ساري عرابي
ساري عرابي
3.4 k

أنظمة الثورة المضادة إذ تحرق أوراقها الدينية

17/6/2017

لم يعد مؤكدًا أن تفضي الهجمة على تيار "الإسلام السياسي" إلى اجتثاثه أو شلّه بالضرورة، بالرغم من الأثر الواضح لأدوات الهجوم المادية في كبح هذا التيار والحدّ من مفاعيله، بيد أنّها في المقابل؛ قد تعيد منح هذا التيار المشروعية من جديد، فسياسات الأنظمة التي تتولى قيادة هذه الهجمة؛ تجدد تلك التحديات التي أوجدت هذا التيار في عشرينيات القرن الماضي.

 

ومع أن مقالة "النهايات" كثيرًا ما تثبت سذاجتها ورغبويتها العجولة، فإن الفكرة هنا لا تُعنى بالضرورة بالتبشير بعودة تيار "الإسلام السياسي" إلى الفاعلية المبادرة، وإلى امتلاك قوة المزاحمة، ولكنها تقصد القول إن سياسات تلك الأنـظمة سترتد عليها بالضرورة، إن بتجديد أسباب المشروعية لتيار "الإسلام السياسي" في أمدية قد لا تكون بعيدة بالنـظر إلى مستويات التحول والسيولة العالية، أو بفتح الممكنات على تشكلات وأفكار جديدة تعلن بذاتها فشل تلك السياسات.

 

كان يمكن أن يواجه تيار "الإسلام السياسي"، وأي تجل منبثق عنه، ومهما كانت مركبته الفكرية أو النضالية، سياسية أم عنفية أم دعوية أم غير ذلك؛ بالقول إن هذا التيار بتجلياته، تعبير عن حالة انشقاقية، لخروجه عن الإجماع، أي الإجماع المتمثل في السلطة السياسية الناشئة عقب انحسار الاستعمار المباشر، والمتمثل في المؤسسة الدينية التقليدية، سواء كانت تقليدية من جهة ارتباطها العضوي بالسلطة السياسية، أو من جهة كونها تمثل امتدادًا لتيار التقليد المذهبي الإسلامي.

 

لقد اتهم تيار "الإسلام السياسي"، أو الحركية الإسلامية عمومًا بتجلياتها كلها بمنازعة الشأنين السلطاني والديني أصحابهما، ومن ثم خروجها على الإجماع المتجسد في المؤسسات الشرعية المعبّرة عن هذين الشأنين.

 

بيد أن هذه الدعوى لم تكن، وبكل الشحن الذي غذيت به الدعاية التي حملتها، قادرة على الاستمرار بفاعليةِ مواجهةٍ بسويةٍ واحدة من القوة والتأثير، وذلك لأن انحسار الاستعمار المباشر كان قد كشف في الحقيقة عن انهيار الإجماع في مجتمعاتنا العربية، وقد ظلّت دولة ما بعد الاستعمار محلّ تشكيك لا من الحركيات الإسلامية فحسب، ولكن من جملة قوى وتيارات أخرى كانت من ضمن ما طبع الأزمنة العربية الحديثة والمعاصرة.

 

أما مؤسسة التقليد، فكانت مشكلتها ذاتيّة بفشلها في الإجابة العملية والنظرية على أخطر تحديين واجها العرب المسلمين في مرحلة انحدار السلطنة العثمانية ثم انهيارها، وهما تحدي الاستعمار، وتحدي حركة التحديث الفوقية القهرية التي استهدفت قيم المسلمين، واستندت في ذلك إلى قيم غريبة عنهم.

 

ربما لم يكن استهداف التيار الإصلاحي للتقليد الإسلامي السبيل الصحيح لمواجهة تلك التحديات، وقد نجم عن انهيار التقليد المذهبي الإسلامي مشكلات فكرية وسياسية خطيرة، بيد أن المشكلة الأساس كانت في فشل تيار التقليد بذاته، ثم هيمنة الدولة الوطنية عليه، وتنازله عن استقلاله، وتجرده من كينونته ليذوب في الدولة.

 

هذه الدولة التي تفتقر إلى حدود فاصلة ما بينها وبين السلطة السياسية التي تحكمها، وبالتالي تحوّل تيار التقليد إلى أداة للسلطة السياسية، والتي هي في حقيقتها تعبير عن استمرار الهيمنة الاستعمارية، وعن تكريس تشوه وعي العرب المسلمين بذاتهم، وتشوه رؤيتهم لأنفسهم والعالم، وعن غياب الإجماع الذي طالما ظلّ ادعاء الدولة تجسيده محل شكّ جماهيري ونخبوي، وقد تأكد زيفه على أي حال.

 

أيًّا ما كانت أسباب ضعف تيار التقليد، وبالرغم من أن تيار الإصلاح في مرحلة، والتيار السلفي، ثم الحركيات الإسلامية يتجلياتها المتنوعة، ومنها "الإسلام السياسي"، في مرحلة لاحقة، ساهمت في إضعافه، في علاقة جدلية متبادلة يتحمل كل من الفريقين نصيبه فيها، فإنّ فشل تيار التقليد في الأساس في الإجابة على تحديي الاستعمار وحركة التحديث وانهيار الإجماع، كان المهد الذي ولدت فيه الحركيات الإسلامية.

 

لم يعد ثمة إمكانية لأن يزعم أحدهم بأن الدولة الوطنية بالمؤسسة الدينية الملحقة بها تمثّل إجماعًا ينشق عنه الإسلاميون، فلقد فشلت هذه الدول في تحقيق أي من وعودها، وظلّت الأسئلة الكبرى المعبّرة عن القلق وانهيار الإجماع حاضرة بقوة في ظلّها دون أن تتمكن من حلّ معضلاتها، ثم إنّها بعد ذلك انهارت وتشظّت، بينما ظلّت مبررات وجود الإسلاميين قائمة، دون أن يعني هذا أن كل مقارباتهم صحيحة بالضرورة.

 

تقوم السلطة السياسية العربية اليوم باستخدام المؤسسة الدينية الملحقة بها على أسوأ ما يكون التوظيف والإلحاق وسحق الكينونة الخاصة لتلك المؤسسة، وسواء كانت تلك المؤسسة في أصلها امتدادًا للتقليد المذهبي الإسلامي كما هو حال الأزهر، أو بقدر ما معبّرة عن التيار السلفي كما هو حال المؤسسة الدينية الرسمية السعودية، فإنها قد فقدت وزنها تمامًا، وصارت من أكثر أجهزة الدولة بؤسًا واهتراء وتبعية ذليلة للسلطة السياسية.

 

وإذا كان تيار التقليد قد عُوّل عليه في تسييج الدين من عبث العابثين، بتكريس الحدود والضوابط والأصول التي رعاها التقليد طوال القرون التي مرّت، فقد خسر وزنه الذي يتكئ عليه للقيام بذلك، وقد ظهر كيف تمكنت السلطة السياسية في مصر من اختراق الأزهر واستخدام بعض من رجالاته وخريجي مؤسساته ومعاهده الدينية للترويج لأحطّ المقولات عبثًا بالدين وهدمًا له، والحطّ من الإرث الذي يفترض في الأزهر القيام عليه وحمايته!

 

إنه مظهر آخر من الانهيار المتسارع، وانحسار الشرعيات، وأرضية متجددة تنغرس فيها البذور لنضال جديد، قد يظهر في شكل الإسلاميين أو غيرهم، ولكن تلك الأنظمة لا تسدي لنفسها معروفًا، خاصة وهي تحرق بكثافة كل أوراقها الدينية!

وأمّا الرؤية الخاصة للذات والعالم التي كانت تتبناها المؤسسة الدينية السعودية بتفرعاتها المتعددة رسمية وغير رسمية، فلم تعد قادرة على حراستها، وهي تئن تحت عنفوان الإرادة السياسية الكاسح، الذي لم يكتف بذلك، وإنما قام بتوظيف تلك المؤسسة، بما في ذلك بعض الدعاة المستقلين، ترغيبًا وترهيبًا، للترويج لما يتناقض مع أكثر أبجديات الدين وضوحًا وبداهة وضرورة، كقطيعة الرحم، وحصار المسلم وتجويعه وتشويهه، والطعن في جهاد الدفع، وتحديدًا جهاد الفلسطينيين، دون الاستناد إلى مسوّغ سياسي معقول، كما هو حاصل الآن في الأزمة مع قطر.

 

لقد ظلت المؤسسة الدينية الملحقة بالسلطة السياسية تهوي منذ أحداث الثورات العربية، وتبعها بالتدريج دعاة ووعاظ ومشتغلون داخل الحقل الديني مستقلون، حتى انكشف الأمر عن أسوأ وأفحش استغلال وإسقاط لهؤلاء كلهم في الأزمة الراهنة مع قطر، لا بما يسقط المؤسسة الدينية، وغيرها من الفاعلين الدينيين المستقلين فحسب، ولكن بما يصادر من مشروعية السلطات السياسية التي تندفع بهذه المسلكية برعونة خالصة لا تتجاوز المراهقة السياسية.

 

حرقت الإمارات كل الكيانات الدينية التي أنشأتها، والشخصيات الدينية التي وظّفتها، وتلك التي موّلتها ومدت نفوذها إليها كما هو الأزهر، وكان الأمر لا يقلّ عن ذلك رعونة في السعودية، بل يزيد، ذلك البلد الذي لم تشكّل فيه الحالة الدينية مقولة وازنة مدافعة للسلطة السياسية في الأزمنة القريبة إلا من بوابة التسييس التي تجسّدت في حالة "الصحوة" التي تمكنت السلطة السياسية بدورها من ضربها واحتوائها، حتى انطوى المجال الديني السعودي على البؤس المتجلي الآن.

 

والحال هذه، فإن سياسات الإمارات والسعودية، وتوابعهما، لا تفعل أكثر في الحقيقة من كشف زيف الإجماع المُدّعَى لاتهام الإسلاميين بالخروج عليه، ثم ضربهم بتلك الدعاية. إنه مظهر آخر من الانهيار المتسارع، وانحسار الشرعيات، وأرضية متجددة تنغرس فيها البذور لنضال جديد، قد يظهر في شكل الإسلاميين أو غيرهم، ولكن تلك الأنظمة لا تسدي لنفسها معروفًا، خاصة وهي تحرق بكثافة كل أوراقها الدينية!

كلمات مفتاحية: الثورة، المضادة، الحرية

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة