براء نزار ريان
براء نزار ريان
3.7 k

دفاعًا عن زغلول النجار.. لا عن الإعجاز العلميّ

10/7/2017

منذ سنين، أعزفُ عن معظم ما يمرّ بي من بحوثٍ في الإعجاز العلميّ في القرآن الكريم أو السنة المطهرة، وأزهدُ في متابعة المشتغلين بهذا الفنّ، ولا أفعلُ ذلك إنكارًا له جملة، ولا حطًّا من قدر منظّريه، إنّما لأنني لا أرتاحُ لهذه الطريقة في قراءة النصوص الشرعيّة، وأرى أنّه يكتنفها كثيرٌ من التكلّف والتعسّف وليّ أعناق الآيات، وحملها على وجهٍ واحدٍ من وجوهٍ كثيرة، لا لشيء إلا بحثًا عن موافقة نظريّة مطروحةٍ هنا أو هناك.


فالآياتُ الكريمة التي يستشهدُ بها مُدّعو سبق القرآن الكريم بالإشارة لكروية الأرض مثلًا، هي ذاتُها الآيات التي يستدلُّ بها منكرو كرويّتها، والفريقان عربٌ أقحاح، لهم في اللغة نظرٌ جيّد، وهذا يدلُّ بقوّة على أن كثيرًا من مدلول "آيات الإعجاز" مختلفٌ عليه أشدّ الاختلاف، وأنّ القائلين به يتعمّدون جرّ الآيات إلى المعنى الذي يريدونه بحثًا عن "موافقة العلم".


وازداد الطينُ بلّةً بالتطور التكنولوجيّ، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعيّ، فما أكثر ما صار ينتشر الكذبُ المشتمل على دعاوى الإعجاز، على صفحات فيسبوك ومجموعات واتساب، ولا أعلمُ حقيقةً منشأ كل هذه الأكاذيب، إن كان من هواةٍ ساخرين يبحثون عن الإثارة، أم من متدينين حقيقييّن لا يتورّعون عن التقرّب إلى الله بالكذب على كتابه وسنة نبيّه!

من المؤسف أن نجد أنفسنا محتاجين للتذكير بأنّ من حقّ كل راغب في الكلام أن يقول ما يريد، ولو كان كذبًا ودجلًا كما يدّعون، ولا يكون الردّ على ذلك إلا تبيانًا للصواب بأليق الأساليب، وأبعدها عن الإرهاب والقمع و"الدعشنة" الفكرية.

رغم ذلك كلّه، لا أظنّ بوسع قارئِ للقرآن الكريم تجاهلُ إشارات ولمحات في آياته، يُمكن أن تُفهم بوجه يوافق مكتشفات علمية حديثة جدًّا، بل وأكثرُ من ذلك، فإنه لم يستطع أحدٌ على حد علمي حتى الآن، أن يعثر على تناقضٍ صريحٍ واحدٍ بين القرآن والعلم المقطوع به، وهذا لعمري شيءٌ أكبرُ من النكران، إذا نظرنا إلى حجم القرآن الكريم، وتاريخ نزوله. 


على كلٍّ، لم أكن يومًا من المهتمين بالدكتور زغلول النجار، ولا أذكر أنني قرأتُ له شيئًا مكتوبًا، ولا سمعتُ محاضرةً واحدة، والقدرُ القليل الذي وصلني عنه يشي بأنه لم يكن بعيدًا عن جوّ المشتغلين بالإعجاز العلميّ هؤلاء، ولا أريدُ أن أحاكم الدكتور زغلول ولا الإعجاز العلميّ في القرآن في هذه المقالة، ولا أريدُ أن أدافع إطلاقًا عن الدكتور متكلّمًا في الإعجاز، ولا عن الإعجاز نفسه بطبيعة الحال، إنّما أحبُّ أن أدافع عنه بوصفه صوتًا يتعرّض للقمع ومحاولات الإسكات، وتمارسُ عليه الدعشنة الفكرية بوجهها الليبراليّ.


منذ أشهر تعرّض الدكتور زغلول إلى مناقشةٍ عنيفةٍ في إحدى محاضراته في المغرب العربيّ، وتلا ذلك حملةٌ إلكترونية عليه لم تخلُ من غمزٍ ولمزٍ في قناة "المشارقة" الذين تعوّد الدكتور على صمتهم، واقتناعهم دون تفكير بما يقول، ولم يكن ما جرى مع الرجل في المغرب قمعًا بالضرورة، لولا بعضُ مبالغةٍ فيه، وعنصريّة وتعالٍ غير مقبول، ولا معتادٍ لدى عموم أهل المغرب العربيّ.


كانت أزمةُ الدكتور في المغرب محتملةً إلى حدّ ما، لكن ما لم يكن مقبولًا هو ما حدث للرجل خلال محاضرته بنقابة المهندسين في عمّان قبل أيام، إذ سبق المحاضرة محاولةٌ لجمع توقيعات بهدف منع إقامة الفعالية من الأساس، ثمّ لما أقيمت ووجهت بصنوفٍ من القمع وقلة الذوق، وتخللها اعتداءٌ لفظيّ على الدكتور، بلا مراعاة لسنّه، ولا لكونه ضيفًا على القوم، واختتمت بفوضى أدت إلى إنهاء المحاضرة بطريقة غير لائقة.


من المؤسف أن نجد أنفسنا محتاجين للتذكير بأنّ من حقّ كل راغب في الكلام أن يقول ما يريد، ولو كان كذبًا ودجلًا كما يدّعون، ولا يكون الردّ على ذلك إلا تبيانًا للصواب بأليق الأساليب، وأبعدها عن الإرهاب والقمع و"الدعشنة" الفكرية.

لقد قتلت الأنظمة المشايخ والعلماء والدعاة مرّتين أو ثلاثًا، قتلت بعضهم حقيقةً تصفيةً أو اغتيالًا، وقتلت كثيرًا منهم بإسقاطهم في حبائلها، وإدخالهم سكك النفاق والتطبيل للظلم والإثم، وقتلت آخرين بإسكاتهم تمامًا.

أشدُّ ما يؤلم في مثل هذه المواقف، أنّ كثيرًا منها ليس إلا انعكاسًا لحملة الأنظمة العربيّة على الإسلاميين، وصدى لهجومها المحموم على ما تبقّى من أشلائهم بعد هزيمة الربيع العربيّ، وإنني وإن كنتُ لا أستبعدُ بالمطلق يد الأنظمة البوليسية الخفية في مثل هذا، لكنه على الأقلّ استقواءٌ بها أو بالظروف السيئة الظالمة التي يمرّ بها الإسلاميون الآن.


لقد قتلت الأنظمة المشايخ والعلماء والدعاة مرّتين أو ثلاثًا، قتلت بعضهم حقيقةً تصفيةً أو اغتيالًا، وقتلت كثيرًا منهم بإسقاطهم في حبائلها، وإدخالهم سكك النفاق والتطبيل للظلم والإثم، وقتلت آخرين بإسكاتهم تمامًا، وإخراسهم رغبةً ورهبةً عن قول كلمة الحقّ التي تنتظرها منهم جماهيرهم.


كل ذلك يجعلني في ريبةٍ من كلّ ما ينالُ من المشايخ هذه الأيام، إلا من تورّط منهم في التزلف للسلطان والدفاع عن ظلمه، أما ما عدا ذلك فأنظرُ إليه بعين الشكّ والتهمة، سيّما إذا اشتمل على محاولةٍ للقمع والإسكات، والإرهاب الفكريّ والنفسيّ، والله من وراء القصد. 

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة