لمى خاطر
لمى خاطر
1.4 k

لو لم تكن هناك خيانة!

17/5/2017

في غزة من جديد؛ هذه البقعة التي لا تزال تستقطب اهتمام العالم، وتشاغل عدوّها، وتسدد له الضربات الموجعة حتى في فترات الهدوء، وحتى ورماد بارودها مذخور في بنادقها، وبينما الحصار يطبق على معصميها حتى يفجر من شرايينهما الدماء، ها هي تعود لتصفع أمن الاحتلال، ولتميط اللثام عن منفذي جريمة الشهيد المجاهد مازن فقهاء.

 

لا يسع المرء إلا أن يقدّر عالياً ذلك الجهد الكبير الذي بذلته الأجهزة الأمنية في غزة لكشف خيوط الجريمة في زمن وجيز، وتسجيل إحدى أهم وأكبر الإنجازات الأمنية في غزة باعتقال شبكة كبيرة من عملاء الاحتلال يبلغ عدد أعضائها 45 شخصا، امتد نشاطها لسنوات عديدة.

 

لا مجال في غزة للجرائم العلنية، ولا يسع العدو أن يمارس فيها تصفياته للمجاهدين بنفسه وأمام الناس، مثلما يفعل في الساحات المستباحة الأخرى، المثقلة بعار التنسيق الأمني، والتي تنحبس فيها البنادق إذا ما اجتاح العدوّ شوارعها

ومما يجعل هذا الإنجاز محلّ تبجيل وافر أنّ قلّة الإمكانات واحتشاد الأزمات الحياتية لم تقف عائقاً أمام ملاحقة الخيانة ورصد أوتادها واجتثاثها من أرض غزة، كما أن رجل الأمن الذي لا يتقاضى من راتبه إلا القليل لم يدر ظهره لواجبه ولم يتنكّر لمهمته الجليلة في أن يكون راعياً لأمن غزة وساعياً لتمتين جبهتها الداخلية وحفظها من دنس الخيانة وتجفيف مستنقعاتها الآسنة.

 

لكن كانت هناك غصة كبيرة في الحلق، ومرارة في الفؤاد، لأن يد الغدر والخيانة لا تسفك الدم فقط، بل تحدث صدعاً في جدار يقيننا، وتفتت تماسك الأمل، وتنهب شوقنا للحرية المعقود بنواصي أولئك الرجال الكبار حين تغيّبهم بضع رصاصات في الظلام من مسدس كاتم للصوت، وحين يؤتَى الواحد منهم غيلة، مثلما حدث أيضاً مع الشهيد التونسي محمد الزواري رحمه الله.

 


كان مازن فقهاء رجلاً يحدث دوياً حيثما حلّ فعله، منذ أن كان يرسل الاستشهاديين من الضفة الغربية إلى قلب الكيان الغاصب، ثم بعد أن تحرر إلى غزة وظلّت عينه على الضفة الغربية، وقلبه ينبض في ربوعها، وكفّه تربت على كتفها وتمسح دمع أوجاعها، وكلماته تبرق إليها أشعة الأمل، فتعينها على النهوض والمقاومة بما تيسر لها من أدوات ورجال. لكن عدوّه اختار أن يغتاله بآله صامتة، وعبر يد محلية خائنة، واجهته وحيداً في مكان خالٍ، لأنه لا مجال في غزة للجرائم العلنية، ولا يسع العدو أن يمارس فيها تصفياته للمجاهدين بنفسه وأمام الناس، مثلما يفعل في الساحات المستباحة الأخرى، المثقلة بعار التنسيق الأمني، والتي تنحبس فيها البنادق إذا ما اجتاح العدوّ شوارعها لاعتقال أو اغتيال مقاوميها. 

 

ربما يمكن لنا أن نسرف وقتاً طويلاً في تخيّل الحال الذي كانت ستكون عليه قضيتنا لو لم تكن هنالك خيانة، وكم من قلب كان سيظل نابضاً بالثورة لو لم تعاجله طعنة في الظهر، وكيف كان يمكن اختصار مسافات طويلة من طريق التحرير لو كان متاحاً لرواد المقاومة أن يعيشوا الجهاد بذلاً وعطاءً سنوات أطول، وأن تتراكم خبراتهم وإنجازاتهم مدة أطول، وأن يُتاح للبذور التي زرعوها أن تنمو وتنعقد في براعمها الثمار، وأن يطوّقوا بأنفاسهم رعاتها الجدد قبل أن يودعوا الحياة إلى دروب الخلود. لكنّ عزاءنا في إدراكنا أنه ليس هناك عمل دون ثغرات، ولا جهاد دون تضحيات، ولا ظفر بلا دماء، ولا إشراق قبل التمحّص في أتون مرحلة طويلة من الاحتراق المرير والمضني.

 

في غزة قد ينجح المحتل في تسجيل اختراق أمني ما، لكنه سرعان ما يعاجَل بصفعة أشد قسوة، ترجُم الخيانة على مرأى من الناس ومسمع، حتى تتجلى بشاعتها ويشخص مصير مقترفيها

أما سلوانُنا الكبير فهو في اتكائنا على جدار متين البناء، قوامه عيون ساهرة وإرادة نظيفة وسواعد معطاءة، تقدم لوطنها ولا تسأل عن المقابل، تلاحق الخائنين وتستأصل شأفة إفسادهم، لا تتسامح مع فعلهم ولا تكترث لغضب مشغّليهم، ولا تقيّدها اتفاقات أمنية مع عدوها تجلب الصَّغار لمن ينصاع لمتطلباتها.

 


في غزة، ستظل ساقية الفداء عامرة بالفرسان، لأن روافدها قوية، ومصبّاتها نقية من الشوائب، والأرض التي تدور فيها تلفظ الخبث والخيانة، ولا تتصالح معهما. في غزة قد ينجح المحتل في تسجيل اختراق أمني ما، لكنه سرعان ما يعاجَل بصفعة أشد قسوة، ورصاصة تثقب قلب مخططه، وتهدم أوكاره كلّها، وترجُم الخيانة على مرأى من الناس ومسمع، حتى تتجلى بشاعتها ويشخص مصير مقترفيها، فتتحقق العبرة ويؤتي القصاص منهم أكله.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة