تزيف السياسة

19/5/2017
"الحداثة مشروع لم يكتمل بعد"، يورغن هابرماس. يكثر الجدل في علم الاجتماع الحضري حول ظاهرة من قبيل تريف المدينة أو بدونة الحضر، ولكن هذه الظاهرة يبدو أنها استطاعت أن تمتد إلى السياسة هي الأخرى، خاصة في جزء العالم الذي تستحكم فيه الديمقراطية الإستدرارية أو ما يمكن الاصطلاح عليه بديمقراطية المصالح الآنية، هذه الظاهرة والتي كان يعد العالم الثالث هو مركزها، حيث بدأت تصعد بعض الشيء في الغرب خاصة مع الحركات الشعبوية والخطابات العرقية والفئوية المتعصبة التي اجتاحت الغرب من أمريكا إلى أوروبا وصولا إلى الهند في أقاصي أسيا.
 

بما أن العالم الثالث بمفهومه الآفروعربي يشار إليه دائما كمعقل لديمقراطيات الممكن، ذلك الممكن الذي تسيطر فيه القبيلة على المجال وتصارع فيه الدولة في أبسط أدوارها، فإن تريف السياسة برز بشكل كبير في هذا الفضاء أكثر من غيره حيث تمثل سيطرة القبائل والتحالفات الأولية على المجال الترابي والحياتي للناس ملمحا مميزا لهذا الفضاء الذي بدأ بخطوات متسارعة إلى ممارسة الديمقراطية دون تحقيق المناط، خاصة في جوانب الوعي وتوفر الآليات الكفيلة بممارسة سياسية شفافة كحد أدني للفعل الديمقراطي.

يمثل الراهب الهندوسي يوغي أديتياناث. الذي أصبح يدير حكومة أوتار براديش، أكبر ولاية هندية والتي يعيش فيها 40 مليون مسلم، وجها آخر لهذه البدونة التي تمر بها السياسة حول العالم.

هذه السيطرة أتاحت للقبيلة أن تكون مرجعية سياسية ومركزا لصنع القرار السياسي، بل وفرضت عدم الاتصال بين الأحزاب والقواعد الشعبية التي كان رضا شيخ القبيلة أو المجموعة يكفي للتعبير عن أصواتها مجتمعة، بل وتعد كلمته مخزنا انتخابيا بحد ذاتها، وذلك للسلطة التي يتمتع بها وهو ما جعل الأحزاب السياسية تميل إلى التعامل مع القبائل، كفعل أقل صعوبة من التعامل مع عموم المواطنين كنوع من تركيز المصالح على الطريقة الآنجلو-أمريكية.

لا يبدو جدل تريف السياسة بعيد عن حالة العودة إلى الجذور التي يمر بها الغرب، سواء في انتخاب ترامب أو تريزا ماي في انجلترا والتقدم الكبير الذي حققه روته في هولندا وحالة الفشل التي يمر بها اليسار الفرنسي في لحظة تقول الأيام الأخيرة للسباق أن يمينيا/ة متطرفا/ة قد يكون الرئيس القادم.

كما أن حالة البداوة أو الهمجية التي تعيشها السياسية تبدو حتى أكثر وعيا في العالم الثالث الذي يفضل الغرق في حروب داخلية ومخاضات عسيرة تنتهي عادة بانقلابات عسكرية أو تفويضات شعبية لعساكر جدد، هذه الحالة تبدو متقدمة بالمقارنة مع الاعتداءات الموجهة ضد المهاجرين أو على أسس دينية في الغرب وسواء من الاعتداء على المساجد وقوانين حظر الحجاب والمظاهر الدينية.

كلها أشكال لبداوة تختلف باختلاف الأمكنة والثقافات، حيث يمثل الراهب الهندوسي يوغي أديتياناث. الذي أصبح يدير حكومة أوتار براديش، أكبر ولاية هندية والتي يعيش فيها 40 مليون مسلم، وجها آخر لهذه البدونة التي تمر بها السياسة حول العالم.

هذه الظاهرة والتي كان يعد العالم الثالث هو مركزها، حيث بدأت تصعد بعض الشيء في الغرب خاصة مع الحركات الشعبوية.

بنظرة بسيطة إلى خارطة السياسة العالمية يظهر أن عصر الأذرع المفتوحة قد ولى، في كثير أنحاء العالم، إذا استثنينا كندا ودولا كانت دائما هامشية في صناعة القرار العالمي، وبالعودة إلى السياق الموريتاني كنوع من الهروب من أنموذج الاغتراب الفكري، فإن مسالة تريف السياسة أو حتى ظاهرة الساسة البداة تظهر بقوة ليس في الفعل السياسي فحسب بل في المنطوق الشعبي والخطاب السياسي.

حيث أن الأحزاب والجمعيات هي ملك للأفراد والعمل فيها نمط تداول (الشيخ والمريد)، وهو ما يجعلها مؤسسات -مع وقف التنفيذ - مناطقية جهوية، في أحسن الأحوال أحزاب تيارات جماعات مصالح، دون أن يغيب أن القبيلة هي المرجعية الوحيدة للحزب كخزانات شعبية وورمزية، بل القبيلة نفسها كمتغير ريفي بدوي تسيطر على الفضاء حتى أصبح دور الدولة متلخص في سد الفراغات التي تعجز القبيلة عنها كالمرافق العمومية والأمن... كما يقول البروفسور عبد الودود الشيخ.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة