك البلاد ليس لنا أصدقاء ولا تزال عائلاتنا في طور الاستقدام. بالطبع لم يكن هناك يومًا أي حد لنقاشاتنا، ولم يخل نقاشنا من موضوعات دينية كما لم تخل جلساتنا يوما من صديق لا يؤمن بإله ولا يدين بدين ويرى كل ما نحن عليه هراءً لا يلزمه منه شيء.

أخبرت هؤلاء الأصدقاء حين سألوني عن رؤية الإسلام لمن لا يؤمن به، هل هو يستحق الخلاص في الآخرة أم لا، أن الإسلام يفرض الإيمان به والالتزام بقواعده وممارستها لكي يتم هذا الخلاص. بالطبع خضنا نقاشًا كبيرًا ومتشعبًا حول رؤية الإسلام للمسيح وغيرها من القضايا المتشعبة. قلت يومها إن المسلم يؤمن بالله وحده لا شريك له، ويتبع شريعة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم ويؤمن بعيسى بن مريم نبيًا ورسولًا من الصالحين. بتعبير واضح أخبرتهم أن الإسلام يراهم كفارًا حاضوا عن صراط الله المستقيم.

هل تعرف لماذا لم يثر هذا الكلام عاصفة من الهراء الذي ينتشر اليوم في وسائل الإعلام المصرية؟ لأننا جميعًا كنا نأكل السمك سوية. والسمك يا صديقي ليس مسؤولًا عن تخفيف الاحتقان كما تتصور، إنما أقصد أننا كنا نمارس فعلًا طبيعيًا وعاديًا جدًا فيما نواصل الحديث بكل بساطة عن معتقداتنا. وهذا هو لُبُّ المشكلة وسبب الاحتقان غير المفهوم في مصر، أنهم يتحدثون عن أشياء عادية جدًا لكنهم لا يقومون بممارسة الأشياء العادية.

إذا ما مارس القوم التطبيع، وانشغلوا بممارسة الأمور الحياتية وأفعال البشر الاعتيادية، سوف يمكنهم أن يفهموا كيف يكون لي أصدقاء، قد لا يدخلون الجنة.
طبيعي جدًا أن يرى أهل كل دين أنهم على طريق الله المستقيم وأن غيرهم ينبغي أن يصلوا إلى الله إذا ساروا مثلهم في هذا الطريق. لكن الفقه يقتضي ألا يتعدى هذا الحكم بالكفر على المخالف قدره الذي قدره الشرع له.

ما الذي يُتصوَّر أن أفعله كمسلم إذا ما قابلت زميلي الصربي الأرثوذكسي الذي تربطني به علاقة جيدة جدًا ويستشيرني وأستشيره في أمور حياتية خاصة؟ هل ينبغي علينا كمتنافرين عقائديًا أن نشعل النار في وجوه بعضنا البعض كلما تقابلنا؟ بالطبع لا، فالحكم بالكفر من الطرفين لبعضهما الآخر يجعلهما يدركان أنهما مختلفين؛ لكن ليس على طول خط الحياة. هذا التباين العقائدي يُستدعى عند الحاجة إليه في المسائل المحكومة به كالزواج مثلًا؛ لكنها ليست أبدًا رفيق كل لحظة من لحظات الحياة المشتركة بين كل مختلفين.

هذا التطبيع الذي أدعو إلى الانشغال به يتجنب أمرين هامين، أولهما أنه لا يمس أبدًا العقائد الراسخة ولا يمنع من ذكرها والإجابة بها على كل سائل. وثانيهما أنه لا يأتي أبدًا على ظهور الدبابات وفي حِجر الديكتاتوريات القامعة التي هي بمثابة مزابل سواء جلس في حماها هلالٌ أو صليب.

إذا ما مارس القوم هذا التطبيع، وانشغلوا بممارسة الأمور الحياتية وأفعال البشر الاعتيادية، سوف يمكنهم أن يفهموا كيف يكون لي أصدقاء، قد لا يدخلون الجنة.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة