شريف محمد جابر
شريف محمد جابر
1.5 k

أهل الحديث كما لم تعرفهم من قبل

19/6/2017

تهدف هذه التدوينة إلى تغيير الصورة النمطية المنتشرة حول أهل الحديث، إذ ينتشر في الأوساط التي لا تقرأ ولا تبحث وتكتفي بابتلاع المقولات الإعلامية التسطيحية وتبنّيها؛ أنّ أهل الحديث الذي اشتغلوا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم جمعا وحفظا وفقها كانوا مجرّد حفظة يروون الأحاديث دون فقه لها، وأنّ كتبهم ليست سوى خزائن للحديث دون تمحيص وتحقيق ولا فقه للقرآن. وسأعرض هنا لنماذج يجهلها أصحاب هذه المقولة التسطيحية أو المتأثرين بها، مما سيكشف عن صورة مغايرة تماما للصورة النمطية المنتشرة في الأوساط غير العلمية.

 

    الإمام أحمد.. هل كان مجرّد جامع للحديث؟

    يظنّ بعض الناس أنّ الإمام أحمد بن حنبل كان مجرّد جامع للحديث، وكفى به شرفا، ولكنّا نعلم أنّ للإمام أحمد كتبا ورسائل ومسائل رويتْ عنه في شتى العلوم: كالفقه والفتاوى، والزهد والورع والفضائل، والتصنيفات الحديثية المتخصصة في موضوع واحد كالأشربة، وعلم الرجال، والعقائد وغيرها، ومعظم هذه الكتب والرسائل متوفر بفضل الله. وأنت حين تقرأ أنّ إمام الحديث المعروف مسدّد بن مسرهد، يرسل إلى الإمام أحمد بن حنبل ما أشكل عليه من مسائل القدر والرفض والاعتزال وخلق القرآن والإرجاء، تدرك جيّدا أنك أمام عالم كبير يُقصد لمعرفة أعقد القضايا التي كانت تثور بين النخب الفكرية في ذلك العصر. وقد روى الإمام الفقيه المحدّث أبو داود، صاحب السنن، عن الإمام أحمد مسائل كثيرة في الفقه جُمعت في كتاب واحد، تدلّ هي أيضا على أنّ الإمام أحمد كان فقيها مجتهدا له آراء فقهية يقصِد إلى معرفتها أهلُ الفقه وطلابه.

 

    الإمام البخاري.. الفقيه الحاذق

    ومن الأوهام المنتشرة اعتقادهم أنّ "صحيح البخاري" ما هو إلا كتاب جُمعت فيه الأحاديث التي حكم الإمام البخاري على صحّتها. والحقّ أنّ صحيح البخاري فيه أكثر من ذلك، ففيه فقه جليل يُستنبط من ترجمة البخاري للأبواب التي يوزّع الأحاديث عليها، وهذه الترجمة هي عبارة عن فقه الرجل للحديث، وقد يكون فيها ردّ على بعض الآراء التي كانت سائدة في ذلك العصر، مع تقديمه لآيات كتاب الله في الاستدلال، سواء ليستدل بها على شيء، أو لتكون جزءا من عنوان الباب ثم تأتي الأحاديث لتبيّن مجملها كما قال تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلّم: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. فانظر مثلا إلى "كتاب الإيمان" في صحيحه، كيف بدأه بتعريف الإيمان بأنّه "قول وفعل ويزيد وينقص"، ثم شرع بإيراد الآيات الدالة على ذلك، مع جملة من أقوال السلف من الصحابة والتابعين. وللردّ على من يُخرج العمل من الإيمان بوّب فقال: "باب من قال إنّ الإيمان هو العمل؛ لقول الله تعالى: {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون}، وقال عدّة من أهل العلم في قوله تعالى: {فوربّك لنسألنّهم أجمعين عمّا كانوا يعملون} عن قول لا إله إلا الله، وقال: {لمثل هذا فليعمل العاملون}". وهكذا حاله في بداية كل كتاب من صحيحه، يعرض أولا الآيات ثم يشرع في بيان الأحاديث الواردة في الأبواب المختلفة في إطار الباب. ومن ثم فمن الخطأ الظنّ بأنّ الرجل كان مجرّد جامع حديث، ولكنه كان من قوم يعظّمون كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلّم المبيّنة له، وكان منهجه العلمي الاعتماد عليهما في بيان حقيقة الإسلام.

 

    الإمام مسلم وبيان حقيقة الإيمان

    وما يُقال عن البخاري يُقال عن الإمام مسلم النيسابوري، فقد أخرج في صحيحه عدة روايات لوفد عبد القيس الذين سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإيمان وأمور أخرى، وأورد أيضًا عدة روايات لحديث "بُني الإسلام على خمس". وقد يظنّ من ليس له في فقه الحديث نصيب أنّه يكرّر الرواية دون هدف واضح، وإنما كان مراد الإمام مسلم من ذلك إظهار اختلاف الألفاظ في الروايات، وهو اختلاف قيّم سيدلّنا على معنى الإيمان بالله، ومعنى الإسلام، وأنّ الإيمان هو الإسلام هو التوحيد. ففي بعض روايات وفد عبد القيس جاء تعريف الإيمان على النحو التالي: في رواية: "الإيمان بالله، ثم فسّرها لهم، فقال: شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدًا رسول الله"، وفي رواية: "اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا". أما في روايات التعريف بأركان الإسلام فقد جاء في تعريف الركن الأول في رواية: "على أن يُوحّدَ الله". وفي رواية: "على أنْ يُعبَدَ الله ويُكفَرَ بما دونَه". وفي رواية: "شهادة أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمّدًا عبده ورسوله". وحاصل هذه الروايات كلها أنّ الإيمان هو الإسلام، هو شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا عبده ورسوله، هو عبادة الله وحده لا شريك له، هو التوحيد. وأنّ هذه الألفاظ كلها متى ذُكر أحدها وحده تضمّنَ واستلزمَ سائر الألفاظ الأخرى، ومن يراجع كتاب الله تعالى سيجد الأمر هكذا تماما، وهو ما يدل على دقّة هؤلاء الرواة الذين كانوا يروون بالمعنى بما فقهوا من دين الله.

 

    سنن الإمام أبي داود.. مقصد الفقهاء

    أما سنن أبي داود السجستاني فهو كتاب لم يؤلّف قبله مثله كما يقول العلماء، وهو كتاب متخصص بشكل أساسي في الأحكام مع ترتيبه على الأبواب الفقهية، وما تميّز به أيضا أنّه جمع الأحاديث التي كانت مدار الاستدلال عند فقهاء الأمصار، وهو ما يدلّ على معرفة فقهية عميقة لأبي داود مما جعله على علم بأقوال الفقهاء. ومما يدلّ على الصنعة الفقهية في الكتاب أنّه كان يميل إلى اختصار بعض الأحاديث مقتصرا بذلك على موضع الاستدلال، وأنه لم يكن يكرّر الحديث إلا إذا كان يحوي زيادة تضيف معنى جديدا أو لفهم موضع الاستدلال. وقد وضع أبو داود نفسه "رسالة إلى أهل مكة" بيّن فيها منهجه في كتابه، وممّا جاء فيها: "وربما اختصرت الحديث الطويل لأنّي لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرت لذلك". وقال: "وأما هذه المسائل، مسائل الثّوريّ ومالك والشافعي، فهذه الأحاديث أُصولُها". وقال مبيّنا قيمة كتاب السنن: "ولا أعلم شيئا بعد القرآن ألزم للنّاس أن يتعلموه من هذا الكتاب، ولا يضرّ رجلا ألا يكتب من العلم بعد ما يكتب هذه الكتب شيئا، وإذا نظر فيه وتدبّره وتفهّمه حينئذٍ يعلم مقداره". وليقرأ رسالته إلى أهل مكة من يريد معرفة منهج أبي داود العلمي في كتاب السنن.

 

    عبقرية الإمام ابن حبّان

    لا أخفي إعجابي الشديد بهذا الإمام العبقري، الذي أعتقد أنّ عبقريّته وجهوده العلمية لا تزال خافية عن كثير من أهل العلم فضلا عن غير المتخصصين. وتتضّح عبقريّته في كتابه "المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود قطعٍ في سندها ولا ثبوت جرحٍ في ناقليها" المعروف باسم صحيح ابن حبان، ذلك أنّه وضعه بطريقة فريدة لم يُسبق إليها، وهي أنّه قسّم كتابه بطريقة أصولية، فجعل أحاديثه البالغ عددها 7447 حديثًا مقسّمة على خمسة تقاسيم وهي: الأوامر، النواهي، الأخبار، الإباحات والأفعال. ثمّ قسّم كل تقسيم منها إلى عشرات الأنواع الأصولية التفصيلية، فجعل الأوامر على 110 أنواع، والنواهي على 110 أنواع، والأخبار على 80 نوعًا، والإباحات على 50 نوعًا، والأفعال على 50 نوعًا. فانظر إلى هذه العقلية الفذّة التي نظرت إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم من حيث تقسيمه الأصولي، وانظر إلى المشقّة الكامنة في "فرز" 7447 حديث على 400 نوع أصولي، تختلف بعضها باختلافات يسيرة دقيقة، وهو ما يدلّك على أنّك أمام إمام مجتهد كبير.

 

    وسأقتبس للقارئ نماذج من كلام ابن حبان في مقدمة كتابه ليقف على مضمون هذه الأنواع، فمن أنواع الأوامر مثلا: "النوع الثالث: لفظ الأمر الذي أُمر به المخاطَبون في بعض الأحوال لا الكل". ومن أنواع النواهي: "النوع الأربعون: الزجرُ عن الشيء الذي هو البيان لمُجمل الخِطاب في الكتاب ولبعض عموم السنن". ومن أنواع الأخبار: "النوع السابع والثلاثون: إخباره صلى الله عليه وسلّم عن الشيء بالإيماء المفهوم دون النطق باللسان". ومن أنواع الإباحات: "النوع السادس والأربعون: إباحة الشيء المحظور بلفظ العموم عند سبب يحدث". ومن أنواع الأفعال: "النوع السابع: فعلٌ فعله صلى الله عليه وسلم مرة واحدة للتعليم ثم لم يعدْ فيه إلى أنْ قُبض صلى الله عليه وسلّم". وقد أبان ابن حبان في مقدمة كتابه عن هدف هذا التقسيم، فكان من الأهداف الرئيسية لهذا التقسيم أنّه أراد بذلك ألا يخرج المستدلّ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن مقصوده، وقد وضع في سبيل ذلك أيضًا ترجمة لكل حديث في الكتاب، يقول في المقدمة: "لأنّا قصدنا في تنويع السنن الكشفَ عن شيئين: أحدهما خبرٌ تنازع الأئمة فيه وفي تأويله، والآخر عموم خِطاب صعُبَ على أكثر الناس الوقوف على معناه، وأشكل عليهم بغية القصد منه".

 

    أما الهدف الثاني فهو أنّه أراد لطلبة العلم حفظ السنة في الصدور وعدم الاعتماد على الكتب فقط، فطبيعة تقسيمه تحتاج إلى حفظ الكتاب ليسهل الوصول للسنن والأحاديث بحسب أنواعها، وشبّه ذلك بحفظ القرآن المقسّم إلى سور، فالأنواع بإزاء سور القرآن، والأحاديث بإزاء الآيات. قال في كتابه: "وهذا هو الحيلة التي احتلنا ليحفظ الناس السنن، ولئلا يعرّجوا على الكتبة والجمع إلا عند الحاجة". وبالإضافة إلى ذلك، فقد يشرح ابن حبان أحيانا بعض الأحاديث، أو يتطرق لإشكال أو وهم بالتناقض فيناقشه بالأدلة، مما يدلّنا على رسوخ علمه وفقهه، وأنّه لم يكن مجرّد جامع للحديث، بل هو عبقرية إسلامية فذّة لم تأخذ بعدُ حقّها من الدراسة.

 

    الأحناف.. أهل الأثر قبل أن يكونوا أهل الرأي

يجب حثّ الشباب على عدم التسليم لأيّ مقولة يسمعونها، وإنما الواجب على من يرجو نهضة أمته أن يتمرّس بالبحث والقراءة، ليطّلع بنفسه على حقائق الأمور، ولا يسلّم عقله لمن لا يحترم المنهج العلمي.

    أحببتُ أن أختم عرضي لأهل الحديث بالتنويه لخطأ مقولة تسود في الأوساط التي لم تعرف للعلم والبحث طريقا، وهي إشادة بعض أدعياء العقلانية والتنوير بأئمة المذهب الحنفي، باعتبارهم "أهل الرأي" العقلانيين في مقابل "أهل الحديث" أو "أهل الأثر" المقتصرين على النقل. والحق أنّ أهم ما وصلنا من فقه الإمام أبي حنيفة النعمان، وصاحبيه محمد بن الحسن الشيباني وأبي يوسف القاضي هو في "الآثار"، بل جاءت عناوين أهم كتبهم كذلك. ومن يطالع كتاب "الآثار" للإمام أبي يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة، سيدرك أنّ الكتاب في الواقع آثارٌ مرويّة عن الإمام أبي حنيفة النعمان إمّا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن بعض الصحابة والسلف، فهو كله آثار كما يدلّ عليه اسمه. والأمر نفسه ينطبق على كتاب "الآثار" لصاحب أبي حنيفة محمد بن الحسن الشيباني، فهو يروي هذه "الآثار" عن الإمام أبي حنيفة. وقد كان أبو حنيفة من الأئمة المعظّمين للآثار الواردة عن الصحابة رضوان الله عليهم لا يخرج عنها، فضلا عن اتباعه لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وممّا أُثِر عنه كما ذكر ابن حزم في "الإحكام" أنّه قال: "ما جاء عن الله تعالى فعلى الرأس والعينين، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعا وطاعة، وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم تخيّرنا من أقوالهم ولم نخرج عنهم، وما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال". فقد كان معظّما للسنن ولآثار الصحابة، وليس أدلّ على ذلك من روايته لها وحفظ تلاميذه لها عن طريقه وبنائهم الفقه عليها.

 

    كانت هذه التدوينة إضاءات موجزة لجوانب خفيتْ عن بعض الناس حول أهل الحديث ومدوّنات السنّة، وذلك تحت تأثير دعاوى سطحية تحاول التقليل من شأن أهل الحديث ومؤلّفاتهم والخدمات الجليلة التي قدّموها للأمة الإسلامية، وعرضهم كأهل نقلٍ لا ميزة لهم غير حفظ الأحاديث وأسانيدها. وقد ظهر جليّا خطأ هذه المقولة، وأنّها لا تصدر إلا عمّن ليس له باع في القراءة والثقافة. وهذا يدفعنا إلى حثّ الشباب على عدم التسليم لأيّ مقولة يسمعونها، وإنما الواجب على من يرجو نهضة أمته أن يتمرّس بالبحث والقراءة، ليطّلع بنفسه على حقائق الأمور، ولا يسلّم عقله لمن لا يحترم المنهج العلمي.

كلمات مفتاحية: العلم، الحديث، الأهل

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة