خولة شنوف
خولة شنوف
1.4 k

ذكريات انتخابيّة في دمشق

6/5/2017

كمواطنةٍ عربية لم يسبقْ لي وأنْ آمنتُ بحقي في الانتخاب أو حتى بديمقراطيته.. دائماً ما ارتبطَ في ذهني بالتّزوير والنّسبِ الخيالية العالية التي تتجاوزُ الخمسةَ والتسعين بالمئة. سواءَ أكانَ انتخاباً لاختيارِ رئيسٍ للجمهورية. أو انتخاباتٍ لاختيارِ أعضاءِ مجلس الشَّعب أو حتى انتخاباتِ الجالية. أو تلكَ الانتخاباتِ التي كانت تُجرى لاختيار "عريف الصف".

 

ما إِنْ قرأتُ إعلان السفارة الجزائرية بدمشق والذي تدعو فيه أعضاءَ جاليتها المسجلّين في القوائم الانتخابية لأداءِ واجبهم الوطنيّ والمُشاركة في الانتخابات التشريعيّة، حتى عادتْ بي الذاكرةُ إلى الوراء. وتحديداً إلى تلكَ الأجواءِ الانتخابية التي كانتْ تُقيمها السّفارةُ الجزائرية الموجودة في حي الروضة الراقي في دمشق.

 

تذهبُ إلى هناك فتجدُ الكَراسي في الخارج يجلسُ عليها الذينَ يصطادونكَ من بعيد ليقترحوا عليكَ ترشيحَ الاسم الفلانيّ والذي عادةً ما يكونُ من أنصارِ جبهةِ التحرير، يحاولونَ استلطافكَ بكلّ ما أُوتُوا من قوةٍ وكلماتٍ ولعبٍ على العواطفِ والمشاعر.

 

تقتربُ قليلاً فتجدُ الحارسَ يقفُ عند الباب وإلى جانبهِ عددٌ لا بأسَ به من الجيش السوريّ الذي يقومُ بحراسةِ المكان. والذي عادةً ما يكونُ في فترةِ الاحتفالاتِ أو الانتخاباتِ أكثرَ عدداً وحراسةً وتشديداً.

 

تدخلُ من باب السّفارة فتشعرُ فجأةً وكأنّك في الجزائر. اللّهجةُ الجزائرية حاضرةٌ وبقوةٍ مع بعضِ الكلماتِ السورية الدخيلة.

حلوياتٍ جزائرية من "ريحة البلاد" كما يقولون.

تحية بالطريقة الجزائرية تسمعها من كلّ شخص تراهُ هناك.

على الطاولاتِ أسماءُ المترشحين.

غرفةٌ تحتوي على بابيْنِ مفصولين كلٌّ منهما مُغطًّى برداءٍ أخضر أو أسودَ لا أذكر.

 

مع كلّ أنواعِ التزوير الذي تشهدُه انتخاباتنا العربية. أصبحتُ أمتلكُ قناعةً تامة بأنَّ كلمةَ الانتخاباتِ في وطننا العربيّ هي في حدّ ذاتها كلمةٌ مزوّرة. أصبحَ الاهتمامُ بأحقيَّة الانتخابِ من وُجوبه لا يعنيني

شعارٌ بعلمِ الجزائر على الأطقُم الرسميّة للمسؤولينَ هناك. أو على القميصِ بالنّسبة للعاملين. يُوضعُ هذا الشّعار خصيصاً من جهةِ القلب أيْ إلى اليسار قليلاً. أعترفُ أنّني كنتُ أناضلُ مع اخوتي من أجلِ الحصولِ على واحدٍ مثله. أضعُه في احتفالاتِ السّفارة في الأول من نوفمبر من كلّ عام. كان امتلاكُه يعني لي الكثير أمّا ومع عودتي إلى الجزائر. أصبحَ أيُّ شيءٍ له علاقة بسوريا هو الأهم بالنسبة إليّ من حيث اقتناء الذكريات.

نحنُ هكذا دوماً لا نشعرُ بقيمة أوطاننا إلاّ عندما نغادرُها.

 

بالعودة إلى الانتخابِ والصناديق. يقترحُ عليكَ المسؤولُ هناك أنْ تختارَ عدَّة أوراقٍ عليها صورُ المترشحين الذينَ لا تعرفهُم ولم تسمعْ بهم من قبل ولم يسبقْ لكَ وأن تباركتَ بجلسةٍ معهم.

 

يُوهمونكَ بأنَّك سترى في هؤلاء خَلاصَك على الرَّغم من أنَّكَ متأكدٌ ضمناً بأنَّها مجرّد ضحكٍ على العقول. واللّحى. ليستْ سوى لعبةٍ سياسية تعودُ بالنَّفع عليهم فقط.

 

تدخل إلى الغرفةِ التي تُدلي فيها بصوتك فتجد سلةَ مُهملاتٍ إلى يسارها. تُلقي نظرةً جانبية سريعة عليها. فيلفتُ نظركَ أسماءَ المرّشحين وصُورهم وانتماءاتهم الحزبية. لتكتشفَ أنَّ مُرشحاً بعينه تمَّ اختياره في حين تمَّ التخلُّص من الباقينَ بطريقةٍ حضارية.

 

كأبناءِ جاليةٍ مقيمينَ بعيداً عن الجزائر. لم يحصلْ وأنْ استفدنا منْ سفارتنا شيئاً. فما بالك بمرشحيها ومسؤوليها.

 

السّفارة التي عادةً ما تكونُ البديلَ عن الوطن والتي وُجِدَتْ لتدافعَ عن مصالحِ مواطنيها وتسهيل أعمالهم. لم تكُن سوى سفارةٍ بالاسم. تتمنّى لو أنَّها لم تكن موجودةً لكانَ أفضل.

 

سفارتنا العظيمة كانتْ "تُشبّح" للنّظام حتّى آخر لحظةٍ قبلَ استعدادنا المُفاجئ لمغادرة دمشق. في الوقتِ الذي كانتْ فيه مناطق من سورية مُحاصرة وكانَ أبناؤُها الجزائريون المتوزعون في مخيمِ اليرموك وحمص وريف دمشق. يُعانون. كانتِ السَّفارة ترسلُ رسائلَ إلى الجزائر. مفادُها أنْ لا شيءَ يحدثُ في سوريا.. وأنَّ الجالية بخيرٍ وبعيدةٌ عن أماكنِ الإرهابيين على حدّ وصفها المأخوذِ حرفياً من الاعلام السوريّ الأسديّ. وآنذاك لم يكنْ هناكَ لا إرهابيون ولا حتّى دواعش.

 

قبل هذه الحقيقةِ المؤلمة. كنتُ أتفاعلُ مع أيّ حدثٍ يخصُّ الجزائر. كانَ من الواجبِ أن تُشارك وتُدلي بصوتك. ولأنّنا - ككلّ مغتربٍ - نصبحُ مُلزمينَ بحبّ الوطن أكثرَ في تلكَ اللّحظات التاريخيّة التي تمرّ بها البلاد.

 

إلاّ أنني وبرغم جهلي بأسماء الأحزاب. عندما كانَ يصلُ الأمر إلى حزبِ جبهة التحرير أو سواه من الأحزاب اللّصيقة بالنظام والمستفيدة منه. تجدني أتراجعُ خطوتين إلى الوراء.. فمجرّد طلبهم ذاك كانَ يدفعني إلى تغيير رأيي والتصويت بورقةٍ بيضاء أو الانسحاب.

 

فحزب يعملُ عُشَّاقُه على دفعكَ للتصويتِ له ليسَ حزباً قائماً على حبّ الشّعب. حتى وإنْ حاولوا دغدغةَ مشاعرك بقولهم أنّ احترامكَ لهذا الحزب هو احترامٌ للشّهداء وللتاريخ. ستبقى كلّ أحزابِ الأنظمة العربية في نظري واحدة. ثُمَّ إنّني أفرقُ جيداً بينَ حزب جبهة التحرير الذي فجر الثورة الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي سابقاً وبين المستفيدين من الحزب لاحقاً والذين نراهُم على الشّاشات وفي المحافلِ والمناسبات.

 

بين من يقول لكَ أنَّ الانتخابَ حقٌ وواجب. ضاعتْ أصواتُ الشَّباب الذينَ وجدوا في العُزوف عن التصويت خيارَهم لإيمانهم أنَّ النتيجةَ ستكونُ واحدة سواءَ انتخبنا أمْ لم ننتخب. خاصةً وأنَّ الأمينَ العام للأفَلاَن جمال ولد عباس قد أقسمَ بأنّ حزبهُ سيفوزُ في الانتخابات.. وفازَ حقاً.

 

مع كلّ أنواعِ التزوير الذي تشهدُه انتخاباتنا العربية. أصبحتُ أمتلكُ قناعةً تامة بأنَّ كلمةَ الانتخاباتِ في وطننا العربيّ هي في حدّ ذاتها كلمةٌ مزوّرة. أصبحَ الاهتمامُ بأحقيَّة الانتخابِ من وُجوبه لا يعنيني. لأنني أعلمُ تماماً أنَّ النتيجةَ ستبقى ضمن دائرة الحزب الحاكم. أو لصالح الرئيسِ صاحب العُهدات الأبديّة. وهذا ما يدفعني لأتنازل لكم عن صوتي. إلى أنْ يصبحَ لدينا انتخابات نزيهة وأنظمة تستحقُ أن نقدّم لها أصواتنا ومرشحين يقولون ويفعلون. ورؤساء لا يجلسون على قلوبنا حتى وهم على حافة القبر.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة