عبد المجيد سباطة
عبد المجيد سباطة
1.8 k

رسائل إلى قارئ شاب

15/5/2017

عزيزي القارئ الشاب، تحية طيبة. أعلم أن أول سؤال قد يتبادر إلى ذهنك هو: "من يحسب نفسه هذا المتبجح حتى يحدثنا عن نصائح القراءة؟" اطمئن، أنا لا أعتبر نفسي "أخا أكبر" يتحدث بمنطق "اقرأ كذا" و "لا تقرأ كذا" فالقراءة في نهاية المطاف فعل حر، ولكل قارئ الحق في اختيار ما يعجبه، هي مجرد رغبة قوية في مشاركتك بعض ما أعتقد بأنني وصلت إليه بعد تجربة متواضعة جدا مازال ينقصها الكثير والكثير لتنضج.

 

لك كامل الحرية إذا في مواصلة التهام أسطر هذه التدوينة بعينيك، أو إغلاق الصفحة والبحث عن تدوينة أخرى أكثر أهمية. حسمت أمرك؟ تريد البقاء؟ هيا بنا إذا!

 

جرب أن تقوم بجولة قصيرة بين مكتبات مدينتك، أو ألق نظرة سريعة على مجموعات القراءة المنتشرة كالفطر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وسترى بأن مقولة "شعوبنا لا تقرأ" أو "العربي لا يقرأ في المعدل سوى أربع دقائق في السنة" مجرد كلام فارغ قد تكون له أهدافه المعلومة، فالواضح والأكيد أن الجيل الحالي يقود "ثورة قراءة" لا يمكننا إلا مباركتها وتشجيعها.

 

ولكن، ألا ترى معي عزيزي القارئ بأن السؤال الأهم ليس هو "هل تقرأ؟" أو حتى "ماذا تقرأ؟" (حتى لا نسقط في فخ التوجيه)، بل "كيف تقرأ؟" وهذا ما سأحاول تبسيطه عبر مجموعة من الملاحظات سريعة:

 

يوجد شبه إجماع على أننا نعيش "عصر الرواية" وأن "الرواية هي ديوان العرب الجديد"، قد لا يتسع المجال هنا لمناقشة هذه الفكرة، لكن وجب الإقرار بأن الرواية أخذت حيزا مهما من اهتمام القراء، طيب، هل الرواية لوحدها كافية لصنع قارئ متكامل؟ طبعا لا! احرص عزيزي القارئ على تزويد مكتبتك بكتب من مختلف صنوف الأدب والشعر والفكر والتاريخ والدين والعلوم وغيرها، فهذا التنوع هو الكفيل بتوسيع مداركك وإغناء ثقافتك، إن كنت مهتما بالرواية بشكل أساسي، جرب مثلا أن تطالع رواية، ثم أتبعها بكتاب فكري، وآخر علمي، وعد بعده إلى الرواية، وهكذا.

 

للصحافة والإعلام حساباتهم الخاصة، وغالبا ما تجد أن الكتاب الفلاني الذي بالغوا في مدحه لا يستحق ربع ذلك المدح

جميل جدا أن تعد قائمة بالكتب التي تنوي قراءتها في الأسبوع أو الشهر أو السنة، أو أن تشارك فيما يسمى بـ "تحديات القراءة"، فهذا كفيل بتنظيم مطالعتك وحثك على الاستمرار وتجنيبك الكسل والفوضى، ولكن لا تنس بأن الهدف الأول من القراءة هو الاستفادة والتمعن والتدبر، أعتقد بأن الفرق واضح جدا بين قراءة خمسة كتب في السنة، تخرج منها باستفادة ومعلومات وأفكار جديدة، وقراءة مئة كتاب لا تكاد تذكر في نهاية السنة عناوينها أو أسماء أصحابها!

 

موقع Goodreads المتخصص في مراجعة وتقييم الكتب مفيد جدا، ولكن استفادتي منه تقتصر على أخذ فكرة أو نبذة مختصرة عن الكتاب، اسم كاتبه، تاريخ صدوره، ناشره، بعض المقتطفات منه، وفقط، لسبب بسيط هو أن الاطلاع على مراجعات القراء لا يمكن إلا أن يصيبك بالتشتت والضياع، وغالبا ما تجد أن الآراء تختلف وتتباعد حول تقييم كتاب واحد، بين من يعتبره أفضل ما كتب في التاريخ، ومن يجزم بأن ورقه لا يصلح حتى لتلميع زجاج النوافذ!

 

نفس الشيء بالنسبة للمقالات الصحفية والنقدية المتخصصة، تذكر دائما بأن للصحافة والإعلام حساباتهم الخاصة، وغالبا ما تجد أن الكتاب الفلاني الذي بالغوا في مدحه لا يستحق ربع ذلك المدح، والكتاب العلاني الذي شحذوا أقلامهم لمهاجمته وذمه لا يستحق نصف ذلك الذم، تجاهل كل هذا وطالع الكتاب بنفسك، والحكم لك أنت بعد ذلك.

 

لنفترض أنك سمعت الكثير من الإشادة بكتاب معين، وعندما حاولت قراءته وجدت نفسك تبذل مجهودا خارقا لمواصلته، ولربما لمت نفسك لأنك لم تتمكن من تذوق معانيه، لا تقلق! ضع الكتاب جانبا وعد إليه في وقت لاحق، لربما لم يكن مزاجك رائقا أو مناسبا آنذاك!

 

نعم، وجب الاعتراف بأن الأدب والفكر الغربي بشكل عام قد قطع أشواطا مهمة حاليا (مقارنة بنظيره العربي)، ولكن هذا لا يعني الوقوع في فخ تقديس كل ما هو غربي وتبخيس كل ما هو عربي، توجد شريحة غريبة من القراء، ممن يعتبرون أن كل ما كتبه قاسم أو حسن أو عبد الرحمن أو غسان هو سيء ورديء بالضرورة (قبل مطالعته!)، وأن كل ما كتبه جون أو مايكل أو ستيفن أو فريديريك هو خارق للعادة بالضرورة (بمجرد قراءة عنوانه!)، أرجوك لا تكن منهم! الإبداع الحقيقي لم يعترف يوما بجنسية أو عرق أو طائفة صاحبه!

 

تذكر في النهاية أن العالم والمثقف الحقيقي هو الذي يزيده علمه تواضعا، ولا يجد أي حرج في قول: "لا أدري!"

الشيء نفسه بالنسبة للبعض ممن يكتفون بالقراءة للعرب فقط (أو ربما ليس كل العرب، بل فقط أولئك الموافقين لهواهم الإيديولوجي)، معتبرين أن كل ما كتبه الغرب (بلا استثناء) يدخل في إطار المؤامرة الكبرى التي تستهدف ديننا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا، أرجوك لا تكن من هؤلاء أيضا! لقد وهبك الله عقلا راجحا قادرا على التمييز بين هذا وذاك، كما أن مواجهة "السطوة" و "التفوق" الغربي لا تكون بهذه الطريقة!

 

مشكلة البعض، أنهم بمجرد قراءتهم كتابين أو ثلاثة لنيتشه ودوستويسفكي أو حتى كونديرا وسيوران، يعتبرون أنهم "قطعوا الواد ونشفوا رجليهم" حسب التعبير المغربي الدارج، أو أنهم بلغوا مرتبة عليا تسمح لهم بإطلاق الأحكام والسخرية من المبتدئين في المطالعة، خاصة فيما يتعلق بموضوع روايات "السندويتش" معروفة العناوين، نعم نحن متفقون على أن هذه الروايات لا تعكس الصورة الحقيقية للأدب، كما أن سطحيتها تحرم مدمنيها من البحث والتنقيب في مناجم "الذهب" الحقيقي، ولكن هذا لا يمنحك الحق عزيزي القارئ "المحترف" في احتقار هؤلاء أو الاستهزاء بهم، ساعدهم، انصحهم، وبين لهم الفرق بين سطحية تلك العناوين وعمق أخرى، لكن لا تسخر منهم!

 

وتذكر في النهاية أن العالم والمثقف الحقيقي هو الذي يزيده علمه تواضعا، ولا يجد أي حرج في قول: "لا أدري!" أليس كذلك؟

كلمات مفتاحية: العلم، القرآءة، التعلم

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة