عمر عاصي
عمر عاصي
1.3 k

فلسطين التي لا نراها

6/5/2017
بعد غياب عام عن فلسطين وجدتها كالعادة في تغيّر مستمر، ولكن الفرق أن التغيّر أسرع فأسرع، فالنزعة الاستهلاكيّة في تضخّم مُذهل والناس عن القضيّة أبعد وكما قيل مرّة في إحدى المظاهرات "كُنا بدنا فلسطين صرنا بدنا كيس طحين"، وحتى في القدس والمسجد الأقصى بات دخول المستوطنين أمرًا عاديًا جدًا كما أن حالات العُنف في الداخل باتت أكثر من أي وقت مضى، ولهذا سأخصص هذه المدوّنة لبعض المشاهد التي لا تحظى باهتمام في وسائل الإعلام وتستحق منّا اهتمامًا أكبر!

في الطريق إلى رام الله، تنظر حولك تتأمل المركبات التي تحمل اللوحة الفلسطينية، بعضها تحمل مُلصقات مثل "سيري على بركة الله" و"سارحة والرب حاميها" وهذه قديمة غالبًا وفي تناقص مُستمر، تلفت انتباهك مركبات أخرى حديثة جدًا وأكثرها "جيبّات" من طراز "آودي" و"يونداي" توحي لك وكأن الرخاء الاقتصادي عمّ الديار المُحتلة.. تسأل عن سبب كثرتها؟ فيُجيبك الناس: إنها القروض البنكيّة!

في مدينة نابلس، تتقدم نحو "بسيطة" لشراء شيء من "الحوامض" التي تُباع في هذه الأيام من السنّة كالأسكادنيا والمشمش والتفاح والكرز الأخضر فتجد أن الأسعار ليست رخيصة، على نفس البسطة تتقدم امرأة حامل مع زوجها والأطفال لتشتري شيئا من العنب فلا تشتري منه إلا قطفًا صغيرًا بالكاد يكفي طفليها، وبينما هُم يحتفلون بالعنب يُعجبك شكل الكرز الأحمر فتسأل عن سعره فيُقال لك: "30 شيكل لكل وقيّة - 250 غرام" أي 8 دولارات، أي 32 دولارا لكل كيلو، فلا تجد نفسك إلا وأنت تضحك ويضحك من ضحكك صاحب قُطف العنب الصغير!

التجوال على ضفاف نهر أبي فطرس، كأنما هو "احتكار" لليهود الذين يقصدونه بمناسبة وغير مناسبة، أما نحن فتركنا لهم كُل هذا وانشغلنا بالمجمعات التجارية، وإن بحثت عنّا فستجدنا بلا شك في المجمّعات التجاريّة!
في مدينة ما في الضفّة الغربية، رأيت أحدهم يستنكر على الناس انشغالهم بالدنيا عن الأسرى وفلسطين، فسألته: ألم تر خيمة الاعتصام من أجل الأسرى وسط المدينة؟ فضحك بلهجة تهكّميّة غريبة قائلًا: "ليتهم يخرجون لنا أسرانا من سجونهم أولًا"، كانت تلك إجابة رجل رأيته بعد أن أمضى 3 أشهر في سجون المخابرات الفلسطينية وقد "تقلّص" وزنه في سجونهم لشدّة ما لقيه من أصناف العذاب، بحجّة أنه "حمساوي" مع المُقاومة!

في البلدة القديمة في القُدس وفي أحد الأزقّة عند قصر مملوكي بديع يُدعى "قصر الست طنشق" وهي إحدى النساء الفاضلات اللاتي تركن أثرًا جليلاً يشهد لهن، وجدت مصيبة من مصائب القدس التي لا يجد الناس وقتًا للحديث فيها، حيث القصر في غاية الإهمال رغم عراقته وفرادته المعمارية، فعند البوابة برميلان من القمامة، وبدلًا من الشباك المهشم قطعة من الخشب غاية في القُبح.. وهذا غير الحجارة التي بدأت تتآكل دُون أي وعي لترميمها.

ذات ليلة من ليالي الجمعة، تستيقظ القرية على صوت رشاش من طراز "كلاشن" كما يقولون، يجتمع الناس بسرعة البرق يتفقدون موقع "الجريمة"، يتأملون الرصاصات التي اخترقت الآفاق وبيت أحدهم، يتأكدون أن أحدًا لم يُصب.. كما في حادثة "الطخ" السابقة، ولا يلبثون كثيرًا حتى يعودون للنوم.. ويعود المُجرم إلى بيته للاستعداد لجريمة قادمة وكأن شيئًا لم يكن، وللعلم فإن عدد الجرائم في الداخل الفلسطيني "أراضي 48" بلغ منذ مطلع العام الجاري 22 جريمة!

عند نهر أبي فطرس أو "اليركون" كما يسمونه، تجد نفسك كفلسطيني محاطًا بأنظار القوم إن قصدته متجولًا، فحتى الفلسطيني الذي بقي في بلاده لا يزورها إلا طلبًا للشواء، أما التجوال على ضفافه فكأنما هي "احتكار" لليهود الذين يقصدونه بمناسبة وغير مناسبه، أما نحن فتركنا لهم كُل هذا وانشغلنا بالمجمعات التجارية والمطاعم، وإن بحثت عنّا فستجدنا بلا شك وبكثرة في المجمّعات التجاريّة!

لا شك أن في فلسطين الكثير الكثير من الجمال، وعليها ما يستحق الحياة، ولن أكتب عنها هنا قاصدًا.. وأترك لها مدوّنة أخرى قادمة إن شاء الله!

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة