سامي الحاج
سامي الحاج
3.1 k

"غوانتنامو قصتي".. إذلال وتنكيل

25/5/2017

ضرب الطائر جناحيه ودار دورتين في الهواء فتذكرت بوضوح اللحظة التي أقلعت بنا الطائرة، بعد نحو ساعة ونصف الساعة من صخب الطائرة العسكرية وصلنا إلى قندهار، فاستقبلنا الجنود بالضرب بعد أن بطحوا كل واحد منا أرضاً، والكلاب تنبح من حولنا والجنود يتصايحون ويقفزون على ظهورنا، يقف أحدهم على ظهر أحد المعتقلين ويقفز منه على ظهر الثاني وهكذا. كان ذلك بالتحديد في الثالث والعشرين من يناير. كنت أشعر بأن نَفَسي سينقطع من ضغط أرجل الجنود على ظهري الذي سالت منه دماء غزيرة.

 

كانوا يضربوننا على الأقدام ويسبوننا بأقذع الكلمات، ويسألوننا إن كنا نعرف الإنجليزية أم لا. ذكرت لهم أنني أعرفها، وكان بجواري أحد المعتقلين من السعودية عرفت فيما بعد أن اسمه شاكر. قال لهم إنه يعرفها، فكانوا يضربونه ويقولون له: قل لهؤلاء إنهم في قبضتنا وسنفعل بهم وبأمهاتهم وبزوجاتهم وأخواتهم كذا وكذا مما يعف اللسان عن ذكره، وكانوا ينهرونه ليرفع صوته ويردد ما أملوه عليه. كانوا يركزون على سب أمهاتنا وأخواتنا، وكانوا يتطاولون ويتجاوزون كل الحدود؛ إذ كانوا يقولون لشاكر أن يقول لجاره إننا نريد أخته أو أمه لنفعل! وحين يرفض شاكر ترديد هذا الهراء يردون عليه بمزيد من الضرب حتى يترجم لجاره. فإن لم يجبهم ضربوه وإن أجاب بما لا يعجبهم ضربوه أيضاً. وأحياناً يقول الجار: اسألهم إن كانوا يرضون بأن يُفعل بهم كذا وكذا!

 

كانوا يأخذوننا واحداً تلو الآخر إلى مكان مجهول، وعيوننا معصوبة.. وفي ذلك الليل الشتوي، يأمروننا بالانبطاح على أرضية المطار ذات الأسفلت الشديد البرودة. عندما أتى دوري أخذني جنديان وذهبا بي نحو عنبر كبير لصيانة الطائرات يشبه ذلك الذي في باغرام، وأدخلاني فيه.

 

هناك وجدت مجموعة من الضباط واقفين متراصين، كل واحد أمامه طاولة. سألني الأول: ما اسمك؟ وما جنسيتك؟ وما اللغات التي تتكلمها؟ وكم عمرك؟ وما وظيفتك؟ فأجبته بحسب أسئلته، غير أنني قلت له: إني أتكلم العربية فقط. وعندما عرف مهنتي، تعجب وقال: صحفي موجود معنا هنا؟! ثم سألني: مع أي جهة صحفية تعمل؟ قلت: في قناة الجزيرة، فصفعني على وجهي وسبَّ الجزيرة ونعتها بنعوت بذيئة ثم صفعني مرة أخرى، وقال: إذاً أنت تحاربنا وتكره أمريكا وتحاربها، ثم دفعني إلى الذي يليه، وكنا مجموعة ـ فقام بتعريتنا بقطع ثيابنا بالمقص وسألني هل أشكو شيئاً؟ وعندما رأى الدم يسيل من ظهري، قال: ما هذه الدماء؟ فلم أجبه لأنني لم أعرف ما أقول له، ثم دفعني إلى آخر تفحص جسمي بشكل مهين، وذاك دفعني للذي يليه وكان دوره تصوير المعتقلين.

 

كنا نسمع الجندي والجندية التي تراقب معه المشهد وهما يضحكان عندما يصفان أحجام الأعضاء التناسلية للمعتقلين ونحو ذلك! وكنت وبعض من يعرف الإنجليزية نرفض ترجمة ما يقولانه من تعليق يعف اللسان عن ذكره حتى لا تضيق صدور زملائنا المعتقلين

وجاء آخر قام بنتف شعيرات من لحيتي الخفيفة حينئذ، ووضع الشعرات التي أخذها في كيس، كما أخذ عينة من لعابي. أما الذي بعده فقد حلق لي شعري ورسم صليباً في رأسي، حسبما أخبرني المعتقلون لاحقاً، إذ لم أكن أشاهد شعر رأسي لانعدام المرآة. أما الأخير، فدفع إلَيَّ بالملابس والحذاء الذي كان أصغر من مقاس قدمي. فلما ذكرت له ذلك قال: إن لم تستطع وضعه في رجلك فضعه في فمك! ثم أخذني الجنود إلى عنبر موجود في قفص حشرونا بداخله. وقد وجدنا فيه مجموعة من المعتقلين، لكنهم هذه المرة لم يقيدوا أيدينا ولا أرجلنا.

 

وزعوا علينا الأغطية وكانت الإضاءة قوية كالتي كانت في باغرام، كما وُضعنا في أقفاص شبيهة بتلك التي وُضعنا فيها من قبل. كان الجو بارداً جداً، فافترشنا أغطية والتحفنا بأخرى، وتقاربنا جداً حتى يدفئ بعضنا بعضاً.

 

استيقظنا لأول مرة صباحاً بعد نوم عميق إثر ليلة مجهدة واستفزاز وعذاب وذل فاق كل التصور. رأينا الشمس قد أشرقت وأردنا الصلاة وهمَّ بعضنا بقضاء حاجته، وكان الحمام عبارة عن سطل في القفص الذي نوجد فيه. فأصابنا الذهول! إذ كيف يمكن لأحد قضاء حاجته داخل هذا القفص مع وجود هذا العدد الكبير من المعتقلين في المكان نفسه.

 

أشار أحد المعتقلين باستخدام بطانية يرفعها معتقل آخر ليستر بها من يقضي حاجته، لكن الجندي الذي كان يقف على مكان مرتفع، كان لنا بالمرصاد وصاح قائلا: إنكم تخالفون القانون، ومن يفعل ذلك فسنسحب منه الأغطية ويتعرض لعقوبات قاسية. لم يبق أمامنا إلا أن ندير ظهورنا لمن يستعمل السطل ويقضي حاجته! ونترك له وقتاً يكفيه ثم يأتي الذي يليه وهكذا.

 

كنا نسمع الجندي والجندية التي تراقب معه المشهد وهما يضحكان عندما يصفان أحجام الأعضاء التناسلية للمعتقلين ونحو ذلك! وكنت وبعض من يعرف الإنجليزية نرفض ترجمة ما يقولانه من تعليق يعف اللسان عن ذكره حتى لا تضيق صدور زملائنا المعتقلين. وحينما أردنا أن نصلي سألنا عن اتجاه القبلة فرفضوا أن يخبرونا، فاجتهدنا وصلينا في الاتجاه الذي قدرنا أنه القبلة.

 

وأذكر أنهم أحضروا أفغانياً وضربوه، فكان رأسه ينـزف دماً، وكانت ملابسه ملطخة بالدماء، وأتوا به وقد بلغ بهم الجهد مبلغاً عظيماً إذ كان يقاومهم على ما يبدو، وكان قوي العضلات متماسك البنية. وعندما وضعوه بجوارنا في القفص رفع رأسه وسأل: هل أنتم عرب؟ هززنا رؤوسنا بالإيجاب، فقال: انصروني فإن هؤلاء اعتدوا عليَّ وضربوني، وعندما لم يجد رداً أجهش بالبكاء. ورأينا في ذلك صورة متجددة من قهر الرجال، فبكى بعضنا لبكائه غير أننا لم نحرك ساكناً.

 

بعد أن أدينا صلاة الفجر، جاء الجنود وسحبونا واحداً تلو الآخر، ومن يُسحب لا يرجع مرة أخرى. وكان ذلك يتم على رأس كل ساعة أو ساعة ونصف تقريباً، يعودون بعدها ليأخذوا الآخر وهكذا دواليك، إلى أن جاء دوري فنودي على رقمي وأعطوني رقماً جديداً هو 448.

 

اقتادوني بعد شد يديَّ إلى الخلف وتقييد رجليَّ وربط القيد بين اليدين والرجلين، ثم أدخلوني خيمة وأجلسوني على الأرض. جاءني أحد جنودهم وبدأ الاستجواب بالطريقة الروتينية: من أنت؟ وما اسمك؟ ومن أي البلاد؟ وما تاريخ ميلادك؟ وأين وُلدت؟ ومتى أتيت إلى أفغانستان؟ وكان معه مترجم يتحدث اللهجة المصرية.

 

كان أحدهم ينتظر عند الباب فخرجوا سراعاً وأغلقوا الباب من الخارج. سمعت أصواتاً تقول لي: انهض فنهضت، وتلفت يميناً ويساراً، فوجدت نفسي في خيمة كبيرة أقيم حولها سياج مضاعف وتتسع لنحو عشرين شخصاً

استمرَّ التحقيق معي نصف ساعة، وسألني المحقق السؤال نفسه عن تصوير ابن لادن، ورددت الردود نفسها، بعد ذلك أغلق الملف وقال لي: في هذا المكان لا ينفعك ربك ولا ينفعك أحد سوى أن تقول الحقيقة، وإلا فستدفن في المكان الذي تجلس فيه هكذا! ثم تركني وذهب، فجاء الجنود واقتادوني بعد أن وضعوا الغطاء الأسود على رأسي وعصبوا عيني. اقتادوني مُطأطِئَ الرأس بفعل القيد، يكاد رأسي يلامس ركبتي. وكل واحد منهم يمسك بالقيد ضاغطاً إحدى ذراعيَّ، إلى أن أوصلوني إلى مكان كنت أسمع فيه أصواتاً عربيةً تتكلم فأتعجب لذلك!

 

فتحوا باباً وبطحوني أرضاً وسحبوا الغطاء الذي كانوا يضعونه على رأسي وفكوا القيد من يدي ورجلي، وأمروني بألا أتحرك، وبحركة سريعة انسحبوا إلى الخارج. كان أحدهم ينتظر عند الباب فخرجوا سراعاً وأغلقوا الباب من الخارج. سمعت أصواتاً تقول لي: انهض فنهضت، وتلفت يميناً ويساراً، فوجدت نفسي في خيمة كبيرة أقيم حولها سياج مضاعف وتتسع لنحو عشرين شخصاً. وجدت هناك بعض العرب المعتقلين، فحييتهم وتحركت تجاههم. احتضنوني في لحظة كنت فيها منفعلاً فاحتضنتهم، بكيتُ وبكينا جميعاً، وبعدها أحضروا لنا ماء للشرب.

كلمات مفتاحية: قصتي، سامي، الحاج، الاعتقال، قصة

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة