د. معتز الخطيب
د. معتز الخطيب
4 k

هل "الدولة الإسلامية" مَطلبٌ ديني؟ (2)

4/5/2017

انتهيتُ في المقال السابق إلى أن أطروحة "الدولة الإسلامية" أطروحةٌ هجينةٌ تستعير صورة "الدولة الحديثة" وتحتفظ بظلّ "الخلافة" في مواءمة شكلانية لا تَعِي منظومة الدولة ولا منظومة الخلافة. ولكن المثير للاهتمام هنا أن الإسلاميين الحركيين حوّلوا تلك الفكرة الهجينة إلى عقيدة إيمانية للمسلم، بالاستناد إلى مسألة قديمة عُرفت بـ"وجوب نَصْب الإمام" عالجها الفقهاء والمتكلمون.

 

وأول من قام بهذا الربط هو حسن البنا حين قال: "الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنًا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد ... والحكم معدودٌ في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع"، وهي مقدمةٌ ستُوصله إلى "أن قعود الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمةٌ إسلاميةٌ لا يُكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يَدينون بأحكام الإسلام الحنيف". وهذا النص شديد الأهمية في إدراك تحولات المسألة السياسية في التفكير الإسلامي السني؛ لأنه يتقاطع - على هذا المعنى المستحدَث - مع التفكير الشيعي، وقد شرح محمد عبد القادر أبو فارس نص البنّا بالقول: "ركن من أركان الإسلام بمعنى أنها فريضة من فرائضه، ولكنها ليست كأي فرض، فالركن - كما هو معروف - ما يقوم عليه الشيء، وهو جزءٌ داخل في ماهيته وينهدم بانهدامه وفقدانه"، أي أن الدولة تتحول إلى جزءٍ من ماهية الإسلام.

 

الدولة لم تكن مطلبًا عَقَديًّا بل كانت مطلبًا عمليًّا فرعيًّا سعى المسلمون إلى تحقيقه بعد تَحَولهم إلى "جماعة سياسية" فاعلة في التاريخ، وهذا ما يفسر رحابة الفقه السياسي التاريخي

حاول الشيخ يوسف القرضاوي أن يتجاوز هذا الإشكال بالقول: إن مسألة الإمامة عند أهل السنة والجماعة من مباحث الفروع؛ لأنها تتعلق بالعمل لا بالاعتقاد أساسًا، ولكنه استدرك قائلاً: "إن هذا لا يعني التهوين من هذا الأمر؛ لأن الإسلام ليس عقائد فحسب بل هو عقيدة وعمل"، وإذا كانت الصلاة مثلاً من الفروع لأنها أعمال لا عقائد، فهذا لا يُخرجها عن كونها من أركان الإسلام، فكذلك "الإمامة أو الحكم بما أنزل الله هو من الفروع، ولكن اعتقاد وجوبه ولزومه والإيمان بالاحتكام إلى ما أنزل الله في كتابه ومتابعة رسوله هو من الأصول يقينًا، ومن صميم الإيمان".

 

ولكن الجميع متفقون على أن الدولة جزء من ماهية الإسلام، وهو ما عبر عنه عبد القادر عودة بالقول: "طبيعة الإسلام تقتضي قيام الحكم الإسلامي والدولة الإسلامية؛ فكل أمر في القرآن والسنة يقتضي تنفيذه قيام حكم إسلامي ودولة إسلامية"، وإن الاستخلاف بمعناه الخاص هو الاستخلاف في الحكم، وعقد عنوانًا سماه: "لله الحكم والأمر" قرر فيه مبدأ الحاكمية - قبل سيد قطب - وأن "من لم يحكم بما أنزل الله كافر في كل الأحوال بنص القرآن"، وأن "الحكم هو الأصل الجامع في الإسلام والدعامة الأولى التي يقوم عليها الإسلام"، وأن الحكم تقضي به طبيعة الإسلام أكثر مما تقضي به نصوص القرآن". بل يذهب أبعد من ذلك إلى القول: "الإسلام مزج الدين بالدولة، ومزج الدولة بالدين حتى لا يمكن التفريق بينهما، وحتى أصبحت الدولة في الإسلام هي الدين، وأصبح الدين في الإسلام هو الدولة ...".

 

ولا يخرج القرضاوي عن هذا التفكير، فهو يقرر أن قيام المجتمع الإسلامي المنشود شرطُه إقامة "حكم إسلامي خالص"، فالمجتمع لا يقوم بلا حكم؛ لأن الحكم فريضة من فرائض الدين، فالدولة المسلمة ضرورة، كما أن الإسلام بحاجة إلى دولة لحماية عقائده، وإقامة الشعائر والعبادات، وغرس الأخلاق والآداب، وتنفيذ التشريعات والقوانين، والجهاد (هل هذه وظائف الدولة؟).

 

جَعْلُ الدولة ضرورةً من ضرورات الإسلام دَفَع كلاًّ من عبد القادر عودة ومحمد يوسف موسى إلى اعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلم فكّر في المرحلة المكّية من حياته بتكوين دولة للمسلمين يكون على رأسها، "فليس الأمر على ما يقوله بعض المغرضين من أن الرسول كان بمكة داعيًا فقط لرسالته"!.

 

لا بد من تَذَكُّر أن سياقات هذه التنظيرات (الأيديولوجية) هي السجال مع العلمانية العربية من جهة، والصراع مع الأنظمة العربية القهرية من جهة أخرى، فهذه السياقات دفعت إلى مثل هذا التوتر، كما دفعت إلى أَدْلجة الإسلام والتراث من الجانبين: الإسلاميين كما هنا، والعلمانيين الذين انصرفت رموزهم إلى إعادة قراءة التراث الإسلامي وفق تصورات الحاضر وصراعاته.

 

وإذا كانت مثل هذه التنظيرات الأيديولوجية مفهومة في سياقها، فإنها تحولت إلى ما يشبه المسلّمات الإيمانية التي لا تقبل الشك أو المساءلة، وهو ما يفسر هذا التوتر في التعاطي مع أطروحة "الدولة المستحيلة"، في حين أن الواجب هو إعادة تقويم وتصحيح تلك التصورات الهجينة حول "الدولة الإسلامية" وقد تجاوزنا أجواء السجال وبرزت الحاجة إلى بناء تنظيرات وتصورات علمية عن الدولة للخروج من مأزقها كما هو عنوان الكتاب الذي حررته ونشرته سنة 2010 (مأزق الدولة بين الإسلاميين والعلمانيين) وأعدت طبعه سنة 2016 مع تحليل ما حدث خلال سنوات الثورة مما يؤكد أطروحات الكتاب نفسه.

 

إن المراجعة المتأنية للفقه الموروث ومقارنته مع "فقه تيار الوسطية" هذا، يؤكد مجددًا حجم التوليف والتحوير الذي قام به هؤلاء في سياق الصراع والسجال، فخطاب الوسطية يبني إيمانه بفرْضية الدولة على تقرير أن مسألة الإمامة أصل من الأصول أولاً، ثم يَحمل الدولة على الإمامة ثانيًا، وأن "وجوب نصب الإمام" يعني رُكنية الدولة في الإسلام، ثم يُرَتّب على الدولة الكثير من المهام والوظائف، وبيان مشكلة هذه الرؤية يتضح من خلال النقاط الآتية:

 

1- "الإمامة" في الفقه السني الموروث هي من الفروع والفقهيات وليست من الأصول والمعقولات، وقد أوضح ذلك الإمام الجويني فقال: "وليست الإمامة من قواعد العقائد، بل هي ولاية تامة عامة، ومعظم القول في الولاة والولايات العامة والخاصة مظنونةٌ في التأخي والتحري"، ثم قال تلميذه أبو حامد الغزالي (505 هـ): "اعلم أن النظر في الإمامة أيضًا ليس من المهمات، وليس أيضًا من فن المعقولات بل من الفقهيات، ثم إنها مثارٌ للتعصبات، والمُعرض فيها أسلم من الخائض فيها وإن أصاب، فكيف إذا أخطأ؟!".

 

2- وجوب الإمامة - بالمعنى التاريخي - ناشئٌ عن اعتبارٍ عملي تطبيقيّ، وليس عن اعتقاد إيماني، ويتبدى ذلك من خلال حِجاج المتكلمين والفقهاء لإثبات الوجوب؛ فإنه يأخذ طابعًا تدبيريًّا كما هو شأن الرياسة العامة لتدبير مصالح العباد الدنيوية والدينية والقيام على رعايتها، ولذلك تغافلوا أحيانًا عن صلاح الإمام نفسه ما دام مُحَقِّقًا لتلك المصالح العامة.

 

3- اختلف الفقهاء في مصدر وجوب نَصْب الإمام، هل هو عقلي أو شرعي؟ وهنا اختلفت أقوال تيار الوسطية، كما أنهم لم يلتزموا - بدقة - بالمرجعية الفقهية التي يتَخَيّرون منها، فـ"عودة" يقرر أن "المصدر الأول لفرضية الخلافة هو الشرع"، ثم ينتهي إلى القول: "الخلافة واجبة عقلاً أيضًا؛ لأن وجود الحكومة في الجماعة إنما هو ضرورة اجتماعية". أما محمد يوسف موسى فيقول: "وهذا الواجب قد يكون مرجعه العقل، أو الشرع، أو العقل والشرع معًا، وهذا الرأي الأخير هو - في رأينا - ما ذهب إليه الفقهاء المسلمون". أما راشد الغنوشي فيقرر أن "موقف الوسطية الذي عليه جمهور الإسلاميين يتمثل في اعتبار السلطة ضرورة اجتماعية وأداة من أدوات الأمة في إقامة العدل. إنها مجرد أداة اجتماعية توظفها الأمة لحراسة الدين والدنيا".

 

والمسألة عند فقهاء الإسلام خلافيّةٌ، ولذلك اكتفى الإمام الماوردي بذكر الخلاف من دون تحديد موقف واضح فقال: "واختُلف في وجوبها، هل وجبت بالعقل أو بالشرع؟ فقالت طائفة: وجبت بالعقل؛ لِما في طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم، ويَفصل بينهم في التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكانوا فوضى مُهمَلين، وهمَجًا مُضاعين، ... وقالت طائفة أخرى: بل وجبت بالشرع دون العقل؛ لأن الإمام يقوم بأمور شرعية قد كان مُجَوَّزًا في العقل ألا يرد التعبد بها، فلم يكن العقل مُوجبًا لها...".

 

ويوضح ابن خلدون الطبيعة الاجتماعية للسلطة، وأنها الإطار العام الذي يشتمل على ثلاثة أنواع من السياسات، فهو قد عقد فصلاً في "أن العُمران البشري لا بد له من سياسة يَنتظم بها أمره"، وأنه "لا بدّ في الاجتماع من وازع حاكم يرجعون إليه، وحكمه فيهم: (1) تارة يكون مستندًا إلى شرع منزل من عند الله يوجب انقيادَهم إليه إيمانُهم بالثّواب والعقاب عليه الّذي جاء به مبلّغه، (2) وتارة إلى سياسة عقليّة يوجب انقيادهم إليها ما يتوقعونه من ثواب ذلك الحاكم بعد معرفته بمصالحهم"، (3) والسياسة الثالثة هي "السّياسة المدنيّة" ومعناها عند الحكماء "ما يجب أن يكون عليه كلّ واحد من أهل ذلك المجتمع في نفسه وخلقه حتّى يستغنوا عن الحكّام رأسًا"، والمجتمع الذي يحصل فيه ذلك يسمونه "المدينة الفاضلة".

 

وهذا المعنى التدبيري والاجتماعي لقيام السلطة من شأنه أن يدفعنا إلى إعادة فهم المسار التاريخي للدولة في الإسلام، فالإسلام لم يولّد السياسة والدولة من حيث إنهما ضروريتان للإيمان والعقيدة الجديدة، بل كانا نتاجَ نشوء "جماعة دينية مع غايات ومصالح ومتطلبات دفاع وتنظيم وإدارة جديدة"، بمعنى أن الدولة لم تكن مطلبًا عَقَديًّا بل كانت مطلبًا عمليًّا فرعيًّا سعى المسلمون إلى تحقيقه بعد تَحَولهم إلى "جماعة سياسية" فاعلة في التاريخ، وهذا ما يفسر رحابة الفقه السياسي التاريخي ودورانه على ركن المصالح والمفاسد، ومغايرتَه لمنطق الفقه العام المدون في كتب الفقه المعروفة.

 

الدمجُ والتوليفُ بين الدولة الحديثة وشريعة ما قبل الدولة هو الذي دفع مثل الشيخ القرضاوي إلى اعتقاد أن قيام مجتمع إسلامي شرطُه قيام حكم إسلامي خالص "فالمجتمع لا يقوم بلا حكم"

وبما أن الإسلاميين الحركيين كانوا مهجوسين ببناء فكرة "النظام الإسلامي الشامل" لمواجهة النظامين الرأسمالي والاشتراكي في أجواء ما بين الخمسينيات والتسعينيات فقد صاغوا فقهًا جديدًا؛ لأن الفقه الموروث لم يكن يساعدهم على الفهم الذي أرادوه؛ وقد أوضحت أكثر من مرة أن الإسلام السياسي - شأنُه شأن جماعات العنف - هو حركةٌ حديثةٌ خارجةٌ على "التقليد الإسلامي" (Islamic Tradition) الذي ينتصر له كلٌّ من طه عبد الرحمن ووائل حلاق وآخرون في مواجهة الحداثة، ويوضح طلال أسد أن التقليد والحداثة ليسا حركتين متعاقبتين زمانيًّا بحيث تشكل الحداثة ذروة التاريخ بل هما نمطان مختلفان من العيش.

 

ولو استعرنا المنطق الفقهي فسنقول: صحيحٌ أن الفقه الموروث يرى وجوب نَصب الإمام وأنه ضرورة ويلزَم عنه وجود سلطة (ليست دولة بالضرورة)، ولكن الإشكال يكمن في وجود هذا الإمام على صفة أخرى غير الصفة المقررة فقهًا، فالبنا ومتابعوه رسموا الإشكال على صورة مركبة هي: "وجود إمام؛ يحكم بالشريعة"، وهذه الصورة المركبة جديدة على الفقه الإسلامي الموروث، فالفقهاء السابقون نظروا إلى الأمر نظرة غير مركبة وهي ضرورة وجود الإمام، وسعَوا إلى أن يكون على صفات معينة لم تتحقق في الغالب عبر التاريخ، ولكنهم بالمقابل قدّموا اجتهادًا للواقع العملي فيمن عَرِيَ عن هذه الأوصاف، ففصَلوا بين (شخص الإمام) و(شكل الحكم)، وشرْعنوا ولاية العهد وإمامة المتغلب وإمامة الفاسق، بل حتى في الكفر اشترطوا أن يكون كفرًا صريحًا بَوَاحًا حتى يُخلع الإمام إن كان ذلك ممكنًا. كلُّ هذا يعني أنهم لم ينشغلوا بتغيير الحكم القائم ولم يكن ذلك من وظائفهم الدينية، فوظيفتهم استنباط الأحكام وتعبيد الناس لله ومدّ سلطان الشريعة على الناس بالدعوة؛ لأن "الشريعة" كانت نتاجَ تفاعل الجماعة المسلمة مع النص الديني عبر التاريخ، ولم تكن نتاج "سلطة" أو "تشريع قانوني" كما هي الدولة الحديثة، فالتشريع وظيفةٌ كان يقوم بها الفقهاء عبر التاريخ بمعزل عن السلطة السياسية سواءٌ وُجدت أم لم توجد، ولكن الإسلاميين الحركيين أرادوا أن يستصحبوا وظيفة الفقهاء التاريخية ويمزجوها بفكرة الدولة الحديثة (الدولة التي تحكم بالشريعة) ويمارسوا الوظيفتين!.

 

هذا الدمجُ والتوليفُ بين الدولة الحديثة وشريعة ما قبل الدولة هو الذي دفع مثل الشيخ القرضاوي إلى اعتقاد أن قيام مجتمع إسلامي شرطُه قيام حكم إسلامي خالص "فالمجتمع لا يقوم بلا حكم"، أي أنه - شأن الحركيين الآخرين - يرى أسبقية الدولة على المجتمع، فالدولة هي التي "تعمل على تكوين المجتمع" بل أكثر من ذلك، إن "الإسلام يحتاج إلى دولة" لتثبيت عقائده وغرس الآداب والأخلاق، وإقامة الشعائر والعبادات، فالصلوات تشرف عليها الدولة، والزكاة لا تؤدَّى إلا في ظل دولة، والصيام لا يتحقق على وجهه إلا في ظل دولة، والحج لا يمكن أداؤه إلا في ظل دولة كما يشرح!.

 

هكذا اختُزلت مسألة "الدولة" بمسألة "وجوب نصب الإمام"، وتحولت أطروحة "الدولة الإسلامية" الهجينة إلى جزء من صميم الإسلام والتي لا يتحقق إيمان المرء من دونها، ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ!

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة