براء نزار ريان
براء نزار ريان
5.2 k

تساقط اللحى

12/6/2017

 

"أشقى الناس أقربهم من السلطان، كما أن أقرب الأشياء من النار أسرعها احتراقا".

هارون بن المهديّ

 

لم يسبق لعلماء المسلمين أن كانوا في جيوب السلاطين كما هم اليوم، ففي تاريخنا الإسلاميّ يكادُ يكون الأصل في علاقة العالم بالسلطان البُعد والجفوة والحذر، بعكس ما يُشيعُه مشايخ العصر ومثقفوه، باسم "طاعة وليّ الأمر".

 

كان علماء المسلمين عبر العصور يحمدون للعالم أنّه "لم يتلطّخ بشيء من أمر السلطان"، لأنّهم يرون أمر السلطان لطخةً وقذرًا، ويحبون له أن "لا يقبل جوائز السلطان"، لأنّ ماله مشبوه مكروه، ويحّذرون من قربه، فيوصي بعضهم بعضًا: " لا تدخل على السلطان، وإن قلتَ: آمره بطاعة الله"، خشية أن يفتنه بسيفه وذهبه، ويرون أنه "ما أقبح بالعالم أن يأتي الأمراء"، ويعدّون اتّباع الحاكم مثلبة ومنقصة، فكُتُب "الجرح والتعديل" زاخرةٌ بأسماء الذين ترك العلماء أحاديثهم، ونقموا عليهم، بسبب إتيانهم أبواب السلاطين وأخذهم عطاياهم.

 

وكان لبعضهم مذهبٌ شديدٌ في البُعد عن الحُكّام، فقد أقام بشر بن الحارث -الزاهد المشهور- بعبّادان، يشرب ماء البحر، ولا يشرب من حياض السلطان.

 

وجاع الإمام أحمد ثلاثة أيام، وهو الذي لو شاء لأغدق عليه السلطان الجوائز والعطايا، فأرسل إلى صديق له يقترضُ دقيقًا، فحضّره له أهله بسرعة أثارت استغرابه!

فسألهم، فقالوا: وجدنا فُرن ابنك صالح مشتعلًا، فخبزناه فيه استعجالًا.

فقال: ارفعوه، ولم يأكله! وأمر أن يسدّوا الباب الذي بينه وبين بيت ابنه.

ذلك لأن ابنه صالح أخذ من الخليفة المتوكّل مالًا!

 

لا شكّ أن أكثرنا يرى هذه المواقف عزائم مستحيلة التكرار في زماننا، وهو كذلك، بل إنّ العالم اليوم إذا لم يعادِ السلطان ولم ينافقه، فلعمري لقد نجا، فإن ناصحه وقوّمه كان مشكورًا مأجورًا، سيّما وأنّ أنظمة هذه الأيام لا تستوعبُ إلا التأييد الصريح، وتمنع من السفر من لم يطأطئ لأمرائها ظهره.

 

لكنّ مشايخ اليوم، وأكثرهُم ينتسبُ إلى هؤلاء العظماء، انحرفوا من مجرّد تحريم "الخروج على وليّ الأمر"، إلى تحريم معارضته، ثم إلى موالاته الولاء الكامل، على حساب دينهم ومبادئهم ومصالح أمّتهم ودماء أبنائها وأعمارهم.

 

المحزن أنّ بعض هؤلاء الدعاة والعلماء والقراء، مرضيٌّ حقًّا من حيث حضوره الدعويّ، أو تمكّنه العلميّ، أو أدائه في التلاوة. وهذا يجعلُه في مناقضةٍ حقيقيّة وفجة مع ما يحسن بلاغه وتلاوته، ويفقدُ كلامه طعمه وحقيقته، ولذلك عدّ عبد الله بن المبارك من أهمّ بلايا العالم أن "يلزم السلطان، فيذهب علمه"!

 

ولا أعلمُ إن كان ابن المبارك يرى أنّ لزوم السلطان بزينته وزخرفه ورفاهيته يشغل العالم عن علمه فيذهب حقيقة، أم قصد أنّ قيمة علمه تذهبُ بذهاب هيبته من صدور العامّة.

 

قد كان لهؤلاء الدعاة المأجورين سلفٌ لا شكّ، فلم يخلُ من منافقي الحكام عصر ولا دولة، لكنّهم شذّاذٌ طارئون، ممقوتون لا تزالُ أسماؤهم مجللة بالعار والشنار في كتب التاريخ ونقد الرجال.

 

إنّ علماء السلاطين خطرٌ داهمٌ على شباب الأمّة اليوم، أو أخطارٌ متعددة مركّبة في الحقيقة.

 

فإن اقتنع بدعواهم أحدٌ، أماتوا في نفسه الحقّ، وسلكوه طريقهم الباطل، وصار تابعًا ذليلًا إمّعة، يرى طاعة الله في رضى الحكام الظلمة، وإذا رأى اعوجاجهم ونفاقهم، خُشي عليه أن يُضرب عن الدين بالكلّية، أو يفقد الثقة بكل حملته ومنظّريه.

 

ولئن قلتَ لشباب الجيل: خذوا علمهم، ولا تنظروا إلى مواقفهم، لأجابوك: إنّهم لا يدرّسون نظريات الفيزياء، ولا معادلات الرياضة، بل إنّهم يتلون علينا كتاب الله، ويلهجون بحديث رسوله، ويصلون عليه ويسلمون!

 

فكيف تخشعُ القلوب لصوتٍ يتلو الكتاب الكريم، وصاحبُه يمالئ الظلمة والطغاة الغائصين في دماء الأبرياء حتى الركب! وكيف يسمعُ صادق القلب أحاديث محمّد صلى الله عليه وسلم ممّن رآه يدعو لضرب العزل "بالمليان"! وكيف يأخذ دينه وفقهه عمّن رآه يفتي بحلّ حصار المسلم للمسلم في رمضان، حتى يذكرهم بذلك، يا للسخرية، وزير خارجية الأمريكان!

 

ثم كيف يثق الشباب المتنوّر بالداعية المنفتح العقلانيّ، الذي نَبَش قبور الأولين، وقلّب رفات الفانين، بحثًا عن العدل المزعوم، ودفاعًا عن حقّ المظلوم، فإذا به أعمى قلب، ينكرُ ما تراه عيناه، ويحدّثُ عن حقوق الإنسان والعدالة الناجزة، في دولةٍ بوليسية قمعية، ويجعلُ نفسه وعِرضه وسمعته وتاريخه درعًا للظلمة، يقيهم بجلده السميك طعنات شباب الأمّة المصدوم!

 

نّ هذا السقوط الكبير، لكثير ممّن تصدّر للدعوة والإفتاء، وإن كان يحرمُ الشباب القُدوة الدينيّة المرضيّة، ويدخلهم مسالك الشكّ والحيرة، فإنّه يمنحُهم حريّة البحث والفكر، ويحرّك في أنفسهم آلة النقد والنظر، ويعصم قلوبهم وعقولهم من التسليم لأحدٍ، كائنًا من كان.

العجيبُ أنّ هذا البلاء، أعني: نفاق العلماء والدعاة للحكام، لم تكد تسلم منه مدرسةٌ من المدارس الإسلامية، ففي أتباع السلاطين وأموالهم: السلفيّ الجامد، والصوفيّ الواجد، والظاهريّ النصوصيّ، والمتكلم العقلانيّ، والمتزمّت المتشدد، والمتساهل المتراخي، والذكيّ صاحبُ العلم، والغبيّ الجهول، والقارئ الحافظ المتقن، وغيره من ذوي الخطأ واللحن! وذو اللحية الكثّة، والحليق الأنيق. قد ألّفت بين قلوبهم المتناحرة المتباغضة دنانير السلطان، وجمعتهم موائدُه، واحتضنتهم قصوره أولادَ نعمةٍ مدللين.

 

وهذا الأمرُ وإن كان يغلقُ الباب على شباب الأمّة من جهة، فلا يتاحُ لأي منهم أن يفرّ من مدرسةٍ إلى مدرسة، أو يتبدّل منهجًا في فهم الإسلام إلى آخر، فإنّه من جهة أخرى، يفتح أمامهم أبواب الموضوعية والإنصاف، ويمنعهم أن يجعلوا المواقف السياسيّة معولًا لهدم الأفكار والرؤى، بل لعلّه كان لله عزّ وجلّ حكمة أن فضح من كلّ مدرسةٍ نفرًا، حتّى يحجم الناسُ عن إسقاط بعضهم بعضًا، ويعصم الدماء الحرام، المسفوكة بأيدي ظلمة الحكّام، من استثمارها في مهاجمة المخالفين، وشطب الخصوم.

 

إنّ هذا السقوط الكبير، لكثير ممّن تصدّر للدعوة والإفتاء، وإن كان يحرمُ الشباب القُدوة الدينيّة المرضيّة، ويدخلهم مسالك الشكّ والحيرة، فإنّه يمنحُهم حريّة البحث والفكر، ويحرّك في أنفسهم آلة النقد والنظر، ويعصم قلوبهم وعقولهم من التسليم لأحدٍ، كائنًا من كان.

كلمات مفتاحية: الحرية، النصر، الوطن، البلاد

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة