قراءة في القضية الفلسطينية

15/5/2017

بعد ما يقارب 70 عاما على خسارة العرب في حربهم مع الصهاينة حيث نقف اليوم متسائلين إلى متى، بعد سبعين عاما تتغير الأولويات فمن حلم التحرير إلى حلم إقامة دولة ولو حتى على كيلو متر مربع واحد. من الأرض التاريخية بدأ حلم اليهود بإقامة دولة في فلسطين في بدايات القرن السابع عشر حين فكر يهود الدولما أن عيشهم بسلام داخل حدود الدولة العثمانية لا يكفي بل يتحتم عليهم إقامة دولة يهودية على أرض داوود.


في نهايات القرن التاسع عشر بدأ تيودور هيرتزل بالتخطيط لإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين وأسس الحركة الصهيونية لتخدم هذا الحلم في عام 1917، أطلق بلفور وعده المشؤوم لليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين قلب الأمة الاستراتيجي إكمالا لمسلسل انهيار الدولة العثمانية، ولتزرع بريطانيا العظمى نبتتها السامة التي تضمن مصالحها في المنطقة. بعد 18 عاما من الاستعمار البريطاني لفلسطين أيقن الفلسطينيون أن الإنجليز ليسوا مستعمرين مستغلين لثروات بلادهم فحسب بل هم متآمرون على وجود فلسطين التاريخية وديمغرافيتها وأنهم يتخذون فلسطين مقرا لتغيير مستقبل المنطقة إلى أجل بعيد، قام الفلسطينيون بثورة 1935 ضد الإنجليز بمساعدة جيرانهم العرب من سورية والأردن.. وتنتهي تلك الثورة فعليا في عام 1936 بهزيمة معنوية للفلسطينيين بعد فشل مسعاهم بإنهاء الاحتلال البريطاني.
 

كانت تلك الهزيمة مقدمة لهزيمة كبرى في عام 1948 بعد قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، يقول وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق شلومو بن عامي أن هزيمة العرب في عام 1948 كانت تحصيل حاصل لهزيمتهم ضد الإنجليز في 1936، بعد الهزيمة ضمت الضفة الغربية والقدس إلى الأردن وغزة انتقلت للإدارة المصرية.
 

في عام 1987 كان عرب فلسطين قد خسروا ثقتهم في منظمة التحرير وفي تحركاتها وكفروا بمفاوضاتها وقاموا بالانتفاضة الأولى وفقد أبو عمار سيطرته على الشارع الفلسطيني.

بدأ العرب بالتجهيز لحرب التحرير وليشارك الفلسطينيون العرب جهودهم فتولد من رحم القضية الفلسطينية منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة مازن الشقيري ابن يافا المحتلة. كانت أهداف المنظمة تتمثل في تحرير الأراضي المحتلة وتطهيرها من بذور الصهاينة. بداية إنشاء المنظمة أكد مازن الشقيري أنه ومنظمته لا يتطلعون لحكم ودولة بل يتطلعون لتحرير أراضي الـ 48، وأكد أنه يحترم سيادة الأردن على الضفة الغربية والقدس وأن نواياه بعيدة كل البعد عن اجتثاثها من المملكة الأردنية بعد نكسة 1967.
 

اجتمع العرب في الخرطوم وتجاهلوا دعوة مازن الشقيري ممثل المنظمة إليها فما كان منه إلا أن توجه للخرطوم وهدد بأن يتخذ مساجدها منبرا له في حال منع من دخول قاعة المؤتمر. تم تدارك الأمر ودعي لاجتماع القادة العرب ليقف مهددا من تغيير مسار القضية الأصلي واختزالها في استعادة أراضي الـ 67 حيث رأى بذلك تصفية للقضية الفلسطينية. الغريب في الأمر أن موقفه هذا لم يشفع له عند قادة الفصائل الفلسطينية فأجبروه على الاستقالة متهمين إياه بالتفاوض على الأرض المحتلة.
 

بدأ عهد فتح لقيادة المنظمة برئاسة عرفات وضم تحت جناحه الفصائل الفلسطينية مثل جبهة التحرير الشعبية. عهد فتح اشتهر بعمليات مشتتة للفدائيين وتحرك المنظمة ضمن أجندات الدول العربية مثل مصر وسورية، وتقلب توجهات المنظمة بتقلب توجهات عرفات وإدخالها في صراعات مع الجيش الأردني في حرب أيلول إلى أن ظهر فجأة مناديا بالسلام مع أبناء عمومته طارقا أبواب الأمريكان للتفاوض على إقامة الدولة الفلسطينية إيمانا منه بمبدأ حل الدولتين. الغريب أن عرفات قاد المنظمة في الاتجاه الذي نحى الشقيري من أجله وقام بالخطيئة التي اتهم بها مازن الشقيري.
 

كانت مطاب الفلسطينيين في ذلك الوقت تتمحور حول أربع أمور أساسية وهي الحدود وحق تقرير المصير والقدس وعودة اللاجئين. بعد تنحي مصر عن جواد الجهاد ضد الصهاينة وهدنة السوريين وانشغال الخليج العربي بالتطوير كان حل التفاوض على الدولة حلا منطقيا استساغه العرب وأيدوه، لتتبنى مصر والأردن المفاوضين الفلسطينيين.
 

في عام 1987 كان عرب فلسطين قد خسروا ثقتهم في المنظمة وفي تحركاتها وكفروا بمفاوضاتها وقاموا بالانتفاضة الأولى وفقد أبو عمار سيطرته على الشارع الفلسطيني. بعد سنوات ثلاث غزت العراق الكويت ليظهر عرفات من جديد مؤيدا الغزو واقفا بجانب صدام لسبب لا يعلمه إلا خالق الخلق. تلك الزئبقية السياسية أدت لطرده ومنظمته المحتضرة من حضن الخليج العربي وقطع أموالهم عنه. يقول شلومو بن عامي أن رابين وجد بذلك فرصة لاحتواء عرفات اليائس واجتراره على مفاوضات تبعث له الروح من جديد لكن بما يحقق مصالح إسرائيل. بينما كان الأردنيون في عمان يجهزون لمفاوضات مشتركة بينهم وبين الفلسطينيين لحسم الصراع في واشنطن فوجئ الأردنيون والملك حسين وقتها بأوسلو. تلك الاتفاقية التي لم تضمن للفلسطينيين حتى حقهم في الزعتر والمسخن. أوسلو كانت قشة قصمت ظهر البعير العربي وقضت مضاجع الحالمين بحل يعيد للفلسطينيين جزءا من حقوقهم.

 في عام 2001 دعا حسني محمد حسني مبارك فتح وحماس لمفاوضات طابا ورعت مصر المفاوضات بمعايير تشبه معايير كلينتون. وأتى الفلسطينيون ذلك الاجتماع متنازلين عن خمسين بالمئة من مستوطنات الضفة الغربية.

أوسلو كانت صدمة كبيرة للفلسطينيين وسبب بعث الكفر بمبادئ المنظمة وجدواها في قلوب العرب والفلسطينيين. سطوع نجم حركة المقاومة الإسلامية المعروفة بحماس بقيادة شيخها أحمد ياسين، كانت تلك الحركة الوليدة تؤكد في خطاباتها على ضرورة استمرار الجهاد ضد اليهود وتصور نفسها بعدو الإمبريالية. كانت الحركة تتحرك تحت جناح الإخوان المسلمين المغضوب عليهم في الدول العربية خاصة في مصر والأردن وسورية أكبر مناصري القضية الفلسطينية وقتها.
 

منظمة التحرير بما تحتويه من فصائل لم تخف اختلافها مع حماس فكيف لتيار فتح القومي وتيار الجبهة الشعبية الشيوعي الهوى أن يتفق مع إسلاميين حماس وإخوان فلسطين. لم تكن حماس وقتها تؤمن بدولة فلسطينية لا تضمن كامل التراب لفلسطين التاريخي وتعيد للفلسطينيين حقوقهم من غير أي نقص يذكر. ولد ذلك صدام كبير بين مناصري المنظمة وأعضائها وبين حماس. لم يخفى تغير المزاج العام وتوجهه نحو أفكار حماس وتأييدها لها بعد أن خذلت فتح مناصريها ومؤيديها من الفلسطينيين والعرب.
 

استضافت الأردن المكتب السياسي للحركة حتى ناهية عهد الحسين الراحل لينتقل المكتب بعدها إلى الشام. حظيت حماس بتأييد واضح من الشام وانتقلت حماس إلى الحضن الإيراني السوري. في تلك الأثناء كانت المنظمة لا تزال تراهن على مبدأ البراءة والحب المقدس في إدارة ملف القضية الفلسطينية. في عام 2000 انطلقت مفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين والصهاينة في كامب ديفيد برعاية أميركية وتحت معايير كلينتون التي كانت منصفة إلى حد ما. لم تنجح تلك المفاوضات البتة وغادر كلا الوفدين واشنطن بتحفظات على معايير كلينتون. حاول محمد حسني مبارك تدارك الأمر في عام 2001 حين دعا الجانبين لمفاوضات طابا ورعت مصر المفاوضات بمعايير تشبه معايير كلينتون. وأتى الفلسطينيون ذلك الاجتماع متنازلين عن خمسين بالمئة من مستوطنات الضفة الغربية. رفض الإسرائيليون مقترحات طابا وغادروها لتكون طابا آخر عملية تفاوض بين الجانبين بشكل رسمي..

يتبع..

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة