د. معتز الخطيب
د. معتز الخطيب
1.8 k

الدولة الإسلامية ومشكلة المنهج

25/5/2017
هذا هو المقال الثاني في الحديث عن منهجيات التفكير السياسي الإسلامي؛ بهدف إيضاح تفاصيل رؤيتي النقدية لتصورات الإسلاميين المعاصرين حول الدولة والحكم، ولإيضاح كيف أنهم يجمعون بين المتنافرات من دون منهج قويم.
 

ثمةَ إرثٌ إسلاميٌّ كبيرٌ مما نسميه اليوم بـ"الفكر السياسي"؛ ونظرًا لأن تراثنا عرفَ تصنيفًا مختلفًا لألوان المعارف كما نجده في كتابات النديم وابن حزم وغيرهما، فلم يكن ثَمَّ فرعٌ معرفيٌّ مستقل بهذا الاسم (الفكر السياسي)، كما أنه لم يكن ثم فرعٌ مستقل اسمه (الأخلاق)؛ لأن السياسة -وكذلك الأخلاق- كانت من تصنيفات اليونان ومشاغل فلاسفتهم. وقد انعكس هذا الأمرُ على التفكير المعاصر بالمسألة السياسية، خصوصًا مع الصراعات الأيديولوجية مع العلمانيين من جهة ومع كتابات المستشرقين من جهة أخرى، ويمكن أن نلمح أثر ذلك في عدة مسائل هي:
 

انشغال عدد من الباحثين بسؤال أصالة التفكير الإسلامي، ولذلك ذهب عبد الرحمن بدوي إلى وجود "أصول يونانية للنظريات السياسية الإسلامية"، كما رأى هو وإحسان عباس أنه كان ثمة صراعٌ بين أنصار الموروث اليوناني وأنصار الموروث الفارسي داخل الحضارة الإسلامية في الفترة المبكرة جدًّا، وهو ما يؤكد - بالنسبة لهم - فكرة المصدر الأجنبي للتفكير السياسي الإسلامي، والذي انتهى مع محمد عابد الجابري لاحقًا إلى خلاصة تقول: "إن العرب لم يدفنوا بعدُ أباهم أردشير"! في إحالة إلى هيمنة الموروث الفارسي على العقل السياسي الإسلامي. وهي الأطروحات الاختزالية التي لا يزال البعض يرددها ويبني عليها كمسلّمات.
 

مرايا الأمراء أو نصائح الملوك: وهو نوعٌ أدبيٌّ عرفه اليونان والرومان والفرس، وقد عرفنا هذا اللون في حدود القرن الثاني الهجري، ومن أوائل من كتب فيه: سالم أبو العلاء وعبد الحميد الكاتب وقد تأثرا باليونان، وابن المقفع وقد تأثر بالفرس.

شحّ المعرفة المعاصرة بالتراث السياسي الإسلامي الذي كان كثيرٌ منه مخطوطًا (وما يزال بعضه كذلك)، والتمركز حول شخص أو أشخاص دون معرفة شاملة بتطورات التراث السياسي الإسلامي واتساعه، وقد أثبتت دراسة نصر عارف في مطلع التسعينيات دوران كثير من الدراسات حول الفكر السياسي الإسلامي على مصادر محدودة للغاية.
 

نشوء كتابات إسلامية اعتذارية منذ منتصف القرن العشرين، والتي اندفعت إلى الكتابة عن الدولة والخلافة تحت وطأة مؤثِّرين: الأول: أطروحة العلمانية والتي شكّل فيها كتاب علي عبد الرازق سنة (1925) مسألة مركزية وفجّر سجالاً لم يتوقف؛ لأنه اعتبر فيه أن مسألة الخلافة ليست من المسائل الدينية، والمؤثر الثاني: هو وجود مقولات استشراقية حول الأبعاد السياسية للإسلام وتاريخه، فنشأت كتاباتٌ تشتبك معها وترد عليها خصوصًا ممن درسوا في أوروبا.
 

نشوء كتابات إسلامية (حركية) تَنْقم على الفقهاء أنهم توسعوا في أبواب العبادات وأهملوا الجانب السياسي، وتذهب هذه الكتابات تأويلاتٍ شتى من دون بحث واستقصاء وتحليل علمي، فتارةً يقال: إن الفقه الإسلاميّ انشغل بالفقه الفردي فقط، وتارة يقال: إن الظلم السياسي دفع الفقهاء إلى هجران السياسة، وكلُّ هذا غير دقيق علميًّا ولا مبني على بحث، فالفقهُ اتخذ أصنافًا شتى من الكتابات، لا ينفصل فيها الفردي عن الجماعي في شكل نظام مُحكم هو ما أسميته بالنظام الفقهي سواءٌ في مناهجه ومبناه، أم في كيفية اشتغاله وصلته بحركة المجتمع والسلطة..

ولكن الإشكال يرجع إلى محاولة فَرْض مفاهيم حديثة على نظام الفقه في مرحلة (ما قبل الدولة القومية)، واستعارة مجالات جديدة في التفكير (مثل حقل السياسة) والبحث عنها في التراث بحثًا متعجلاً ومجتَزَءًا، في حين أن منطق التراث الإسلامي كان محكومًا لتصورات أخرى لا يتم الإنصات إليها، ولذلك نجد ما نسميه اليوم "التفكير السياسي" موزَّعًا على مجالات عدة وممتزجًا في التصورات الإسلامية: الفقهية والكلامية وغيرها، لأن قسمة الدين والسياسة هي قسمةٌ حديثةٌ يتم فَرضها على التراث الإسلامي بعد تحويل الفقه إلى "القانون الإسلامي"!
 

فعلى سبيل المثال، منظومة الفقه الإسلامي بأجمعها تدور حول فلسفة الحقوق الثلاثية: حق الله، وحق العبد، والحقوق المشتركة بين الله والعباد، وهي فلسفة عملية تتحكم بفروع الفقه العملية، وقد حفلت كتب الفقه بالحديث عن الخراج والأموال والولايات والقضاء والإمامة وواجبات الإمام ووظائفه، وواجبات الرعية، ومسائل الحقوق والواجبات، والجهاد، وفروض الكفايات والمصالح العامة، إلى غير ذلك وكل هذا مما يدخل في ما نسميه اليوم بالحقل السياسي أي أنه ليس أحكامًا فردية كما تمارسه جماعات العنف منفردةً!
 

وترجع تصنيفات التراث السياسي الإسلامي إلى أربعة ألوان:
مرايا الأمراء أو نصائح الملوك: وهو نوعٌ أدبيٌّ عرفه اليونان والرومان والفرس، وقد عرفنا هذا اللون في حدود القرن الثاني الهجري، ومن أوائل من كتب فيه: سالم أبو العلاء وعبد الحميد الكاتب وقد تأثرا باليونان، وابن المقفع وقد تأثر بالفرس وكان الأخيرُ أكثرَ تأثيرًا، وهو ما دفع الجابري إلى الخلاصة العجيبة التي انتهى إليها! ووظيفة هذا اللون أن يُرشد الحاكم إلى الأسلوب الأمثل لاستمرار حكمه، فهو لا يسائل شرعية الحكم نفسه ولا طريق الوصول إليه؛ لأنه يصوّر الحكم منحةً إلهيةً، ويبني على الملك الفرد، وعلى طبقية واضحة للمجتمع (عامة وخاصة).

ومشكلةُ بعض الكتابات المعاصرة أنها أسرفت في أهمية هذا النوع ووسمت التفكير السياسي الإسلامي بطابعه وكأنه هو المعبّر والممثّل عن كل التراث السياسي الإسلامي أو أنه هو المهيمن والفاعل! في حين أن رضوان السيد الذي كان من أوائل من اعتنى بهذا النوع يرى أنه نوع أدبيّ صرفٌ مهمته الإطراف والتسلية.

كتابات الفلاسفة المسلمين الذين بنوا على أفلاطون ومدينته الفاضلة في الفترة المبكرة ثم على أرسطو لاحقًا حين عرفوا كتابه "السياسة"، ومن أبرز كتّاب هذا اللون: الفارابي وابن رشد، وقد كتب كل من الرازي وابن سينا ويحيى بن عدي وغيرهم كتابات ورسائل في السياسة. وهذه الكتابات تبحث في السياسة من مدخل ما يسميه اليونان بـ"الحكمة العملية" التي غايتها السعادة والتي لا تتم إلا في المدينة الفاضلة؛ ولذلك جعلوا الفيلسوف على رأسها، وأعطوه مكانةً ساميةً حتى لكأنه نبي هذه المدينة!

إذا كان جزءٌ كبير من نصائح الملوك ومرايا الأمراء منقولاً عن التراث السياسي الفارسي، فإن الكتابات الكلامية والفقهية بأنواعها هي كتاباتٌ إسلاميةٌ منهجًا ومبنىً، وإن كانت متأثرة بالسياقات التاريخية والتجربة العربية الإسلامية.

كتابات المتكلمين الذين خَصوا الإمامة بمبحث مُفرد في كتبهم؛ بهدف الرد على الشيعة الذين يعتبرون الإمامة لا تكون إلا بالنصّ الديني، وأنها من صلب الإيمان بالله، أي أنهم جارَوهم في هذا لبيان بطلان مذهبهم، وليس لأن الإمامة من مباحث العقيدة.

كتابات الفقهاء الذين هم أكثر الناس توسعًا في هذا، فنجد في كتاباتهم ألوانًا متعددة متصلة ومنفصلة، بمعنى أن ثمة مباحث داخل كتب الفقه العام تتصل بالمسألة السياسية منذ زمن مبكر كالشافعي وغيره كمباحث الإمامة والطاعة وأحكام البغاة، ومنفصلة تأخذ صيغًا وأشكالاً مختلفة: أحدها: الكتابات حول الخراج والأموال كما فعل القاضي أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة وكما فعل أبو عبيد القاسم بن سلام، وثانيها: كتب الأحكام السلطانية التي ظهرت في كتابات الماوردي والجويني وأبي يعلى ومَن بعدهم، وثالثها: كتب الحِسبة (الرقابة) التي ظهرت مبكرًا، ورابعها: كتب السياسة الشرعية التي تأخر ظهورها مع ابن تيمية ومَن بعده، وخامسها: كتب القضاء والحكّام.

وكل هذه الكتابات تتناول جوانب مختلفة مما نسميه اليوم التفكير السياسي، ما يعني أن الكتابة عن الحكم والحاكم وشرعيتهما والوظائف المنوطة بهما، والسلطات المنبثقة عنهما كانت محل بحث لدى الفقهاء المبكرين.

وبالنظر إلى هذه الكتابات واختلاف وظائفها يتضح الآتي:
حجم التعجل والتعميم في القول بضمور التراث السياسي الإسلامي، أو أنه هيمن عليه التفكير اليوناني والفارسي/الساساني، ذلك أن التراث السياسي الإسلامي متنوع الأشكال والمصادر ولا يصح البناء على فرعٍ واحد منه فقط.

البحث في المؤثرات الأجنبية في التراث السياسي الإسلامي ينبغي أن يراعي الاختلاف بين هذه الأنواع: قضاياها ومشاغلها ومناهجها ومرجعياتها، فإذا كان جزءٌ كبير من نصائح الملوك ومرايا الأمراء منقولاً عن التراث السياسي الفارسي، فإن الكتابات الكلامية والفقهية بأنواعها هي كتاباتٌ إسلاميةٌ منهجًا ومبنىً، وإن كانت متأثرة بالسياقات التاريخية والتجربة العربية الإسلامية وحركة الترجمة عن الفارسية واليونانية فإنها سعت إلى إزاحة أي تعارض مُحْتَمَل بين المرجعيات المختلفة، أي أنها صهرتها في بوتقة واحدة، ما يعني أنه من الاختزال المُخلّ رَد التراث الإسلامي السياسي إلى إحدى مصادر أجنبية منقولة أو منحولة تحت ضغط الانحياز للثقافة اليونانية (العقلانية) أو تحت ضغط الاعتقاد بهجران القيم الإسلامية الكامنة في النص، وأن الوزر يتحمله الموروث الفارسي، من دون محاولة فهم سر هذا الانسياق وراء هذا الموروث بالذات وتوطينه داخل الثقافة العربية (إن سلّمنا بصحة ذلك الادعاء الاعتباطي).

اختلفت مرجعيات بعض المؤلفين في الفكر السياسي فيما بينهم، ففي حين يعتمد ابن الحداد في "الجوهر النفيس" على أخلاق المروءة العربية، يعتمد ابن أبي الربيع في "سلوك المالك في تدبير الممالك" على الموروث اليوناني، ويركز ابن المقفع والماوردي - إلى حد ما - على الموروث الفارسي، أما أبو بكر الطرطوشي فيعتمد في "سراج الملوك" على مكارم الأخلاق الإسلامية، لكن مع هذا الاختلاف نراهم يتوحدون في فكرهم السياسي كما لاحظ عز الدين علام.

كتّابات الفقهاء السياسية -على اختلافها- تنحصر مرجعياتها في مصادر التشريع المعروفة في علم أصول الفقه، إلا أن كتّاب الآداب السلطانية يعتمدون على مصادر التشريع ويتوسعون قليلاً إلى درجة الاقتباس من بعض المأثورات الفارسية والحِكَم اليونانية.

انشغل كتّاب الديوان والسلاطين بمرايا الأمراء ونصائح الملوك كنوعٍ من منادمة السلاطين ومن هنا نشأ في التراث ثنائية (الكاتب والسلطان) والكاتب هنا هو كاتب الديوان، ولذلك لم ينشغل هؤلاء بالكتابة عن جهاز الدولة وتصحيح مسارها.

محصول الكلام أن محاولة إنشاء فرع معرفي مستقل اسمه "الفكر السياسي الإسلامي" هو تفكيرٌ حديثٌ وُجد بأثر من أمرين: السجال مع العلمانية العربية التي حاولت توطين الفكرة في التراث الإسلامي نفسه أو في البيئة العربية. والثاني: الفكر الأوروبي الحديث الذي أوجد مقررًا دراسيًّا سمي "النظريات السياسية" يغيب عنه أي إسهام للمسلمين ويحضر فيه اليونان والإغريق ثم الفلسفة الأوروبية الحديثة، فاندفع بعض مَن درسوا ذلك المقرر - كمحمد ضياء الدين الريس - إلى إيجاد مقابل له في التفكير الإسلامي، كما نفعل اليوم بخصوص حقل الأخلاق والفلسفة الأخلاقية التي هي فرعٌ معرفي حديثٌ وإن كان له جذرٌ فلسفي يوناني، دون أن يعني أن ما نسميه التفكير السياسي أو التفكير الأخلاقي لم يكن موجودًا في التراث، ولكن ينبغي الوعي باختلاف تصورات المعرفة وتصنيفاتها ومنطق اشتغالها قبل السعي إلى إنشاء فروع جديدة أو السعي إلى التمييز بين فروع معرفية كانت مندمجة في أكثر من مجال وهذا جزء من "الأبستمولوجيا".

وهذا التمييز بين ألوان مختلفة من الكتابات السياسية الإسلامية ليس مسألة شكلية مرتبطة بصيغ الكتابة، وإنما مسألة مرتبطةٌ بالمناهج والقضايا والمشاغل بل والسياقات التاريخية والفاعلين والكتّاب، فقد انشغل كتّاب الديوان والسلاطين بمرايا الأمراء ونصائح الملوك كنوعٍ من منادمة السلاطين ومن هنا نشأ في التراث ثنائية (الكاتب والسلطان) والكاتب هنا هو كاتب الديوان، ولذلك لم ينشغل هؤلاء بالكتابة عن جهاز الدولة وتصحيح مسارها؛ لأنهم كانوا موظفين لديها وجزءًا من جهازها، ولكن الفقهاء هم الذين ملؤوا الفراغ تاريخيًّا حين بحثوا شرعية الحكم والمسائل المتصلة به والمنبنية عليه من عقود وحقوق وممارسات؛ لأنها تتصل بوظائفهم وتخصصهم حول حفظ الحقوق لله والعباد، وكان ابن خلدون من أوائل من نبهوا إلى وجود التمايز بين ثلاثة أشكال من الحكم: الملك الطبيعي، والملك السياسي، والخلافة التي تتحقق فيها الشرعية وتحكم على مقتضى النظر الشرعي؛ لأنها ترجع إلى أوامر الله ونواهيه.

أما المتكلمون فقد كانوا حريصين على تصحيح مسائل الاعتقاد والخوض في جدالات الفرق الكلامية لنفي فكرة "النص الإلهي" عن المسألة السياسية وأنها مسألة ترجع إلى اختيار الناس وجماعتهم، أي أن بحثهم اندمجت فيه الأبعاد التاريخية (خلافة النبي وما جرى فيها وبسببها) والأبعاد العقدية مع تَشَكل ما سمي لاحقًا أهل السنة والجماعة في مواجهة باقي الفرق الكلامية في حين بقيت مساهمة الفلاسفة في المسألة السياسية هامشية وحالمة.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة