براء نزار ريان
براء نزار ريان
5.6 k

أوّلُها في الدوحة.. آخرُها في غزة

8/6/2017

ليست أوّل مرة يختلفُ العربُ -الخليج ومصر خاصة- مع قطر، ثمة خلاف لا يُنسى بالنسبة إليّ، يوم صبّت "إسرائيل" الرصاص على رؤوس أهل غزّة في حرب 2008/2009. سارعت قطر يومها إلى عقد قمّة "غزة" الطارئة في الدوحة، وحشد العربُ بالمقابل كلّ طاقاتهم لإفشالها، اتّصلوا مهددين كلّ من حدثته نفسه بالمشاركة، ووفقًا لمحمود عبّاس، فإنهم هددوه بالذبح من الوريد إلى الوريد إن حضر، حتى عُقدت القمة اليتيمة ناقصة النصاب.

 

كانت "إسرائيل" تحرقُ صغارنا بقنابل الفسفور المحرّمة، بدعمٍ مصريّ صريح، وتواطؤ عربيّ مخز، أو تخاذلٍ في أحسن الأحوال، لم تنجُ منه إلا قلة من الدول العربية، كان على رأسها قطر. فيما مضى كانت قضيّة فلسطين جامعة العرب حين تفرقهم، لكنها تحوّلت -يا للأسى- إلى ملفٍّ من ملفّات الخلاف الرئيسة، وفلسطين اليوم في عين عاصفة الأزمة الخليجية، لا تكادُ تخلو مناوشةٌ من ذكرها.

 

يتّهم القومُ قطر بدعم "الإرهاب"، وهم في دعم المعارضة السورية المسلحة شركاء، فما منهم دولة إلا ولها في سوريا مقاتلون "إسلاميون"، وجميعهم بالمقابل مقيّدون في تحالف الحرب على "الإرهاب" هناك. لم تتميّز عنهم قطرُ إلا بدعم المقاومة الفلسطينية، فلا شكّ أنّها "الإرهاب" المقصود في التحريض عليها، لاسيّما بعد تسريبات بريد سفير الإمارات في واشنطن، ثم تصريح وزير الخارجية السعوديّ، إذ سمى "حماس" بالاسم، ورأى أنه قد طفح كيله من قطر بسبب دعمها لها.

 

طموحٌ إماراتيّ في أن تصبح دولتهم الوكيل الحصريّ لأمريكا في الشرق، وآخرُ سعوديّ داخليّ بإزاحة ابن العمّ وتولية الولد، ولا بدّ لإتمامه من موافقة الكفيل الأعلى، ووضعٌ داخليّ متزعزعٌ في مصر لا يثبته إلا مزيد من الدعم الخارجيّ

هنا يحضرُ السؤال: لماذا يكرهون حماس؟! وما المصلحة الإماراتية السعودية المصرية في تجفيف منابعها والقضاء عليها؟! ثمة أسباب رئيسة ثلاثة يمكن أن نتوقّعها:

 

أولًا: لأنّ مجرّد وجودها يحرجهم وينغّص عليهم، وكيف أنّ حركةً صغيرةً محاصرةً بوسعها أن تقول: لا، في وجه العالم الظالم، وتجابه سياسيًّا وعسكريًّا صنم "إسرائيل" ومن خلفها القوى العُظمى، بينما هم يستخذون، ويدفعون لأمريكا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون.

 

إنّ مجرّد وجود حالةٍ كهذه سيبقى ملهمًا لشعوب الأمّة العربيّة عن رمزٍ حقيقيّ تنتمي -ولو شعوريًّا- إليه، إنّ هذه الحالة -في أعين الطغاة- دعوة مفتوحة للثورة والتحرر والانعتاق، وهي في نظرهم خطرٌ يهدّدُ عروشهم ويزعزع استقرارهم، وإن من غير قصد.

 

ثانيًا: لأنّها -شاءت أو أبت- جزءٌ معنويّ من الكيان المرعب للأنظمة العربية البوليسية، المسمّى "الإخوان المسلمون"، هذا التنظيم الذي -برغم كل ما فيه- لا يموت، ولا ينافسه في إمكان تحريك الشعوب العربية المتديّنة والمُحافظة نحو النهضة السياسية أحد، ويريد هؤلاء أن يقضوا على "الإخوان" مرّةً واحدةً وإلى الأبد.

 

ثالثًا: وهو الأهمّ والأحقّ: أنّ لكل من هؤلاء عند "إسرائيل" حاجة، ولا قربة لدى "إسرائيل" أعظم من مهاجمة المقاومة الفلسطينية واستئصال شأفتها، والقضاء عليها. إنّها خدمةٌ يقدّمونها في مقابل عطايا ينتظرونها من ربيبة الغرب وطفلته المدللة!

طموحٌ إماراتيّ في أن تصبح دولتهم الوكيل الحصريّ لأمريكا في الشرق، وآخرُ سعوديّ داخليّ بإزاحة ابن العمّ وتولية الولد، ولا بدّ لإتمامه من موافقة الكفيل الأعلى، ووضعٌ داخليّ متزعزعٌ في مصر لا يثبته إلا مزيد من الدعم الخارجيّ.

 

أشعر أنّ ثمة من أقنع العرب مؤخّرًا أنّ "إسرائيل" إله يفعلُ ما يريد، أو "عفريت مصباح" يحقق الأماني لمن يفركه متحبّبًا متقرّبًا! وللعرب حاجات وأمانٍ كثيرة، و"لإسرائيل" في المقابل فروض طاعةٍ وولاء! واستنادًا إلى شبكة "CNBC" الأمريكية فإنّ الخلاف الحقيقيّ بين السعودية وقطر لم يكن حول "إيران" كما تُردد الآلة الإعلامية السعودية، بل هو خلاف حول "إسرائيل" لا غير، وأن القطيعة لم تكن إلا بعد رفض قطر وقف دعم "حماس".

 

ثمة إصبع آخر يشير إلى "إسرائيل"، والبحث عن رضاها في الهجمة على قطر، وهو الاستهداف المبالغ فيه، للدكتور عزمي بشارة، ولا نعرفُ للرجل عداوةً ذات بال إلا مع جهتين: النظام السوريّ، و"إسرائيل"، ولما كان من المُحال أن تهاجم الصحف السعودية الرجل لمصلحة النظام السوريّ، فلم تبقَ إلا "إسرائيل" تُسترضى بهذا الهجوم.

 

تزامنًا مع بدء الحملة على قطر، تصاعدت أخبارٌ وتقاريرُ هامشية في الإعلام الصهيونيّ، عن حربٍ وشيكة في غزة، تبدأ هذه الأخبارُ بمزاعم عن تحضير "حماس" لحربٍ في غزة، ثم تنتهي بالتهديد الصريح

أسخفُ ما في التطاول على الرجل أنّهم سمّوه "الإسرائيلي الهارب عزمي بشارة"، فلم يخجل القوم أن يسمّوا عرب فلسطين المحتلة "إسرائيليين"، وينعتوا مطاردي الاحتلال بالهاربين، من أجل النيل من خصمٍ واحدٍ فرد، ويفعلون ذلك -يا للمفارقة- لسواد عيني "إسرائيل" شخصيًّا، يزايدون باسم "إسرائيل"، لأجل "إسرائيل"! ما هذا!!

 

على ناحية أخرى، وتزامنًا مع بدء الحملة على قطر، تصاعدت أخبارٌ وتقاريرُ هامشية في الإعلام الصهيونيّ، عن حربٍ وشيكة في غزة، تبدأ هذه الأخبارُ بمزاعم عن تحضير "حماس" لحربٍ في غزة، ثم تنتهي بالتهديد الصريح. يوميًّا منذ الأزمة، تخرج تقارير من هذا النوع في الصحافة الصهيونية، والتجربة شاهدةٌ أن مثل هذه الدندنة، لا تنتهي إلا بقرع طبول الحرب الضروس.

 

مؤشّرات كثيرة مؤسفة، تدلّ على أنّ ما بدأ في الدوحة لن ينتهي إلا في غزة، بحربٍ استئصالية لا تبقي ولا تذر، وحين تأكل الصواريخ لحم صغارنا مرة أخرى، سيعدُّ الفلسطينيون أعداءهم ثانيةً، وسيكون في صفّ القتلة وجوهٌ جديدةٌ كثيرة، ونحن شعبٌ -وإن كان يبذل الدم- فإنه يقدّره جدًّا، وعلى دماء صغارنا نوالي ونعادي.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة