ساري عرابي
ساري عرابي
6.4 k

محمد الزواري.. سيد الظلال القادم من أقصى البلاد

6/5/2017
"من أقصى المدينة رجل"
قد يُغفل القرآن أسماء الرجال، وفي ذلك توكيد على أهمية أمثال هؤلاء الرجال للوجود، فثمة أفعال لا يأتيها إلا صنف من الرجال، قد بلغوا الغاية من التجرد للمعنى المتسامي، والتخلص من التأول للنفس ومن الاعتذار بما قد يبدو وجيهًا، فلا تعوقه مصلحة مرجوة، ولا شقة البعد، ولا الخوف يحفّ الطريق، ولا يشغله في مهمته سوى الحقيقة والشهادة لها والنصح للعالمين، حتى قيل إن رجل يس نصح قومه حيًّا وميتًا، "قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ".

يتعاظم في هؤلاء الرجال الإحساس العالي بالواجب، حتى يطغى على أي اعتبار آخر، وتتحدد في وعيهم المهمة، فلا هامش عليها، ولا حشو فيها. لا شيء في عيني الرجل القادم من أقصى المدينة إلى موسى سوى الطريق التي تنتهي بالإسرار إلى موسى بالنصيحة، ولا شيء على لسان القادم من أقصى المدينة ناصحًا أصحاب القرية سوى الدعوة وإعلان الإيمان ونصرة المرسلين، وفي ذلك كله تتصاغر الـ"أنا"، فلا يبقى سوى المهمة شيء، وتنعدم العوائق في الإرادة، وإن افترشت الطريق وظللت الأجواء.

حرفيًّا كان محمد الزواري، صاحب الاسم الحركي "مراد"، من أقصى البلاد، من تونس، لم يكن في عينيه سوى الطريق إلى غزة، ولم يكن يهجس في عقله وقلبه سوى أن يكون مجاهدًا بعلمه ومعرفته بين مجاهديها، يمنحهم علمه كاملاً وخالصًا، وبالتأكيد دون براءة اختراع تحفظ حقه وتُشْهِر اسمه، فهو وما يملك للمجاهدين، ودون أن تضلله المغالطات التي تحصر جهاد العلم في الجامعات والمختبرات المعروفة.

دعونا نتخيل كم يخسر المستضعفون في هذه الحياة دون مختبرات الأنفاق والظلال، دعونا نتخيل كم يخسر المستضعفون دون محمد الزواري، دون "مراد" الذي كانت حتى زوجه تجهل هويته!

كم ستخسر البشرية لو أن محمد الزواري لم يكن مرادًا، وانشغل في تسجيل لحظاته ومشاركتها على فيسبوك وانستغرام؟ وكم ستخسر لو أنه انشغل في التفاخر بعدّ شهاداته ومؤتمراته وطلاته التلفزيونية؟
رجل الظلال في زمن الثرثرة:
أيًا كان الأمر، لقد جاء من أقصى البلاد، يعرف دوره، فانعدمت على مهمته الهوامش، وصار كل شيء سواها لغوا، حتى النفس وحقها. كل ما سوى أصل الطريق بنيات، وفي كتب اللغة بنيات الطريق "الطرق الصغار تنشعب من الجادة وهي الترهات"، وقال الأصمعي: "من أمثال العرب: دع بنيات الطريق، أي اقصد لمعظّم الشأن"، ومن الشعر قول أبي الأسود الدؤلي:

سلكوا بنيّات الطريق فأصبحوا *** متنكبين عن الطريق الأنور

كم ستخسر البشرية لو أن محمد الزواري لم يكن "مرادًا"، وانشغل في تسجيل لحظاته ومشاركتها على الفيسبوك وانستغرام؟ وكم ستخسر لو أنه انشغل في التفاخر بعدّ شهاداته ومؤتمراته وطلاته التلفزيونية وأبحاثه المحكّمة ومؤلفاته؟ لا شك أن ضروبًا من الثرثرة ضرورية للحياة، لكن كيف لو أن الحياة خلت من أهل الصمت، من رجال الظلال، من محمد الزواري؟!

ادفن وجودك في أرض الخمول:
قال لي أحدهم إن شيخه كان يكثر أن يردد عليه حكمة ابن عطاء الله "ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه"، وكان شيخه كثيرًا ما يمنعه -وقد كان مراهقًا- من ارتقاء المنابر إذا طلبه أهل المساجد لذلك، يقول لي: استشهد شيخي وقد ظللت أثرثر!

كنتُ اقرأ في سير بعض السلف كراهيته الشهرة، وخشيته على نفسه من كثرة اتباع الناس له، أو حتى محض معرفتهم به، حتى إن بعضهم كان يقوم من مجلسه إذا كثر رواده، وقد يبدو هذا غريبًا، إذ الواجب نشر العلم ما أمكن وتوسيع جمهور الدعوة، وقد يكون ذلك الزهد في الشهرة والأتباع نزعات نفسية لا ترتكز إلى مستندات ضرورية، بيد أن التكثير يقود إلى الغفلة عن أصل الطريق، ويدمج فيها بنياتها، فتصير كلمة الحق غرضًا دنيويًّا، وشهوة رخيصة، وكم من ظاهر الصلاح والجهاد أفسدته البنيات وأفسد بذلك طريق الجهاد كلّه.

دعونا نتخيل الوجود دون هؤلاء، لا سيما في زمن الثرثرة.. في زمن الـ "فلورز" والـ "لايك" وااـ "تراند" والتشاوف الفكري.. ولنتخيل الوجود دون مثلهم في الطريق إلى فلسطين.
غير أن ثمة معنى آخر في هذا التزهيد، إذ العمل الظاهر، حتى لو حفّته المخاوف، يتوفر في ذاته على المحفزات والدواعي التي تخاطب الغرائز والطبائع البشرية، بما لا يحوج إلى كثير دعوة من خارجه، على خلاف العمل المستور إذا حفّته المخاوف وأخذ من حظوظ الإنسان وصادم غرائزه وطبائعه، والحياة وسنة التدافع فيها لا يمكن أن تقوما إلا عليهما، والعمل الظاهر مجال الفتنة فيه أوسع، لاتساع ممكنات التنافس بين أصحابه، وهم بذلك فتنة لأصحاب العمل المستور، وبهذا تظلّ الحاجة إلى رجال لا يفسدهم فساد الناس، ولا تتنكبهم خساراتهم العاجلة عن أصل الطريق.

الثمرة الآجلة:
وقد سبق مصعب بن عمير وأن فتح ثغرة في جدار التاريخ حينما فتح المدينة، وتخطى من قبل عقبات الطريق، شهواتها ومخاوفها، واستشهد في أحد قبل الفتح وقبل المغنم، وعنه يقول خباب بن الأرت: "هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يهدبها، قتل يوم أحد، فلم نجد ما نكفنه إلا بردة إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه".

أهل الخفاء من ملاحقي التاريخ والسابقين إلى زمامه، ممن يجدون عزاءهم في قيامهم بالواجب، فإن لهم في الإيمان عزاء فوق ذلك، أثرهم في التاريخ، وأجرهم الباقي عند الله تعالى.

خير الناس.. وبقية:
محمد الزواري، لعله من هؤلاء الذين يجعلهم الله من خير الناس للناس، وفي طليعتهم ذلك الممسك بعنان فرسه في سبيل الله، "يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه"، وكم من خفي منزلته عند الله أنه لو أقسم على الله لأبره!

دعونا نتخيل -مرّة أخرى- الوجود دون هؤلاء، لا سيما في زمن الثرثرة.. في زمن الـ "فلورز" والـ "لايك" وااـ "تراند" والتشاوف الفكري.. ولنتخيل الوجود دون مثلهم في الطريق إلى فلسطين.. وتلك حكاية أخرى.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة