محمد دارخليل
محمد دارخليل
32

عندما يصبح الرئيس كبير المتسولين

19/5/2017
في خضم الأوصاف المغشوشة، يغدو مفتقر البصيرة عاجزاً عن التمييز بين الوصف والموصوف، وفريسة سهلة للوقوع في فخ الخديعة. وفي مقابله يترقب من تبدت له حقيقة الأمر لحظة افتضاح من امتهن حرفة التسول، حتى وإن اقتضت الوقائع اللاعادلة أن يكون لقبه “رئيسا” أو “رئيسا للوزراء”.
 
غالباً وبلا شك، يتطابق الوصف مع الموصوف عند استحضار لفظ “الرئيس”، بشرط أن تجتمع بالموصوف معايير القوة التي تجعل منه سيداً ذا نفوذ وسيادة وإرادة، وعلى مقدرة - ليس كما في الحالة الفلسطينية - أن يحمي كرامة من ارتضوا له تمثيلهم. تبدو المعايير ثابتة موطدة، لكنها تنقلب في لحظة شذوذ ويرتدي الشحاذ وضيع النفس زي الهيبة ويصبح الرئيس كبيراً للمتسولين.

زعيماً يضع أسس التسول ويُمأسسها ليُخرج من رحمها نظاماً يتكئ على القادم من جيوب الآخرين، فيتأبط حكماً ويمتطي صهوة المذياع شارحاً فضائل التسول ومفصلاً طرق التقاط النعم.
أياً كان مظهره وأياً كان المعطي يبقى المتسول بتسوله ظاهرة عار في صفحات التاريخ، ويفقد إنسانيته؛ إذ يرتضي وجوده بلا كرامة ويستجدي عطف مَن انتهكوا إنسانيته ابتغاء حفنة من مال، حتى من يظن بأن أصل الإنسان قرداً، متأبطاً نهج داروين، لا يغيب عن باله أن الحيوان بطبيعته لا يتسول، بل يقتنص “حصته من الغذاء والحياة”، لكن من ارتضى لنفسه تسولاً يقف ما دون غرائزية الحيوان بأصله.

فرغم تطوره الشكلي -كما يدعون- وانبعاثه إنساناً يقف في أدنى درجات السلم، ألا ليت داروين يبعث حياً من جديد ليرى كيف من تطور بدونيته إنساناً يقف عارياً من كرامة وعقل وحكمة، كان من المفروض أن يتمثلها بشراً.

والتسول إذ يكون استجداء قد يتدرج صاحبه بين عتبات مختلفة أو يقف صنماً على بابها، وفي حالات متباينة قد يقفز هذا المتسول من أمام مدخل معبد أو جامع أو كنيسة أو أزقة، ملقياً عن كاهله ثوب الفقر المرقع ليظهر في مصاف رجال الأعمال أو القادة السياسيين.

وتبقى المفارقة في ديكور وبريستيج الحضور، فالأناقة هنا وإن بدت على صاحبها تبقى النفس اسيرة استجداء وتسول، فما الفارق إذاً ما بين متسول برداء وضيع ومتسول آخر برداء عصري طالما أن النفس تحمل في ثناياها الوضاعة؟!

ومن هنا تنبعث حالة الجمع المتسولة فيتمظهر “الكبير” زعيماً يضع أسس التسول ويُمأسسها ليُخرج من رحمها نظاماً يتكئ على القادم من جيوب الآخرين، فيتأبط حكماً ويمتطي صهوة المذياع شارحاً فضائل التسول ومفصلاً طرق التقاط النعم.

ويتنقل كبير المتسولين مرتحلاً بين كل العواصم، متمثلاً في الإتيكيت الخاص بقواعد الدبلوماسية، ويخطو خطى “الزعيم”، ويعيش - اسماً - لحظات التبجيل في حضرة زعيم مانح أميركي أو أوروبي أو آسيوي، ولكن لا يحمل لقاؤه المزيف إلا أحط صور التسول واستجداء العطف بهدف الحصول على المال بحجة تأمين “رواتب” للموظفين.. ويستخدم ما تبقى من المال المتسول للانقضاض على حرية الشعب وحماية لأمن عدوه.

أياً كان مظهره وأياً كان المعطي يبقى المتسول بتسوله ظاهرة عار في صفحات التاريخ، ويفقد إنسانيته؛ إذ يرتضي وجوده بلا كرامة.
والعامة إذ تعيش التيه يوماً، لن تعيشه أبداً وإن استقوى مَن تأبط الحكم متسولاً مستجدياً العدو داعماً، فإن غضب الناس على استباحة كرامتهم لن يطول، فبركان الكرامة حين يتأتى لن يبقي لنظام أو منظومة استجدت وجودها سبيلاً، وإن حاول البعض تزوير الواقع وسرقة تمثيل الشعب الفلسطيني، فإن الشعب الذي أبى يوماً من الأيام أن يفرط في ثوابته ويتنازل عن كرامته، وسطر اسما آيات الصمود أمام آلة الإجرام الصهيوني، لن تنطلي عليه كل أساليب التدجيل والتدجين.

ويبدو أن منظومة الاستجداء إذ تبعث في ثناياها “الحياة”، تريد أن تقتل بواعث الحياة في النفوس.. فيا سادة الاستجداء إن نفوس الكرام عظيمة، ولن يطالها مال خسيس.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة