دسوقي أحمد
دسوقي أحمد
3.6 k

وطنية الباسبور وانتماء الأوراق

5/5/2017

حين رزقني الله بابنتي "عالية" تم تسجيلها في سجلات المواليد هاهنا بسرعة فائقة. على العكس تمامًا كان الأمر لدى مصلحة الأجانب والتي أصرت على عدم إعطاء الصغيرة أي تصريح دائم للإقامة إلا بعد استيفاء الأوراق الثبوتية من البلد التي تحمل الصغيرة جنسيتها (وهي في هذه الحالة مصر). الأمر كان في غاية السخافة حين طلبت الموظفة مني 13 مستندًا قانونيًا كي يتسنى إعطاء الرضيعة التي لم تتجاوز حينها 11 شهرًا، تصريحًا بالإقامة داخل الاتحاد الأوروبي. أحد هذه المستندات كان جواز السفر الذي تأخر لمدة 7 شهور، ولذلك لم يسمح للرضيعة بمغادرة نطاق الجمهورية الاتحادية طيلة هذه المدة!

 

جلست يومها أتناول الغداء مع زملاء العمل وتجاذبنا أطراف الحديث فأخبرتهم بالأمر. فاجأني صديق أوروبي بالضحك بصوت عال ثم أردف: هل تعلم كم استغرقني الوقت كي أحصل على أوراقي الثبوتية رغم أني لم أعرف إلا ڤيينا محلًا لولادتي وإقامتي حتى قبل 5 سنوات؟ ثم أضاف دون انتظار لإجابتي: لقد أنهيت مرحلتي الثانوية وليس لي جواز سفر أو أوراق جنسية واضحة. ثم شرع يحكي لي كيف قابل والده القادم من باراجواي امرأة إيطالية ليتزوجا ويعيشا معا في ڤيينا وينجبا طفلًا لا يعرف إلا الألمانية لسانًا له، لكن الحكومة جعلت تطالب الوالد بأوراق ثبوتية للطفل من طرف بلده الأم، باراجواي. ولم يأل الأب وسعًا في الطواف حول مكاتب موظفي سفارة بلاده الذين دفعوه باليد والقدم ولم يساعدوه على الإطلاق. استغرق هذا من عمر الطفل 18 سنة وهو يسير بين أقرانه يعرفهم ويعرفونه، يعاشرهم ويعاشرونه ويحادثهم بلسان مبين وبلهجة أهل ڤيينا لكن الأوراق الرسمية تشير دائمًا إلى أن الطفل "مجهول الوطن" و "فاقد للجنسية".

 

كل هذه الوثائق مختلفة الألوان والتي تحمل أعلامًا مختلفة ليست ذي بال في التعريف بالإنسان وولاءاته وانحيازاته فهي لا تصنع هوية ولا تضفي طابعًا على صاحبها أو تتداخل معه في أفكاره ورؤاه

تذكرت الأمر وأنا أقرأ هذه الأيام شكاوى منشورة من بعض معارضي النظام الحالي وهم يذكرون كيف تتحكم السلطات المصرية بمسألة إصدار جوازات سفر لهم وكيف تعاقبهم فتحرمهم منها وتجعل تنقلهم أمرًا عسيرًا في ظل غياب "صك الهوية" و "وثيقة الانتماء"

 

قبل سنوات، وقبل أن تعركنا معارك الربيع العربي في خلاطها، كنا ننتفض ونشعر بشيء من الأسى حين يشير أحدهم أنه سيتخلى عن جنسيته الأصلية مقابل الحصول على أخرى جديدة تشترط عدم ازدواج الجنسية. يومها كنا لا زلنا مشحونين ببقايا التعصب للانتماءات القومية والقطرية الضيقة. وحين كان بعض من سبقونا في الترحال يخبروننا أن الأمر هين وأن بضعة أوراق تيسر الضرب في الأرض والسير بين البلاد لا يصح أبدًا أن تكون عنوانًا لإنسان وأنها ليست ذات بال في أمر الإنسان وانحيازاته العقائدية والأخلاقية، كنا نحاججهم ونجادلهم وربما تسرع بعض وانتقص من "وطنيتهم" و "ولائهم".

 

أذكر يومها أن واحدًا من هؤلاء المطعون في ولائهم بحكم حملهم جنسية بلد أوروبي جعل يحاجج زميلًا لنا قائلًا: هل تعني أن تحدثي بنفس لسانك، واشتراكي معك في تاريخك وذكرياتك ودينك وكثير من العادات والتقاليد ليس كافيًا للحكم بانتمائي لمصر طالما أن وثيقة سفري ليست من نفس حكومتك؟ هل امتلكت الحكومة البلاد إذًا فصارت ملكيتها الخاصة!؟ ويبدو أننا كنا شديدي العمى في ذلك الوقت فلم نبصر مثل هذا المنطق المحكم الواضح.

 

نعم، إن كل هذه الوثائق مختلفة الألوان والتي تحمل أعلامًا مختلفة ليست ذي بال في التعريف بالإنسان وولاءاته وانحيازاته فهي لا تصنع هوية ولا تضفي طابعًا على صاحبها أو تتداخل معه في أفكاره ورؤاه.

 

أنا لا أنكر أبدًا رمزية العلامات والأعلام، ولا أنكر كذلك الضرورة التنظيمية الداعية إلى ذلك، لكني لا أستطيع تفهم أن يكون لهذه الأوراق هذه الأهمية القاتلة عند كل الأطراف

أنا واثقٌ أن التطور المستمر للحضارة الإنسانية سوف يهدي البشر يومًا ما إلى إسقاط مثل هذه الطرق التصنيفية غير المفهومة بمفاهيمها الولائية العجيبة التي تتعدى حدود التعريف وضبط القوانين. لا يمكن أن نسجن الإنسان في وثيقة سفر.

 

ما الذي ينبغي أن يتغير في طفلتي -التي لا تعرف من دنياها شيئًا بعد- إذا ما حصلت على أي جنسية أخرى غير الجنسية المصرية؟ لا شيء، اللهم إلا أحكامًا قانونية تنشؤها الحكومات فتغلق في وجه هذه الصغيرة أبوابًا وتشترط لها وثائق وأذون وتصاريح حتى تسمح لها بدخول هذه البلدة أو مغادرتها.

 

لماذا ينبغي عليَ أن أعاني وتسجلني البلدية هنا -مقيمًا غير معلوم المصير- لمجرد أن ضابطًا في مكان ما أو حتى موظفا كسولًا قرر أن (وثيقة الولاء الخضراء المقدسة) لهذا الشخص ينبغي لسبب أو لآخر ألا تصدر!!

 

أنا لا أنكر أبدًا رمزية العلامات والأعلام، ولا أنكر كذلك الضرورة التنظيمية الداعية إلى ذلك، لكني لا أستطيع تفهم أن يكون لهذه الأوراق هذه الأهمية القاتلة عند كل الأطراف. وقد لا يكون لمثل هذه المقالات تأثير في الواقع العملي أو تغيير ممكن في القوانين الحاكمة، بل كاتب هذا المقال نفسه سينصاع للأشكال القانونية المنظمة لوثائق السفر والجنسية. لكن ربما ننجح على الأقل في بث الفكرة بيننا وبين أبنائنا أن ألوان وثائق السفر المختلفة لا تغير من مكنون الانسان شيئًا وليست مؤثرة على الإطلاق في تقييم أفكاره وانحيازاته.

 

الإنسان حيوان بسيط، عقدته الأوراق والوثائق والأختام. ويبدو أن "جوازات السفر" أصبحت سجونًا مختلفة الألوان.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة