د. معتز الخطيب
د. معتز الخطيب
830

خطيئة الثورة

8/6/2017
تثير حملة الحصار الظالم على قطر في توقيتها وتَسلسلها والمبررات المُعلَنة لها أفكارًا كثيرة عما آل إليه الوضع في العالم العربي، وعن مصير الربيع العربي الذي انطلق سنة 2010. فالمبرر العريض المعلن للحملة هو "دعم الإرهاب"، وهي اتهاماتٌ رُتِّب لها عبر السفير الإماراتي في واشنطن قبل مدة، وتم تَبَنيها علنًا بعد قمة الرياض التي عُقدت تحت عنوان عريض هو "مكافحة الإرهاب". وقد سبق ذلك الحصارَ حملةٌ تحريضيةٌ إعلامية من الإعلامين السعودي والإماراتي ضد قطر على طريقة إعلام الحرب الذي يتبنى شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" والذي يقوم على الشيطنة والتعبئة.

كانت قطر الدولة العربية التي ساندت جميع الثورات في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا، وشكّلت قناة الجزيرة ملاذًا لجميع الثائرين وعونًا لهم؛ إذ خصصت مساحات واسعة لتغطية كل الثورات وإتاحة مساحة كبيرة للتعبير عنها إلى جانب الرأي المعارض لها وفق شعارها الرأي والرأي الآخر، في حين أن تلفزيونات الأنظمة في الدول المعنية كانت تقوم على شيطنة الثائرين والتأليب ضدهم، في حين أن بعض التلفزيونات الأخرى كانت تنتقي من الثورات وفق أهوائها السياسية.

المؤسف أن الخيارات المفتوحة أمامنا الآن إما الاستبداد أو الإرهاب، وأن البديل عن دولة سايكس بيكو هو ما دون الدولة وشبه الدولة، وأن العواصم العريقة (دمشق وبغداد والقاهرة) ذَوَتْ وتلاشت.
تَعَقدت مجريات الثورات كثيرًا، ففي مصر وقع الانقلاب العسكري المدعوم من السعودية والإمارات، وفي اليمن سيطر الحوثيون وتوسعوا بعد أن أجهض الاتفاق السعودي ثورة اليمن، وفي سوريا تعقد الأمر كثيرًا وفُرّخت جماعاتٌ إسلامية عديدة يتقاسم دعمَها أطرافٌ عدة خليجية وغير خليجية، وفي ليبيا صراعٌ وانقسام على السلطة وكل جزء مدعومٌ من طرف، وتكاد تكون تونس البلد الوحيد الذي سَلِم من مصير الثورات الأخرى ولكنه وقف دون الثورة ومطالبها بفضل التدخلات الإماراتية.

شكّلت هذه الساحات صراعًا مفتوحًا بين طرفين رئيسين: طرف مؤيد للثورات والثائرين على اختلاف أطيافهم: الإسلاميين وغير الإسلاميين، وطرف معارض لمبدأ الثورة ويسعى إلى تقويضها وشن حرب شعواء على بؤرة الاحتجاج الرئيسية وهي الإسلاميون، أما دعم السعودية لجانب من الثورة السورية فكان بهدف مواجهة النظام الإيراني ووفق منطقه عبر دعم جماعات سنية متشددة تواجه جماعات شيعية متطرفة. ومن هنا فإن المعركة الآن على ما يسمى "تمويل الإرهاب" هي معركة بين الثورة والثورة المضادة، فالطرف المعادي للثورات يجد في ولاية ترمب فرصة لا تُعَوض للإجهاض على ما تَبَقى من الثورات ولحسم الصراع في الساحات المفتوحة، ولإغلاق الجزيرة التي شكلت منبرًا للثائرين المَقْصيّين من كل المنابر خصوصًا السعودية والإماراتية والمصرية، وذلك لضمان إعادة الشعوب إلى بيت الطاعة مجدّدًا.

أيقظت الثوراتُ الإرادةَ الشعبية والاختيار الحر عبر مظاهر وأدوات تنتمي بالفعل إلى مطلب الدولة الحديثة، سواء لجهة الآليات الديمقراطية كالانتخاب والاستفتاء والحريات الفائضة التي سادت أثناء الثورات، أم لجهة فعل التظاهر المنظم والمؤطَّر بمطالبات سياسية واضحة، فضلاً عن انفتاح المجال العام أمام مختلف الفاعلين السياسيين والآراء، والأهم من ذلك أنها أعادت الكرامة للمواطن العربي ورسمت له صورة مختلفة في الوعي الغربي كما برز بعد تورتي تونس ومصر تحديدًا!

ولكن حلف الثورة المضادة الموحد بقيادة الإمارات يريد بالقهر والمال والتحالفات إعادة النظام السياسي في المنطقة إلى علاقة السيد والعبد مدعومًا بخطاب ديني متوائم مع الاستبداد، وهنا يُصبح التغريد الوحيد المباح هو حول طاعة ولي الأمر والدعاء له بالخير والبركة والتأييد، كما يفعل عائض القرني ومحمد العريفي وغيرهما هذه الأيام، أو النأي بالنفس كما يفعل مشاهير آخرون، أو استجلاب الأحاديث والآيات لدعم الحصار المفروض على قطر كما فعل الأزهر في بيانه، وكما فعل مجلس حكماء الإمارات الذي بَصم على القرار السعودي الإماراتي بصمةً مُزرْكشةً برسوم دينية.

لم يتجاوز الوجدان الإسلامي مأزق سقوط الخلافة المدوّي سنة 1924م والذي عَنى سقوط آخر رموز وحدة "الأمة"، ثم استفاق على نشوء ما سمي بـ "الدولة الوطنية" التي ورثت عن الاستعمار مشروع التقسيم (سايكس بيكو). وقد عَنَت "الوطنية" هنا نهاية مفهوم "الأمة" التي مزقتها الحدود "الوطنية" للدولة الناشئة حتى باتت "الأمة" ممزقة على امتداد حدود "الوطنية" التي ستُنتج فيما بعد "هويات" قومية سبيلُها إلى الحكم الانقلابُ العسكري، وسبيلها إلى الاستقرار الاستبدادُ وإنشاء أنظمة سلطوية سيتحول بعضها لاحقًا إلى مقولات قومية لإنشاء "الأمة العربية" الموعودة التي بقيت مؤجلة.


لأن بناء الدولة "الوطنية" فرَض بناء السدود وترسيخ الأنظمة السلطوية التي أصبحت هي الدولة؛ بحيث يتحول كلُّ فعلِ معارضة سياسية إلى خيانة للدولة الوطنية، وهي دولةٌ هجينة تقف عند حدود ما دون الدولة، وهي ممزقة إلى طوائف وأنظمة أقلوية بالمعنيين الطائفي والنخبويّ (نخبة المصالح أو العسكر)، فلا هي دولة ولا هي أمة، ولذلك فشلت في إنتاج الروابط "الوطنية" كما فشلت في حماية أراضيها وفرض ولايتها على حدودها "الوطنية"، وهو ما توضحه الحروب الطائفية التي تتزعمها إيران وحلفاؤها في سوريا والعراق واليمن ولبنان وجماعاتٌ سنيةٌ متطرفةٌ اكتسبت قوتها من مقاومة الاحتلال الأمريكي ثم المشروع الإيراني الطائفي، والتدخلات الخارجية والخليجية في ساحات الصراع المفتوحة، وهي حروبٌ دمويةٌ عنيفة، تَشي بنهاية مرحلة تاريخية، سماها إلياس خوري "نهاية الدولة الاستبدادية - العسكرية المغلّفة بغلالة خطاب قومي ممزق" التي تستميت من أجل البقاء، وهي نهايةٌ تكاد تشبه زمن الأفول العثمانيّ الذي انتهى بسقوط الخلافة وانقسام الأمة.

يدفع الثوار ومَن ساندهم ثمن خطيئة ثورتهم وتطلعهم للحرية، كما أن السوريين قُتِّلوا وشُرّدوا وأصبحوا محل اتهام حيثما توجهوا في العالم؛ لمجرد أنهم يحملون الجواز السوري، بينما يقبع نظام الكيماوي في دمشق ولا يزال نظامًا شرعيًّا في قوانين هذا العالم!

ولكن المؤسف أن الخيارات المفتوحة أمامنا الآن إما الاستبداد أو الإرهاب، وأن البديل عن دولة سايكس بيكو هو ما دون الدولة وشبه الدولة، وأن العواصم العريقة (دمشق وبغداد والقاهرة) ذَوَتْ وتلاشت، وأن الذي يريد التفرد بالمشهد بأسره نظامُ أُسَر حاكمة، وبعد ربيع عربيٍّ يُراد وَأده والتخلص من بقاياه واستئصال نوازع الحرية التي شكلت مطلبًا لكل الإصلاحيين الذين حَلُموا بدولة عصرية منذ القرن التاسع عشر لمواجهة الغرب والنهوض من الانحطاط، عبر مواءمة بين أمرين: الإسلام الذي يعبر عن إرادة الله في السلوك الاجتماعي، والمدنية الحديثة الأوروبية التي تفرض سلوكًا معيّنًا من خلال مؤسساتها.

ولكن لم يكن ليدور في خلد أحدهم قط أننا بعد أكثر من قرن سنواجه معركة شرسة يخرج منها الإسلام والمدنية الحديثة كلاهما، لصالح نظام سلطاني أو دونه بكثير؛ نظرًا لتطور وسائل القمع والتزييف وللتحالفات السياسية مع القوى الغربية والكيان الإسرائيلي الذي يبدو أنه يشكل مفتاح الترتيبات الجديدة التي يُراد فرضها على المنطقة من قبل الثورة المضادة، والتي تجعل من حماس وكل الإسلاميين إرهابيين، وإسكات كل القنوات التي يمكن أن تعكر عليها أو تشكل رأيًا مخالفًا.

قامت الثورات من أجل مطلب مركزي هو الحرية وكان أحمد لطفي السيد قبل نحو قرن قد رأى أنها ضرورة من ضروريات الحياة، ثم جاء محمد الطاهر بن عاشور فاعتبرها مقصدًا من مقاصد التشريع، ثم استعاد هذه الفكرة مجددًا الشيخ يوسف القرضاوي وراشد الغنوشي في سياق الثورات العربية.

كانت فكرة لطفي السيد تقوم على غياب رقابة الدولة غير الضرورية، فللدولة وظائف محدودة هي الحفاظ على الأمن والعدل والدفاع عن المجتمع ضد العدوان، وأي تدخل للدولة خارج هذه الوظائف هو تدخل جائر؛ لأن الإنسان الحر هو الذي يقوم - من تلقاء نفسه ودون عوائق خارجية - بوظيفته فيحقق طاقاته الإنسانية. أما الثورة المضادة التي ربما تخوض الآن آخر معاركها فهي تريد استعادة زمن السادة والعبيد، بل تقفز فوق ذلك؛ للنيل من حرية الدول في سياساتها أيضًا، عبر شراء حريتهم بالمال أو عبر إجبارهم وقهرهم بالحصار وشتى السبل.

سبق لعبد الرحمن الكواكبي أن وضع الحرية في صلب الخطاب الأخلاقي؛ لأن الأخلاق لا تكون أخلاقًا ما لم تكن مطردة وفق قانون، أما أسير الاستبداد "فكالحيوان المملوك العنان يُقاد حيث يُراد، ويعيش كالريش يهبّ حيث تهبّ الرياح، لا نظام ولا إرادة"، ولم يعش الكواكبي ليعاين أخلاق الاستبداد المعاصر الذي يدمر كل شيء لتحقيق مقصد بقائه على كرسي السلطة، ولذلك حولت الثورة المضادة الربيع إلى خريف، وأشعلت الفتن والنيران في كل بلدان الثورة لتعيق حركة التغيير، فانفلت الزمام وتولدت الانقسامات، حتى لم يعد ثَمَّ مسألة محل إجماع أو اتفاق، وسرى الأمر أبعد من مجرد المعارضة السياسية إلى تفتيت كل شيء، وهو التفرق والانشقاق بعد أن كانت ثورات شعبية في مواجهة أنظمة استبدادية.

ما جدوى تحرير الإنسان من التراث في سياق حلف يسعى لحفظ الاستبداد ويقف ضد إرادة الشعوب؟! وما قيمة تحريرنا من استبداد معاوية بن أبي سفيان وإدخال الناس في حظيرة الطاعة لحكام مستبدين تفصلهم عن معاوية قرونٌ؟!

وإذا كانت الأمة -بالتأسيس الإسلامي والقرآني- هي تجاوز لحالة الشعوب والقبائل، فإن منطق السلطة المستبدة والحفاظ عليها تجاوز حتى منطق القبائل وأعرافها في الصراع، في محاولة لتشكيل جماعة جديدة تُعرّف الصواب والخطأ والإرهاب والاعتدال، يُعينها على ذلك أموال ومشايخ ووعاظ من المتملقين والمرائين والمنتفعين، يثورون ضد فتن الثائرين المزعومة فقط، ويدعمون فتن الحكام ويباركون نيرانها بآيات وأحاديث، تارةً باسم الحكمة والسلم، وأخرى عبر إعادة تعريف "أهل السنة والجماعة" وطرد كل من عدا المطيعين من دائرة السنة، وثالثة عبر التمسح بسلطوية توماس هوبز في مواجهة مطلب العدالة كما فعل الشيخ عبد الله بن بيه في خطابه في الأمم المتحدة، ورابعة عبر العبث بالأولويات والمفاهيم عبر التمسح بحماية الأقليات كما حصل في إعلان مراكش الذي لا يأتي على ذكر الأكثرية المقتولة والمشردة والمهجرة في سوريا؛ لأنه معنيٌّ بأجندة تقربه من الغرب حصرًا.


وأخيرًا وليس آخرًا عبر صياغة خطاب ديني جديد عبر القنوات في رمضان يتسيده عدنان إبراهيم ومحمد شحرور وآخرون من رعايا السلطان والساهرين على تفكيك التراث تحت دعوى الإصلاح في وقت يُسحق فيه الإنسان دون أدنى التفاتة منهم إليه! فما جدوى تحرير الإنسان من التراث في سياق حلف يسعى لحفظ الاستبداد ويقف ضد إرادة الشعوب؟! وما قيمة تحريرنا من استبداد معاوية بن أبي سفيان وإدخال الناس في حظيرة الطاعة لحكام مستبدين تفصلهم عن معاوية قرونٌ؟!

يدفع الثوار ومَن ساندهم ثمن خطيئة ثورتهم وتطلعهم للحرية، كما أن السوريين قُتِّلوا وشُرّدوا وأصبحوا محل اتهام حيثما توجهوا في العالم؛ لمجرد أنهم يحملون الجواز السوري، بينما يقبع نظام الكيماوي في دمشق ولا يزال نظامًا شرعيًّا في قوانين هذا العالم! وقد يدفع الحصار على قطر إلى صياغة محور جديد يجمع بين إيران وقطر وتركيا في مواجهة حلف السعودية والإمارات ومصر، ما سينعكس على تراجع دعم الثورة في حسابات الدول ومصالحها.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة