مي ملكاوي
مي ملكاوي
265

فانوس العتمة

1/6/2017

كتبتْ قبل سنوات عن فانوس يشتعلُ فرحاً ونوراً... نوراً يَعُمّ الكون والأرض والسماء من حولها...
كان الفانوس من صنع يدها، جزءٌ منه من الأسلاك وجزءٌ من ورق وبداخله شمعه...
كانت تشعله أحياناً، لكنها ولضيق وقتها وانشغالها الدائم كانت تُخطأ بالتوقيت، فتُشعل الفانوس وقت الضحى، فلا ينتبه له أحد... أو تشعله بعد انقضاء الليل فلا ينظر له سواها. فتعود لتطفأه بنية إشعاله في وقت مناسب... حاولت تلوينه، تزيينه، تغيير هيئته، لكنه من كثرة التغيير صار قديماً قليلاً... لكنه ظل يشتعل.

 

تركته أياماً عديدة على الطاولة الجانبية دون اهتمام، فقد رأت كل الفوانيس التجارية الساطعة الأخرى في السوق وعند الناس تفوقه جمالاً، تلك الزجاجية الملونة والنحاسية المتنوعة الأشكال والمتعددة الأحجام، تلك الكهربائية وذات الشموع... الجميع يصنع الفوانيس فلماذا تتعب نفسها بصنع واحد يدوي ورقي أخرق الشكل.

 

هي نسيتْ كيف تَزيّن بيتُها الصغير به قبيل شهر رمضان، نسيت كيف كانت ردة فعل أطفالها بالقفز فرحاً به عندما صنعوه ولونوه معاً، وكيف أنستها المقارنات بالفوانيس الجاهزة لمعة أعينهم وهم يتعلمون كيف يقصون ويلصقون الفانوس ثم يضعون الشمعة في وسطه ويتابعونها وهي تشعلها لهم بحبّ.

 

لكنها ذات نهار، تفاجأت بطفلتها تطلب منها إشعال الفانوس، وسألتها عن الشمعة الحلوة وعن رمضان الذي شرحت لهم كيف يصومونه معاً، أشعلته لها من جديد وفي وضح النهار فقفزت الطفلة فرحاً ولمعت عيناها...
وظل مشتعلاً طوال اليوم وحتى ما بعد المغيب، وشاركهم فطورهم على المائدة.

 

تذكرت أنها صنعته أصلاً لهم ومن أجلهم لا من أجل الآخرين، والزينة الورقية التي قصقصوها ولونوها وعلقوها معاً في الصالة كانت من أجلهم، لهم ولبيتها وليس من أجل الزوار أو من أجل التصوير والنشر على الفيس بوك والانستاغرام.

 

كانت فرحةً كفرح أطفالها في ذلك اليوم، تذكرت الأيام الجميلة التي قضتها في طفولتها في بيت أهلها، تذكرت رمضان وكيف كان رائعاً في بيتهم القديم في تلك القرية الصغيرة، وكيف كان وادعاً حميماً وعائلياً بامتياز.

 

تذكرت كل أولئك الذين يصنعون فوانيس من أجل النفاق والمجاملات والتظاهر بالفرح، وفوانيسهم مبالغ بها وتبدو بلا روح، بلا اشتعال رغم سطوعها... لأنها جاءت بنيّة مختلفة عن تلك النوايا القلبية الحقيقية.


البعض الآخر يصنع فانوسه من قلبه لينير حياة الآخرين، لتسطع قلوبهم بالفرح الحقيقي... تماماً كما تصنع الأم لأطفالها فوانيس وزينة لرمضان كي يتعلموا وحتى ترى الفرح بعيونهم

وفكرت كيف أن بعض الناس تشبه فوانيس رمضان الجاهزة، جُلُّ اشتعالهم من أجل أنفسهم وحتى يسطعون أكثر، أهدافهم تبدو خدمة للمجتمع لكنها في الحقيقة لا تخدم سوى مصالحهم الذاتية، والمجتمع آخر همهم لكنه طريق لزيادة استفادتهم، مثل كثيرين نراهم كنجوم في العالم الجديد الذي نعيشه، فيشعروننا أنهم بدون شبيه وأنهم مختلفون لكنهم في الحقيقة نجوماً أو فوانيس معتمه مطفأة. 


لكن البعض الآخر يصنع فانوسه من قلبه لينير حياة الآخرين، لتسطع قلوبهم بالفرح الحقيقي... تماماً كما تصنع الأم لأطفالها فوانيس وزينة لرمضان كي يتعلموا وحتى ترى الفرح بعيونهم فيَسعدُ قلبها وتشعر بالإنجاز، بالضبط مثل الابتسامة الحقيقية التي تراها على وجه شخص ممتنّ رأى نوركَ يسطعُ بصدق ومحبة وأنتَ تعمل من قلبك دون نفاق أو كذب أو تصنّعٍ ومراءاة.

 

قررتْ أن تُشعلَ الفانوس طوال شهر رمضان، فلقد صنعتْهُ لأطفالها وبيتها بصدق وحبّ وزيّنتهُ ببساطة ودون تكلف لهم ولأجلهم ولأجل ذلك الإحساس القديم بالشهر الفضيل.

كلمات مفتاحية: فانوس، الحرية، العتمة، النصر

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة