أروى الطويل
أروى الطويل
17.8 k

في العزاء الجميل

13/5/2017

في الأول من مايو عام 2017، أبلغني الطبيب أن وضعي الصحي ووضع جنيني في خطر وأن عليه أن يتخذ قرار ولادة مبكرة خلال هذا الأسبوع. شعرت بالذعر وداهمني ألم في بطني، ظن الطبيب أنه ألم نفسي فصرف لي مسكنا وكتب لي على خروج من المستشفى، على أن أعود بعد عدة أيام لتقييم الحالة واتخاد قرار الولادة، كنت في الأسبوع الرابع والعشرين، في بلد غريبة، وأمي لا تستطيع أن تأتي أو تتحرك من مكانها.

 

في نفس اليوم، داهمتني آلام المخاض، لم تكن آلام بطني آلام نفسية بل كان طلقا، ولأني لم أجرب الطلق من قبل فلم أكن أعرف، في نفس اليوم ولد ابني أيوب، طفلا خديجا جميلا - في عيني طبعا- بوزن 300 جرام فقط، تخبرني الطبيبة بصراحة أنه بين الحياة والموت وأن شرايين قلبه قد تنفتح في أي لحظة ليموت. يتوسل لها زوجي للحصول على "كلمة حلوة" للحفاظ على ضغطي في حده الأدنى لكنها ترفض أن تعطينا أي أمل، تقول بصراحة ستكون رحلة صعبة وأيوب هو الطفل الأصغر على الإطلاق الذي يدخل حضانتها.

 

عندما استيقظت من البنج كنت مبتهجة، أوزع قبلاتي على الجميع، على طاقم التمريض والأصدقاء الذين تركوا كل شيء وامتلأت بهم غرف المستشفى، كان عليّ زوجي صامتا، ينظر لي ويبتسم، بعد أن استعدت وعي أخذني علي لنزور أيوب وقفت أمام الحضانة في غرفة العناية المركزة وكانت أكبر صدمة نفسية واجهتها في حياتي، طفل صغير مسكين شديد الصغر يرقد تحت ألف أنبوب في حجم الشعر، ورأسه قد أسندت على كرة من الشاش -كأنها مخدة- أما جسده فقد غطي بالبلاستيك، في وجه أيوب رأيت آلام الدنيا، بالتحديد رأيت صورة معينة للألم -لا أرغب في ذكرها- فبكيت وأشفقت عليه، قلت لعليّ: "سيموت، لن يحتمل كل هذا"، لم أكن أفهم، لكن قلبي امتلأ بالرضا، لست مؤمنة قوية الإيمان، ولكن كأن الله أنزل علي منحة ربانية، ورغم الرضا كان قلبي يؤلمني ألما رهيبا حتى نسيت الجرح الذي قسم بطني نصفين، وكأني ولدت طفلا من قلبي لا من بطني.

 

في هذا الوقت احتجت العزاء، وتنزل لطف الله عليّ بالمحبة التي ملأت قلبي من كل زائر. وكأن الله قد خلقهم من اللطف، وكأن اللطف وهو معنى قد دبت فيه الروح فأصبح بشرا.

 

وفي كل سؤال عنا كنت أرى لطف الله الذي تنزل على الناس، وجعلهم جنتي بدلا من أن يكونوا جحيمي، الغرباء الذي لم أتوقعهم الذين تحولوا إلى أقرباء، جارتي صفاء الطيبة الحنون التي أعدت لي الغداء -وغيرها أعد لي- لكنها قطعت البطيخ حتى نزعت بذوره. أنظر للطبق وأبكي. ما هذا اللطف يا صفاء؟

 

أما جارتي التركية سيلين، والتي علمت أني ولدت، لأرجع للبيت وأجدها تقف أمام بيت منزلي وتبكي بالدموع علي، وتأخذ يحيى فتهتم به أفضل مما أهتم به أنا.

 

توفي أيوب بعد عشرة أيام من الصبر الجميل، والكفاح، والجمال الذي تمثل فيه وفي كل شيء أحاط بظروفه وحالته. كان قضاء الله نافذ وسابق، ومالنا إلا الرضا، وبعض العزاء الجميل. الذي لا يمنع الألم، ولكنه ينبت من قلوبنا الزهر

إيثار وأسامة الزوجان الصغيران، وإيثار التي لطالما عاملتها كابنتي الصغيرة فأعنفها وأتشاجر معها كما يليق بأم في الستين من عمرها، كيف تحولت لأم -لا أكثر من أم- تعد الطعام وتهتم بي وبصحتي وتدللني ويجلس زوجها خارج غرفتي ثلاثة أيام ويقود بها كل مرة ساعة ونصف على الأقل لتحضر لي الطعام، هي التي لم تخبر شيئا في الحياة. كل هذا اللطف يا إيثار يعزيني ويجبر قلبي.

 

يمكنني أن أسرد هنا كل الأشخاص ولكن هل يتسع مقال لصفحات كتاب؟ أنا التي لا تحب الناس، ولا تطيق الزحام، وتنزعج من الأصوات. يتغير كل شيء فيكون الناس عزائي وسلواي، أتذكر مقولة قرأتها: لو كنا من طين لماذا لا ينبت منا الورد؟ وأفكر لو كان الناس بكل هذا الجمال كيف لا ينبت منهم كل الورد، لاستغنيت عن حديقتي واكتفيت بهم.

 

في المرة الأولى التي رأيت فيها أيوب، وقفت على حضانته وأسندت رأسي، كانت دموعي تنهمر من عيني بلا توقف ولم أملك إلا أن أقول له، الله الذي خلقك وقدر رزقك وكتبلك أن تأتي في هذا اليوم، لم أختر لك شيئا، نرضى ونصبر يا حبيبي، رغم الألم، قلت له لا أملك لك شيئا ولكن أعدك ألا أرى إلا الجمال في محنتنا هذه. بحثت عن الجمال فيكل شيء. تهت أحيانا وضعت.

 

في اليوم العاشر من محنتنا وفي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل توفي أيوب، كنت وقتها جالسة في غرفة مظلمة يقتلني الألم بدون سبب معروف وفقدت قدرتي على التماسك، كنت أبكي بهلع، وكتبت على الفيس بوك حالة قلت فيها "قلبي واجعني لدرجة إني مابقتش حاسة بيه" في هذا الوقت تماما كانت شرايين قلب أيوب تنهار وكان في لحظاته الأخيرة، لكن لم يصلنا الخبر إلا صباح اليوم التالي.

 

توفي أيوب بعد عشرة أيام من الصبر الجميل، والكفاح، والجمال الذي تمثل فيه وفي كل شيء أحاط بظروفه وحالته. كان قضاء الله نافذ وسابق، ومالنا إلا الرضا، وبعض العزاء الجميل. الذي لا يمنع الألم، ولكنه ينبت من قلوبنا الزهر.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة