أحمد عابدين
أحمد عابدين
1.3 k

القدس والدوحة وتيران.. إلى أين تسير قافلة العربان؟

8/6/2017
تسارعت الأحداث في المنطقة العربية خلال الأسابيع الماضية بشكل درامي فائق السرعة، مما أفقد الكثيرين القدرة على التركيز في تفاصيل ما يجري، فمنذ وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للمملكة العربية السعودية لم تهدأ المنطقة قط، وإنما صارت تشتعل أكثر يوماً بعد يوم، بداية من تصريحات منسوبة لأمير قطر، لم يكد يمر عليها بضع دقائق حتى بدأ هجوم خليجي شديد على صفحات الجرائد وشاشات الفضائيات ومواقع التواصل بين قطر من جانب والإمارات والسعودية من جانب آخر، تخللها تسريبات للسفير الإماراتي في واشنطن تفصح عن عداء مكتوم وقديم تجاه قطر وتحالف وتوافق كبير مع إسرائيل، وصولاً إلى ذروة الأحداث بقطع ثلاث دول خليجية وعدد آخر من حلفائهم العلاقات الدبلوماسية مع قطر وإجلاء رعايا وغلق الحدود فيما بدا وكأنه إعلان حرب، إلا أنه بنظرة أكثر عمقاً لخلفية ما يحدث يمكن للصورة أن توضح أكثر.

من القدس نقطة البدايات وأصل الحكايات، حيث تُخطط دولة الاحتلال الإسرائيلي للسيطرة والقضاء على القضية الفلسطينية نهائياً عبر خطة لم تنكشف كل تفاصيلها بعد، إلا أن ما يمكن قراءته من تصريحات المسؤولين والتسريبات والتحركات الإقليمية والدولية يمكن القول بأنها خطة للقضاء على القضية الفلسطينية بالاستيلاء على أكبر قدر من الأرض ولاسيما الأماكن المقدسة وإعلان دولة إسرائيل اليهودية عليها، بالإضافة إلى الهيمنة على المنطقة بأسرها وبسط سيادتها على المحيط الإقليمي كاملاً وخاصة منطقة البحر الأحمر، وهو ما أسماه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بـ"صفقة القرن".

نجحت الخطة الشيطانية التي وضعها رجال المخابرات الإسرائيلية وتبلورت في توصيات "مؤتمر المناعة والأمن القومي لإسرائيل"عام 2013، والذي أوصى بتأجيج الصراع السني الشيعي، وهو الذي من شأنه إنهاء العداء بين العرب وإسرائيل.

بينما وصفها إسحق هرتسوغ زعيم المعارضة الإسرائيلية بـ "التسوية الإقليمية التاريخية"، وذلك عبر خطة تبادل أراضي وتقسيم جديد للمنطقة من خلال الأنظمة العربية المُطيعة لرغبات إسرائيل والضغط على من لم يخضع تماماً بعد أو أبدى اعتراضاً أو تحفظاً عليها، وذلك عبر أوراق بعضها في يدها والآخر في واشنطن حيث الحليف الأقوى والداعم الأكبر دونالد ترمب والذي تبلغ حدود دعمه للكيان الصهيوني مبلغ وصف بعض المحللين الإسرائيليين له على أنه " الرئيس الصهيوني الإسرائيلي الأول"، إلا أن أزمة شديدة يواجهها داخلياً والتي تتعلق بالتحقيقات حول دور روسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية وعلاقته هو نفسه بروسيا ومدى تدخله في سير التحقيقات حول تلك القضايا ولا سيما بعد شهادة رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالية، كل ذلك عمل على زيادة سرعة التحرك الإسرائيلي والضغط على حلفائها تحسباً لأي مفاجآت غير محسوبة، خاصة وأن الحظة الحالية تُعد مثالية لتنفيذ المخطط، بل إنها أعظم لحظة في تاريخ الكيان منذ نشأته بتلك التركيبة التي تتشكل منها الأنظمة الحاكمة في المنطقة.

ومن القدس إلى القاهرة حيث الحليف الأقرب والأكثر ولاءً لدولة الاحتلال والأسرع تنفيذاً لرغباتها، والذي ذاق طعم الدعم الإسرائيلي من مراكز اللوبيات حول العالم وخاصة داخل واشنطن ومن رموز الحكومة الإسرائيلية نفسها منذ خلع رئيس الجمهورية السابق محمد مرسي ووصولاً لاعتلائه كرسي الحكم مروراً بمذبحة رابعة العدوية وغيرها من المذابح، وطمعاً في استمرار هذا الدعم والمساندة لغض الطرف الدولي عن جرائمه وقمعه الداخلي والسكوت على الانتهاكات الجسيمة بحق المعارضين، والوصول إلى فترة رئاسية ثانية دون منغصات خارجية، وهو ما قام من أجله بكل ما يستطيع لإرضاء هذا الحليف، بداية من ترك سيناء للطائرات الإسرائيلية تشن فيها عمليات عسكرية بكل أريحية مروراً بالتصويت لهم داخل أروقة المحافل الدولية والتدخل لإفشال قرار بإدانتها والسعي لنشر التطبيع في باقي المنطقة بسلام أكثر دفئاً، وصولاً إلى التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للملكة السعودية وهو ما سيعطي إسرائيل السيادة كاملة على البحر الأحمر بعد تحويل مضيق تيران إلى مضيق دولي تُهيمن إسرائيل على الملاحة داخله وتستطيع الاقتراب أكثر من سيناء وتنفيذ العديد من المشاريع الاقتصادية من خلالها.

ذلك التنازل الذي يُعد أيضاً شرارة البدء في عملية تبادل الأراضي تمهيدا لصفقة القرن، بجانب دوره في توجيه ضربات شديدة للقوى المعارضة للصفقة والتنكيل الشديد بها ودهس الملايين من المصريين في موجات غلاء وفقر مهين لشغلهم عن القضية برمتها، وكذلك ضمان تأثيره على الجامعة العربية عبر أمينها العام الحالي الذي اختاره السيسي بعناية في هذا الوقت، وهو الرجل الذي لا يخفى على أحد علاقته بإسرائيل ومساندته لها، ولا يغيب أبداً عن الأعين مشهد وقوفه بجانب وزيرة الخارجية الإسرائيلية أثناء إعلانها الحرب على قطاع غزة من القاهرة عام 2008، وتفاخره بعد ذلك بإفشال القمة العربية الطارئة الخاصة بذلك العدوان.

الأحداث المتسارعة أثبتت أن السبب الحقيقي لتلك الحرب لا علاقة له بتلك التصريحات المفبركة، وإنما هي حرب مُعدة سابقاً لعدة أهداف سياسية واقتصادية على رأسها الدعم الذي تتلقاه حركة حماس من الدوحة.

ومن القاهرة إلى طهران، حيث نجحت الخطة الشيطانية التي وضعها رجال المخابرات الإسرائيلية وتبلورت في توصيات "مؤتمر المناعة والأمن القومي لإسرائيل"، والمعروف باسم "مؤتمر هرتسيليا" أو "عقل إسرائيل المفكر" عام 2013، والذي أوصى بتأجيج الصراع السني الشيعي، وهو الذي من شأنه إنهاء العداء بين العرب وإسرائيل عبر تشكيل محور سني سيكون بالطبع حليفاً لإسرائيل والولايات المتحدة في سبيل مواجهة العدو "الجديد" المشترك "إيران"، وهي الخطة التي جرت على أفضل ما يكون، تحولت خلالها إيران إلى الشيطان الأعظم في المنطقة والعدو اللدود لدول الخليج وخاصة المملكة السعودية التي هدد ولي عهدها والرجل الأقوى في المملكة بإشعال الحرب في شوارع طهران.


وقد كان اختيار إيران تحديداً لعدة أسباب أهمها العداء الطائفي القديم والمتجزر بينها وبين المملكة السعودية وحرب بالوكالة بينهما في اليمن وسوريا والعراق، هذا بجانب الحرب الإعلامية والسياسية التي تشنها الولايات المتحدة على طهران ووصفها من قبل ترمب بأنها أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم واستئناف العقوبات عليها وتعيين مايكل داندريا مسؤولاً عن ملف إيران في جهاز المخابرات الأمريكية، وهو الرجل المعروف بالتشدد والمسؤول السابق عن عمليات الاغتيال داخل الجهاز والذي كان من أشهر عملياته اغتيال عماد مغنية القيادي بحزب الله وأسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة، ويمكن القول بأن من أهم أسباب اختيار إيران لهذا الدور بالنسبة لإسرائيل كونها أشد أعداءها الحاليين والداعم الأقوى لفصائل المقاومة الفلسطينية وحزب الله اللبناني، وقد أدت تلك الحروب المتوازية والمتلاحقة لإضعاف طهران إقليمياً وإضعاف فصائل المقاومة المدعومة منها بالتبعية.

ومن طهران إلى الدوحة، والتي تشهد حرباً حامية الوطيس من الدول الخليجية بدأت فور مغادرة الرئيس الأمريكي للرياض متوجهاً إلى تل أبيب، تلك الحرب التي بدأت بتصريحات على لسان أميرها تميم بن حمد، أثبتت التحقيقات التي شاركت فيها وكالة الاستخبارات الفيدرالية الأمريكية فبركتها عن طريق قرصنة وكالة الأنباء القطرية من قبل قراصنة يرجح وجودهم في روسيا، تلك التصريحات التي اعتبرتها الدول الخليجية دعماً لعدوها إيران لتبدأ في هجوم إعلامي شديد تبعها قطع العلاقات الدبلوماسية وحصار سياسي واقتصادي من قبل السعودية والإمارات وحلفائهم في مصر والبحرين وعدة دول أخرى.

الأزمة الخليجية الحالية لا يمكن فصلها بأي حال من الأحوال عما يتم الترتيب له للمنطقة من جانب إسرائيل وحلفائها وعلى رأسه "صفقة القرن" التي لا تزال تواجه ممانعة في شوارع القاهرة والأراضي المحتلة وغزة.

إلا أن الأحداث المتسارعة أثبتت أن السبب الحقيقي لتلك الحرب لا علاقة له بتلك التصريحات المفبركة، وإنما هي حرب مُعدة سابقاً لعدة أهداف سياسية واقتصادية على رأسها الدعم الذي تتلقاه حركة حماس من الدوحة، وهو ما وضح جليا بتصريح وزير الخارجية السعودي الذي طالب فيه قطر بوقف ذلك الدعم والاختيار بينها وبين العلاقات مع الخليج، وذلك لإكمال عملية الحصار على الحركة داخل الدول الداعمة لها، تلك العملية التي أتت أكلها في تركيا بعد ضغوط إسرائيلية وأمريكية كان منها اتهام وزير الدفاع الإسرائيلي لأنقرة بدعم تنظيم داعش الإرهابي وعبر الملف السوري أيضاً الذي شهد تسليح أمريكياً للأكراد -عدو أردوغان الأكبر-، وهو ما أدى إلى تخفيف الدعم التركي لحماس وطرد عدد من قادتها كان أبرزهم القيادي صالح العاروري الذي توجه بعدها إلى الدوحة ومنها إلى ماليزيا مؤخراً، وبل وممارسة ضغوط عليها كان من نتائجها وثيقة الحركة التي أعلنت فيها القبول بدولة على حدود عام 1967.


إن الأزمة الخليجية الحالية لا يمكن فصلها بأي حال من الأحوال عما يتم الترتيب له للمنطقة من جانب إسرائيل وحلفائها وعلى رأسه "صفقة القرن" التي لا تزال تواجه ممانعة في شوارع القاهرة والأراضي المحتلة وغزة، تلك الصفقة التي تنشد القضاء ما تبقى من القضية الفلسطينية التي توالت عليها المؤامرات من الصهاينة وحلفائهم داخل الأنظمة العربية. 

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة