براء نزار ريان
براء نزار ريان
1.4 k

إسلامٌ تحبُّه هوليود!

19/6/2017

"الرجال الذين تراهم أمامك مجاهدون، محاربون مقدّسون، هذا الجهاد هو حربٌ مقدسةٌ بالنسبة لنا! المجاهدون لا يخافون الموت، فقد قطعنا مع الله عهدًا؛ لقد بايعناه على الموت! ولذلك فإنّ موتنا في سبيل الله، ومن أجل الوطن هو وفاءٌ مشرّفٌ لذلك العهد!" لم يكن المقطع السابقُ اقتباسًا من إصدارٍ جهاديّ خاص، ولا من روايةٍ عربيةٍ إسلاميّة، ولا فيلمٍ عن الكفاح ضدّ الاستعمار في البلدان المسلمة! بل هو معنى الجهاد في الإسلام، تمامًا كما كانت تفهمه هوليود، وتقدمه بكل سرور لجمهورها على لسان مجاهدٍ أفغانيّ! (فيلم رامبو ٣، 1988 Rambo III).

 

منذ مطلع القرن، يتصاعدُ الخطاب المعادي للإسلام في الغرب، وتنتشرُ كالنار مظاهر "الإسلاموفوبيا"، ويزدادُ أعداءُ المسلمين جرأة وصفاقة ووقاحة في التعبير عن كراهيتهم ورفضهم، حتى بلغ ذلك ذروته بانتخاب "ترمب"، على برنامج انتخابيّ صريح العداء لكل ما يتّصلُ بالإسلام والمسلمين.

 

لم يكن الخطّ الفنيّ للأعمال الأكثر انتشارًا وشعبيّةً في الغرب بمنأى عن هذا التصاعد، إذ يلحظُ المتابعون تقصّد صنّاع الفنون في الغرب، وعلى رأسهم المتنفذون في هوليود، يلحظ تقصّدهم للإسلام بالمحاربة والتشويه والسخرية، وشتى صنوف الدعاية السلبية، في تناغمٍ واضحٍ مع السياسات الأمريكية في العالم العربي والإسلامي، فما تخربه الأذرعة السياسية والعسكرية، تسارع الذراع السينمائية إليه لتغير معالمه تزيينًا وتزييفًا، خاصًة وأن السينما لا يمكن أن تخضع للنقد بالقدر الذي تخضع له الأعمال الصحفية الجادّة؛ فقد جرت العادةُ على السماح بتغييرات -قد تكون جوهرية- على مسار الأحداث والوقائع، في سبيل تحسين القصة، أو إرضاء الجمهور، أو من هم فوقه بالأحرى!

 

فيلم (مالكوم إكس، Malkom X 1992)، قُدّم الإسلام فيه خير تقديم، دينًا يدعو إلى المساواة والعدل وكل قيمةٍ جميلة، ويعرضُ شعائر الإسلام بروحانية عاليةٍ جدًا، تهزُّ قلوب الجمهور الغربيّ المتصحّرة العطشة

هكذا إذن تبدو علاقةُ الإسلام بهوليود اليوم، لكن ماذا عن الماضي القريب؟! كيف كانت الأمور يا تُرى قبل عشرين سنةً فقط من الآن؟!

 

في النصّ الذي افتتحت به المقالة، يدهشنا كيف رأت هوليود أحد أخصّ معاني الإسلام، وأكثرها إثارةً للجدل والخوف والتحفظ لدى الغرب، "الجهاد"، وبأي صورةٍ قدمته، وكيف غمرت بإنصافها الجمّ، ودعايتها الرقيقة المجاهدين وعقيدتهم، لا عجب، فرصاصاتُهم آنذاك كانت تنطلق في رؤوس الروس ونحورهم!

 

لم يتوقف الإنصاف الهوليوديّ للإسلام عند هذا الحدّ، بل واصل وبالغ حتى انخرط -أحيانًا- في دعايةٍ شبه تبشيرية للإسلام ومعانيه، وبلغ ذروة ذلك في فيلم (مالكوم إكس، Malkom X 1992)، قُدّم الإسلام فيه خير تقديم، دينًا يدعو إلى المساواة والعدل وكل قيمةٍ جميلة، ويعرضُ شعائر الإسلام بروحانية عاليةٍ جدًا، تهزُّ قلوب الجمهور الغربيّ المتصحّرة العطشة، ولك أن تتخيّل بطل الفيلم "دينزل واشنطن"، وهو يتلو فاتحة الكتاب الكريم، بصوتٍ متهدّج، وحروفٍ عربيّةٍ متكسرة، جاثيًا على ركبتيه، في مسجدٍ تتلألأ فيه الأنوار، وتضطرمُ في فضائه المشاعر!

 

كان الممثل الكبير يقرأ الفاتحة بلسان عربيٍّ غير مبين، ومعانيها العظيمة تُترجمُ أسفل الشاشة بالإنجليزية، ليسمع ناطقوها عن "ربّ العالمين" في الإسلام، وقد أتخمهم العهد القديم حديثًا عن ربّ "إسرائيل"، الذي اختار شعبًا وتخلّى عن باقي الخلائق!

 

أما في فيلم (علي، 2001 Ali) من بطولة ويل سميث، والذي يحكي قصة بطل العالم للملاكمة محمد علي، فيطلُّ علينا مالكوم إكس مرةً أخرى ولكن بوجه "ماريو فان بيبلس"، ويحدّثُ محمد علي -والمشاهدين بطبيعة الحال- بحرارةٍ عن رحلة الحجّ، ويذكرُ الكعبة وعرفات ومنى وسائر المشاعر بأسمائها العربية، ولا يفتأ يقول للبطل: "اذهب إلى مكة.. اذهب!"

 

إن أمريكا، حتى برئاسة "ترمب" عدوّ الإسلام الأشرس، تفاهمت مع أنظمةٍ تتبنى أكثر الشرائع التفصيلية التي تُهاجم بسببها "داعش" مثلًا، فما دامت هذه الدول أبدت فروض الطاعة والولاء، ودفعت لترمب "الجزية" في سعادة وحبور، فلا بأس بالإسلام إذن

في الفيلم ذاته ثمة إشارات لطيفة أخرى إلى معاني إسلامية، منها: أن علي طلّق زوجته الأولى "سونجي"، بسبب خلافهما على الحجاب، وهو مسألة حساسةٌ جدًا لدى الغربيين، لتعلقه بالمرأة وحريتها وما إلى ذلك، قدّم صُنّاع الفيلم الحجاب على أنه حرصٌ جميلٌ من الرجل على محبوبته، وغيرة راقيةٌ في عين المشاهد، كما جعلوا خلاف الزوجين الأخير في صالح "محمد علي"، حين قدّموا زوجته بثيابٍ مبتذلة، استفزّت مشاعره وأثارت حفيظته، وكأنهم يبررون له موقفه في الإصرار على الحجاب والحشمة.

 

ومنها أيضًا الموقف الطريف الذي تحدّث فيه "علي" عن كونه "مسلمًا فاشلًا"! بسبب ضعفه أمام النساء، وعدم قدرته على الإخلاص! فكان الإسلام بذلك داعيةً إلى الوفاء والصدق والتجلّد أمام الشهوات.

 

الحقيقة أن الإسلام وأمريكا التقيا كثيرًا أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، التقيا في أفغانستان ضدّ الروس، وفي البوسنة والهرسك ضدّ حلفائهم الصرب، وفي حرب الخليج ضدّ صدام حسين! ثم تدهورت العلاقةُ شيئًا فشيئًا إلى أن تهاوت بالكلية في سبتمبر ٢٠٠١!

 

وقد جاءت مُنتجاتُ هوليود السالفة تعبيرًا واضحًا عن هذا الالتقاء! تمامًا كما تُعبّر هوليود الحالية عن "الحرب الصليبية" -بتعبير بوش نفسه- التي تشنّها أمريكا على البلاد الإسلامية منذ ٢٠٠١.

 

ما يمكنُ أن نستخلصه من هذا كله أن أمريكا -ومعها هوليود- لا تُعادي الإسلام من أجل تفاصيل العقائد أو الشرائع الإسلامية، لقد تصالحت هوليود مع أكثر ما يثير الحفيظة في المعاني الإسلامية لدى الغربيين، اجتماعيًا كحجاب المرأة وما يُفرض عليها، وسياسيًا كالجهاد! وتجاوزت تفهّمه إلى الرضا عنه والإشادة به أيضًا!

 

إن أمريكا إذا كانت تُعادي في الإسلام شيئًا، فإنّما تُعادي معاني الاستقلال والسيادة والريادة، ودعوته الصريحة لأتباعه بأن لا يقبلوا الهوان، ولا يستسلموا للهيمنة والطغيان! فحيثما وُجدت هذه المعاني، غضبت أمريكا وعادت، في حضور الإسلام وغيابه، وحيثما توارت هذه المعاني، أو توجّهت إلى آخرين، رضيت أمريكا وبالغت في الرضا! أما التفاصيل التشريعية فهي آخر ما ينظر إليه الأمريكان.

 

يشهد الماضي والحاضر أن أمريكا، حتى برئاسة "ترمب" عدوّ الإسلام الأشرس، تفاهمت مع أنظمةٍ تتبنى أكثر الشرائع التفصيلية التي تُهاجم بسببها "داعش" مثلًا، من العقوبة بقطع الرؤوس والأيدي أو الجلد أو فرض النقاب على النساء جبرًا، أو منعهن من حقوقٍ بدهية في الغرب مثل قيادة السيارة، فما دامت هذه الدول أبدت فروض الطاعة والولاء، ودفعت لترمب "الجزية" في سعادة وحبور، فلا بأس بالإسلام إذن، وإن كان "على الكتاب والسنّة، بفهم سلف الأمّة".

 

إن كان للإسلاميين ذنب عند أمريكا وأتباعها من قادة الثورات المضادة، فهو أنّ الشعوب اختارتهم في أولى تجاربها الديمقراطية، فتصدّروا بذلك المواجهة مع تلك الأنظمة

باختصار: لا شيء شخصيّ بين أمريكا والإسلام، حتى وإن طفا على السطح بعضُ الموتورين من أعداء الإسلام كدين، ومحاولتهم ركوب الأمواج المواتية، واغتنام الرياح الأمريكية والعربية الرسمية أيضًا، من خلال الثورات المضادة، لتسديد ضربات الحقد والانتقام إلى الدين الإسلاميّ، وتصفية حساباتهم المرضيّة مع مجتمعاتهم وتراثهم وثقافتهم التي انسلخوا عنها، من خلال الاشتراك في الحرب الجارية على الإسلاميين في العالم العربيّ.

 

إن كان للإسلاميين ذنب عند أمريكا وأتباعها من قادة الثورات المضادة، فهو أنّ الشعوب اختارتهم في أولى تجاربها الديمقراطية، فتصدّروا بذلك المواجهة مع تلك الأنظمة، وكما دفعوا من دمائهم فاتورة تلك المواجهة سفكًا وتقتيلًا، فإنهم يدفعونها من أدبياتهم وأيدولوجيتهم هجومًا وتشويهًا!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة