الأسرى وأمراض المسافات

5/5/2017

كنت أعتقد أن إحساسي بالأسرى مرهف لدرجة لا أذكر أنني سبق أن كتبت عن أحدهم دون أن أبكي بحرقة، ولكنني أخطأتُ حين ظننت أنني شعرت بمدى الاحتراق الذي ينتاب الأسير عندما يفقد أحد أحبابه، أو يمرض له قريب عزيز ولا يستطيع الوصول إليه، أو لا يشارك ذويه فرحة ما، أو عندما تنساه حبيبته عند أول شروق لغيابه، فلا يستطيع أن يلقنها درسا في الوفاء، ويعلمها أن المسافات أعجز من قتل العشق الصادق، وما الجدران التي تفصل العاشق عن المحبوب سوى "وهم" بإمكان أكثر أنوار الحب خفوتا اختراقه.

 

الآن فهمت وجع الأسير عندما يغدر به صديق ولا يستطيع أن يلتقيه، عندما يتمنى لو يقف أمامهُ وجها لوجه، ويقول له وهو يحدق في عينيه: "كم خيبت ظني وأوجعت قلبا لم تستحق مكانتك فيه يوما".

الكلمات أيضا بحاجة إلى أن تُقال في مكان آخر غير الورق.

 

عجز الإنسان عن الحضور يجعله يبتلع كل الكلمات التي كان عليه أن يقولها لكل من خذلوه، فينسحب إلى عتمة غيابه بهدوء موجع، يمشي على حطام قلبه المكسور ولا أحد ينتبه إلى نزيف أقدامه سوى حياة تعلمَ منها كيف يقاوم غربته وحده، وبكامل سخريته من أؤلئك الذين تذكروا أن لهم حياة يستطيعون عيشها بدونه، بعدما كان لهم الحياة والحلم الذي استمتعوا باصطياده وقتله، ذلك أن "الإنسان لا يموت إلا حين لا يتذكرهُ أحد"، كما قال برتولتبريشت.

 

لا أعتقد أن كل حياتنا كافية لتعويض أسير عن لحظة احترق فيها قلبه نتيجة مشاعر كهذه، لا أحد سيلومه على الإطلاق عندما يبدر منه أي تصرف تجاه من كانوا أكثر قسوة عليه من حبسه وغربته.

 

إن الجدران التي تحيط بالأسير لا تمنعه من أن يجوب الشوارع التي كان يحبها، فيبدو كل العالم ملتحما بتلك الأماكن التي مشى بها يوما، إنه يعتقد بأن من تركهم خلفه يحتفظون بمكانه على تلك الأرصفة

شعرت بالأسرى أكثر جراء غربة عشتها خارج الوطن، مع فارق التشبيه بين غربة لا جدران فيها وسجن تفقد فيه حتى حقك بالصراخ، لكنني وبعدما اكتشفت أن الغربة إنسان وليست مكاناً، استطعت لمس مشاعر الأسير لأدرك أن الذي يُضيق الجدران عليه أكثر، هو غياب ذلك الإنسان الذي يُعتَبر الحياة بالنسبة إليه، وهذا ما يُفسر شعور الوحدة الذي ينتابنا رغم وجود الكثير من الناس والضجيج والإنشغالات حولنا، وابتعاد ذاك الشعور عنا لمجرد يقيننا بأن هناك من ينشغل بغيابنا ويسعى لنكون معه ويهتم بتفاصيلنا الصغيرة، حتى لو كنا بمفردنا بين أربع جدران، الأمر الذي يوصلني إلى نتيجة مفادها أن رهافة الإحساس لدى الغريب والأسير والمنفي واحدة، وقيمة كل تصرف بالنسبة إليه تكون كبيرة جدا، ولو اعتقدنا بعدم جدواها، وهي دعوى لتكثيف الفعاليات لأجلهم في كل وقت، وليس فقط في أوقات إضرابهم عن الطعام.

 

عندما تمرض في السجن لا يؤلمك الألم نفسه بقدر ما تؤلمك القسوة التي تصيب قلبك، تلك القسوة الناتجة عن غياب أبسط الأشياء، مثل يد تمد لك كأس ماء وأخرى تسند جلستك رويدا رويدا حين تكون بحاجة إلى النهوض ولا تستطيع. تحتاج لأذُن تنصت جيدا لأنينك الليلي وعين تتسلل إليك على رؤوس أصابع العتمة لترى إن سقط الغطاء عنك، أو أصابت جسدك رعشة في سهوة عنها. تحتاج إلى حضن يطبق على فزعك حين تصحو خائفا وسؤال سخيف تختبئ وراءه اللهفة، مثل أن يذكرك أحدهم فيما إذا تناولت أدويتك هذا المساء أم لا!

 

أنت تقسو لأنك تفقد حقك في أبسط الأشياء، كأن يسألك عابر: هل أنت بخير؟ أو يتمنى أحدهم لك السلامة ثم يمضي. أنت تحتاج إلى أن تكون ممتنا لأحدهم، وهذا كل ما في الأمر.

ولأن كل ذلك لا يحدث، تقسو.

 

ليست المشكلة هنا، المشكلة أنه لو ربت كل العالم على كتفك دون تلك اليد التي تنتظرها، كيد أمك، أو يد أحد أصدقائك المشاغبين الذين يحولون أنفسهم إلى مهرج إن لزم الأمر كي ينتزعوا ابتسامة من معارك الوجع فيك، أو يد حبيبتك التي كانت تعرف جيدا كيف تشاغبك برفق. إن لم تكن تلك الأيدي التي تفعل لك كل ذلك، ولم تكن تلك العواطف من هؤلاء فلن تتحسن.

 

نعم، أنا أقول لك ما يحدث فعلا، ستظل مريضا، وسيظل يقسو قلبك، وهذه أكثر الأمراض المستعصية التي يمكن أن تصيبك في السجن والتي أدركتها في الغربة.

 

والآن سأحدثك يا صديقي عن مرض المسافة. سيدهشُكَ أن أقول لك إن الاحساس بالجوع ليس كعيشه، ما نفعلهُ في تضامننا مع الأسرى بالإضراب ليوم أو يومين لا يعني أننا نشعر بما يعيشونه. لا أعني الشعور بالألم الجسدي بقدر الشعور بوجع المسافات التي لا يجيد إلا شخص واحد فقط طيها ويجنبنهم عذابها، ومجرد معرفتنا بعدد الأسرى الذين يعانون أمراضا خطيرة كالسرطان، أو الذين أفقدتهم الحرب أطرافهم، أو الإهمال الطبي الذي يفاقم أوجاعهم، لا يعني أننا عرفنا شيئا سوى أرقام نحفظها جيدا ونختبئ خلفها في وسائل الإعلام كي نرددها كالببغاوات، ومهما كتبت فلن أستطيع أن أصف لكم مرض المسافة.

 

 إنه مرض يتفاقم بسبب المسافات والغياب، لا تحتاج معه إلى وصفة طبية بقدر احتياجك إلى وجود حبيب أو قريب يمنحكَ أكثر الأشياء بساطة حين تصيبُك رجفة القطط المشردة في الأزقة المبللة، وحين تكون مهملا كقنديل شارع مكسور يمنح ضوءه للآخرين، لكن أحدا لا يخطر بباله يوما أن يرفع رأسه للأعلى ليرى كم هو مكسور وتعيس ووحيد.


للمسافة مرض تستحضرهُ الذكرى، وأعراض جانبية كالحنين والشوق، يتفاقم مع مرور الوقت، الوقت الذي يمر على قلب الأسير وجسده وملامحه، فيهرم كل شيء فيه ويبقى الانتظار طفلا شقيا، وكما لكل مرض ذروة، يبقى الأسير صامدا أمام أوجاعه حتى يحين الليل، فللعتمة متعة انتقاء الذكرى ونبش اللحظات الأجمل في الحكاية، وهنا يبدأ الاختناق، تشعر وكأن الهواء أصبح صلبا، وكأنه حجارة يصعب عليك تنفسها، تدخل مع كل شهيق ولا تخرج، تجثم على صدرك، ومحظوظ هو الذي يبدأ وقتها بالبكاء.

 

هذا المرض وباء، لكنه لا يُعدي ولا يُميت، يتطفل على الذاكرة والقلب، ويستحلي دائما الجلوس مع وحدتك. إنه تلميذ نجيب يعرف ما هو الماضي الذي ينتقيه ليراجعه ويحتفظ به في ذاكرته من جديد.

 

هو المرض الذي لا يُشفى مريض منه إلا بحضور المحبوب، ويستحلي الأسير عذابه لأنه ورغم وخزاته اليومية يبعث فيه الأمل، أمل أن ما زال لديه قلب رغم كل تلك القسوة التي تحيط به.

 

يوما ما سيخرج الأسير ويبقى السجان أسيرا، فالعدو لا يبحث عن حريته عند اعتقالنا، إنه فقط يحاول حرماننا الحرية التي نملكها حتى ونحن في أضيق الزنازين، ويفشل كلَّ مرة في حرمان الأسير من الحنين والغناء والكتابة وأشياء أخرى يعجز عن فهمها

في مرض المسافة أمنيات مُعلقة في مفتاح سجان يشرع أبواب السجن فيدخل أحدهم ويشاركك أبسط تفاصيلك، كأن يقول لك صباح الخير ويستمع لتفاصيل دقيقة ومملة وروتينية، إن مجرد سماع أحدهم لتلك التفاصيل يجعلها تبدو ملونة، وفي حياة كل شخص فينا أحد لديه القدرة على البقاء ساعة كاملة يسمع تفاصيل صغيرة وسخيفة ويصغي لنا باهتمام دون أن يقاطعنا، هذه التفاصيل التي تعدم المسافة قدرة الأسير على البوح بها تجعله أكثر استجابة لأي مرض، ذلك أنه يكافح ليحافظ على كل عالمه الماضي، ولا يرى أي إذلال في مقاومة واقعه للاحتفاظ به.

 

إن الجدران التي تحيط بالأسير لا تمنعه من أن يجوب الشوارع التي كان يحبها، فيبدو كل العالم ملتحما بتلك الأماكن التي مشى بها يوما، إنه يعتقد بأن من تركهم خلفه يحتفظون بمكانه على تلك الأرصفة، ويشعرون بالفراغ ينهش أيديهم التي كانت ممتلئة بيده يوما، يحتفظون بالمسافة بينهم وبين الآخرين ويصونون تلك المسافة لأجله، يعتقد أن السواد يهبط في أكثر نهاراتهم إشراقا حين يبتعدون عنه، وإن لم يحدث كل هذا وقتها سيشعر بأنه محاصر ومريض ويصاب بوباء المسافة، تلك التي لا يستطيع أحد لعنها أو قتلها أو طيها سوى اهتمام مختلف وجميل في الطرف الآخر من الحياة.

 

إننا نستطيع أن نجنب الأسير هذه الأمراض، قبل أن نشعر بالخجل من أنفسنا لأننا نتنفس حرية يدفع ثمنها أسرى ضيّق السجن أنفاسهم.

 

يوما ما سيخرج الأسير ويبقى السجان أسيرا، فالعدو لا يبحث عن حريته عند اعتقالنا، إنه فقط يحاول حرماننا الحرية التي نملكها حتى ونحن في أضيق الزنازين، ويفشل كلَّ مرة في حرمان الأسير من الحنين والغناء والكتابة وأشياء أخرى يعجز عن فهمها. العدو يا أصدقائي يعجز عن اعتقال أشياء كثيرة معنا، ذكرياتنا وانتماءنا وسخريتنا به وعنفواننا وخيالنا الذي يخرجنا من غرفة التحقيق في أكثر اللحظات تعذيبا.
 

ليس بيد العدو ما يكفي من الأسلحة لوقف تدفق الوطن فينا، لهذا السبب ولأنه لا يستطيع اعتقال كل هذه المشاعر ومصادرة كل تلك الذكريات يصبح الأسير أكثر عرضة لمرض المسافة وتغدو مناعته هشة، تلك الذكرى والحنين والشوق وكل الأشياء التي يقوى باستحضارها، تكون ذاتها سببا في انهياره وهشاشته.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة