محمد حيدرة مياه
محمد حيدرة مياه
1 k

تحطيم القُدوات

19/5/2017
إن القيم والمُثُل العليا، تبقى مجرد كلماتٍ لا روح فيها، وحقائق لا تأثير لها، حتى إذا ما قيض الله لها من يحولها إلى نموذج عملي في حياة البشر، دبت فيها روح التأثير والإلهام، فأصبحت خيطا رفيعا تتعلق به نفوس ذوي الهمم، وقِمَّةً تَشْرَئِبُّ لها أعناقُ الطامحين إلى العلياء، ومصدر إلهام للراغبين في صناعة الأمجاد وكتابة التاريخ، فتصبح سير أولئك السابقين عونا لمن أراد تجسيد قيم الحق والعدل، والمنافسة في الخير، والمسارعة في الوصول إلى قمم العلياء، وقديما قالوا: "عمل رجلٍ في أَلْفِ رَجل، خير من قَولِ ألفِ رَجل في رَجُلٍ". ورحم الله سيد قطب حين قال: " ستظل كلماتنا عَرَائِسَ من الشِّمع لا روح فيها ولا حياة، حتى إذا متنا في سبيلها دبَّت فيها الروح، وكُتِبَتْ لها الحياة"! 

(1)
يقول الإمام الذهبي عند ترجمة خطاط الأمة ابن البواب: (قلت: الكتابة مسلمة لابن البواب، كما أن أقرأ الأمة أبي بن كعب، وأقضاهم علي، وأفرضهم زيد، وأعلمهم بالتأويل ابن عباس، وأمينهم أبو عبيدة، وعابرهم محمد بن سيرين، وأصدقهم لهجة أبو ذر، وفقيه الأمة مالك، ومحدثهم أحمد بن حنبل، ولغويهم أبو عبيد، وشاعرهم أبو تمام، وعابدهم الفضيل، وحافظهم سفيان الثوري، وأخباريهم الواقدي، وزاهدهم معروف الكرخي، ونحويهم سيبويه، وعروضيهم الخليل، وخطيبهم ابن نباتة، ومنشئهم القاضي الفاضل، وفارسهم خالد بن الوليد رحمهم الله).

إن هذا النص المختصر الجميل، يبعث في نفس المرء تَوْقًا إلى مطالعة سِيَّرِ هؤلاء، وشوقًا إلى التَخَلُّقِ بأخلاقهم والتحلِّي بفضائلهم والبحث عن مناقبهم، وتقديمهم إلى الناس كقدوات ونماذج فريدة، جديرة بالاحتفاء والاقتداء.

أصبحنا نرى اليوم من لا هَمَّ له سوى أن يقول للناس: إن أبي بن كعب ليس صحابيا وأنه يروي الإسرائيليات، وأن عليا اقتتل مع معاوية، وأن خالد بن الوليد قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم (اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد).
ولم يزل الناس منذ سالف العصور، يسمون أبناءهم بأسماء أخيار الأمة وقادتها من المصلحين، والعلماء الربانييين، والمجاهدين الفاتحين، ويربون أبناءهم على أخلاق أولئك القدوات، ويعلقون نفوسهم بها، ويتداولون سيرهم الزكية جيلا بعد جيل، جاعلين منها نبراسا يضيء طريق السالكين، ومشعلاً يُورثه السابِقُون لِلاَّحِقين.

(2)
لكن اليوم برزت ظاهرة لم تكن في السابق معهودة، ظاهرة التطاول والتحامل على رموز الأمة الأطهار، وقادتها الأخيار، ممن تحتفظ لهم الأمة في ذاكرتها الجماعية بأنصَعِ الصور وأنقى السير، وأعْطَرِ الذِّكر. 

فأصبحنا نرى اليوم من لا هَمَّ له سوى أن يقول للناس: إن أبي بن كعب ليس صحابيا وأنه يروي الإسرائيليات، وأن عليا اقتتل مع معاوية، وأن خالد بن الوليد قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم (اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد) وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عزله بسبب مآخذ عليه، وأن أبو ذر قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم "إنك ضعيف وإنها أمانة"، وأن الإمام مالك هجر الصلاة في المسجد في آخر عمره، وأن أحمد بن حنبل خالف بقية الأئمة وجمهور الأمة في مسائل عديدة، وأن صلاح الدين الأيوبي قتل العالم السهروردي، وأباد الفاطميين، وأحرق كتبهم ومؤلفاتهم، (مكتبة دار الحكمة) وكان صوفيا وأشعريا، وصاحب طموح سياسي ولم يحرر القدس إلا لبسط نفوذه.. إلخ

وهكذا يدس السم في العسل، يقتطع السياق ويجتزئ الحقائق، على طريقة "فويل للمصلين" تحت شعارات نزع القداسة ونقاش تاريخ الرموز ومواقفهم! حتى يشوش صورة هؤلاء في أذهان العامة، ويطعن في النموذج التاريخي المُلْهِم، في حملة ظاهرها طلب الحقيقة، وباطنها النيل من رموز الأمة وقُدواتها، حتى لا يبقى ثمة قدوة مثالي للناشئة والأجيال الصاعدة، ولا صورة ناصعة. في تجاهل تام لبشرية هؤلاء القدوات وطبيعتهم كبشر يخطئون ويصبون، وعدم استحضار السياق الاجتماعي والتاريخي الذي عاشوا فيه، وإغفال للإنصاف عند تقييمهم، متجاهلا أن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، كما قال ابن القيم رحمه الله: "زلات العلماء أقذار وهم بحار، وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث". وكذلك الحال مع القادة الفاتحين، وسلف الأمة من المجاهدين، فإن أخطاءهم مغمورة في بحر حسناتهم. 

(3)
وليس آخر تلك الحملات الهجومية ما شهدناه في الأيام الماضية من تطاول أحد الكتاب الروائيين على سيرة صلاح الدين الأيوبي بلغة التحقير والسب والشتم، ومن نافلة القول هنا إن ثمة بونا شاسعا وفرقا هائلا بين عرض تاريخ الشخصيات، ونقدها نقدا موضوعيا يبتعد عن الأدلجة والعاطفة البحتة، وبين الحديث بلغة المقاهي والشوارع، في سياق الكلام عمن أُلِّفَتْ بحقهم الكُتب والمجلدات، ورُوُيَّت سيرهم بالتواتر عبر الأجيال!

مشكلة هؤلاء ليست مع صلاح الدين كشخص، وإنما مع الفكرة "الصلاحية" واستمرار ذكره، واستحضار شخصيته كقائد ملهم في قضية مثل قضية فلسطين، والخوف من تكرار نماذجه..
ومن العجيب أن المنخرطين في هذه الحملة على رموز الأمة، يحاولون عبثا أن يلصقوا ثقافة "الإرهاب" و تهمة "سفك الدماء"، بتاريخ قادة الفتح الإسلامي، ويطالبون بمحو سيرهم من المناهج الدراسية، ويستكثرون علينا مسلسلا تاريخيا يخلدهم، أو رواية تعيدهم إلى الواجهة، أو تمثالا يرمز لهم، أو ساحة أو شارعا يحمل اسم أحدهم، بينما يتسابقون إلى تمجيد زعماء ورموز أمم وشعوب أخرى هي دون رموزنا في البذل والعطاء والصدق والإخلاص ونقاء السيرة وطهارة السريرة، بل ويتفاخرون بالتقاط الصور التذكارية عند قبور ومزارات رموز الاستعمار وقادة الحروب العالمية ممن أبادوا شعوب العالم وقتلوا الملايين، ونهبوا خيرات الأوطان، وتركوا لنا هذا الإرث الضخم من الظلم الفاحش والاستبداد المنتشر. 

فأغلب ما نراه اليوم وما نسمعه في وسائل الإعلام من نبش لروايات مكذوبة وتهم ملفقة، وأسانيد منقطعة، ليس محاولة للبحث في التاريخ، ولا تجديد النقد لسير الشخصيات والرموز الإسلامية، إنما هو هجوم ممنهج على الرموز والقدوات، في محاولة مستميتة لتحطيمها، وإضعاف مكانتها في نفوس جماهير الأمة، فمشكلة هؤلاء ليست مع صلاح الدين كشخص، وإنما مع الفكرة "الصلاحية" واستمرار ذكره، واستحضار شخصيته كقائد ملهم في قضية مثل قضية فلسطين، والخوف من تكرار نماذجه.. فرغم مضي ثمانية قرون على رحيله لا يزال صلاح الدين وذكره شوكة في حلق الطغاة والغزاة.. وأشياعهم من الكتاب ومستَأْجَرِي الأفواه!

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة