محمد إلهامي
محمد إلهامي
3.6 k

المعركة الفاصلة للحركة الإسلامية

12/7/2017
فيما يبدو انكسرت حدة الهجوم على قطر بتوقيع تلك الاتفاقية الثنائية بينها وبين الأمريكان لوقف "تمويل الإرهاب". كانت نغمة "تمويل الإرهاب" هي العنصر المتكرر في كل التصريحات السياسية الصادرة عن العواصم العالمية، ولا يحتاج فهم المقصود إلى تحليل بل لقد حملته وثيقة المطالب بوضوح، فالمقصود بها هي الأصوات الإعلامية المعارضة للانقلاب العسكري في مصر وللنغمة السعودية الإماراتية التي يُراد لها أن تهيمن وتسود على عقول العرب! وما يُفهم من بين السطور ولا يُقال بوضوح هو وقف تمويل قطر للإسلاميين في مصر أو ليبيا أو بعض الفصائل السورية، وقبلهم جميعا: التوقف عن دعم حماس!

لا أحد يدري بعد مدى الصمود أو التراجع القطري في هذا الملف، إلا أنه على كل حال مناسبة لفتح الكلام في موضوع هذا المقال! مستئذنا القارئ الكريم في التوقف مؤقتا عن سلسلة "إعجاز الفتوحات الإسلامية بأقلام غربية" .

تدفع قطر وتركيا ثمن وقوفهما مع الثورات العربية، وهو الثمن الذي صار فادحا حين راهنوا على الجواد الخاسر الذي كُسِرت ساقه (الإسلاميون)، كلاهما وضع كل طاقته بما استطاع في دعم تلك التجارب، إلا أن التجربة الأهم والتي كان فشلها قاصمة الظهر هي الثورة المصرية. اكتشف القطريون والأتراك بعد وقت، أن الإخوان لم يكونوا على مستوى الحدث، لكن الوقت الذي مضى كان قد أنشأ أقطابا ومحاور جديدة في المنطقة لم يكن ممكنا إزالتها ببساطة.

انطلاقة الجهود الإسلامية المعطلة أو المنصرفة إلى الجزئيات نحو المعركة المصرية قد يغير الكثير، وهو بقدر ما يوفر كثيرا من الجهد ومن الحرج على حلفاء يُحاصرون الآن ويدفعون الثمن بقدر ما يوفر أوراقا جديدة لأولئك الحلفاء في معاركهم.
مشكلة قطر وتركيا معا هي ذلك الخناق الاستراتيجي، الدولتان بلا عمق استراتيجي، تركيا تعاني من حدود ملتهبة تطوقها، بعض اللهيب موروث من زمن العثمانيين وبعضه موروث من زمن القوميين (وقد فصلت هذا في دراسة سابقة)، وقطر تقع في مساحة ضيقة مخنوقة بين إيران والسعودية والإمارات (البحرين ليست إلا تابعا للسعودية)، والعداء التاريخي القديم بين القطريين والإماراتيين (القواسم تحديدا) زادت اتجاهات السياسة المعاصرة من رسوخه وتعمقه، والتخوف القطري الدائم من السعودية تعزز بمحاولات انقلاب متكررة على آل ثاني دفعهم إلى الاحتماء بالأمريكان، وتبدو إيران رغم العداء القومي والمذهبي والسياسي أعقل القوم وأدناهم إلى التفاهم، إلا أنه تفاهم موقوت لا ينتصر على الجذور التاريخية ولا على الأطماع المستقبلية. وفي تلك الحال لا تملك قطر سوى المال والإعلام، لا تملك سوى القوة الناعمة، بدونها لا وزن بل ولا وجود لقطر على ساحة السياسة، وهنا تجري المعركة!

لذلك كله مثَّل نجاح الثورة في مصر قوة هائلة يمكن أن تفيد منها تركيا وقطر، بل الواقع أن وجود مصر في مثل تلك المعادلة يغير خريطة المحاور الإقليمية كلها، وبقدر ما حاولت الدولتان التقاط تلك الفرصة الثمينة واستثمارها، بقدر ما كانت الخسارة فيها ضربة قوية، وأدت لتراجعات حادة في سياسات الدولتين! كانت مصر -على بُعدها الجغرافي، وأزمتها الاقتصادية- عمقا استراتيجيا قويا لتركيا وقطر.

والآن.. كيف ينبغي أن نفكر؟!
تبدو مطالبة القطريين والأتراك بمزيد دعم للمعارضة المصرية نوعا من الحماقة، وعلى الجهة الأخرى تبدو مطالبتهما بالتسليم ورفع اليد والاعتراف بالسيسي أشد جنونا لاعتبارات كثيرة، فمشروع السيسي لا يمكن له أن يلتقي بمصالح تركيا وقطر بحال بل هو نقيضها التام، ولم يتورع السيسي عن إطلاق كلابه الإعلاميين على السعودية لنهشها رغم كل ما فعلت له حين بدا منها بعض بعض التغير، ولقد ابتلع ابن سلمان هذا النهش بعبارته السخيفة المكشوفة "تقصد الإعلام الإخونجي!" رغم أن الإعلام الإخونجي يتعامل مع السعودية كخط أحمر. وهكذا كان أداء قيادات الإخوان وخياراتهم كالفخ المحكم والمأزق المغلق الذي يُوقع الحلفاء والداعمين في مسار التقدم فيه مهلكة، والتراجع عنه مهلكة أشد.

بقليل من تشغيل الخيال يمكننا أن نرى أن انقلاب الأوضاع في مصر كفيل بإعادة ترتيب الأوراق في المنطقة كلها، في غزة وليبيا والسودان وسوريا وتركيا وقطر، وبقدر ما تبدو الأمور في مصر كبقعة من البنزين القابل للاشتعال بقدر ما تفتقد الشرارة التي يحرص الجميع على ألا تشتعل، ولهذا تستعمل السلطة كل وسائل البطش الممكنة بلا رحمة، وله يُراد إسكات كل صوت ثوري حتى ولو كان موقعا على الانترنت.

لو تصورنا أن الأمة واحدة، ولها زعيم واحد، ونحن في نفس ظروفنا الآن لتصورنا مباشرة أنه سيستعمل كل طاقة الأمة في تغيير الوضع بمصر، ذلك التغيير الذي سيمثل مفتاحا لبقية التغيرات، أو على الأقل متنفسا لأطراف كثيرة تعاني من الاختناق، فلا تزال مصر واحدة من أهم عواصم العالم الإسلامي والتغيير فيها يضرب بآثاره في سائر الأنحاء.

والعواصم من قواعد التاريخ، فالعاصمة هي قلب الدولة ومن يسيطر عليها يظل حاكم الدولة، وتنجح الثورة إن سيطرت على العاصمة، وتفشل إن لم تفعل، ولقد بُعث النبي في مكة "أم القرى" وعاصمة العرب، وحرص على إسلامها لأنه مفتاح إسلام العرب، ولما هاجر كانت مكة هي قلب معاركه وهدفها، ولما فُتِحت مكة أقبل العرب يدخلون في دين الله أفواجا، حتى سمي العام التاسع للهجرة (العام التالي للفتح) بعام الوفود.

ماذا يمنع الحركة الإسلامية أن توجه كل طاقتها للمعركة المصرية، باعتبارها العاصمة الثقيلة التي قد تغير هذا الواقع البائس؟ إن الحركة الإسلامية الواسعة المجهود والطاقة والمنتشرة عبر العالم تنفق الكثير من تلك الطاقة في معارك جزئية صغيرة وفي أنشطة دعوية مغمورة قليلة التأثير، أو حتى عظيمة التأثير لكنها لا تُقارن بما نتكلم فيه. فضلا عن تلك الطاقات الهائلة المعطلة في بلاد لا هي حبلى بثورات ولا حبلى بأمل قريب للحركة الإسلامية نفسها.

إذا لم يكن للحركة الإسلامية رأس يمكن أن توجه طاقاتها كلها في اتجاه واحد، فهل يمكن أن ينبري لهذا النداء من يستشعر تلك المسؤولية فيصرف طاقته وطاقة من يستطيع استثارتهم نحو تلك المعركة؟!
إن انطلاقة الجهود الإسلامية المعطلة أو المنصرفة إلى الجزئيات نحو المعركة المصرية قد يغير الكثير، وهو بقدر ما يوفر كثيرا من الجهد ومن الحرج على حلفاء يُحاصرون الآن ويدفعون الثمن بقدر ما يوفر أوراقا جديدة لأولئك الحلفاء في معاركهم على المدى القريب والمتوسط أيضا.

لقد كانت الهجرة فرضا على المسلمين في مرحلة المدينة المنورة، كانت الأمة تحتاج كل طاقاتها في معركة واحدة، ما كان للجهود أن تتشتت وتتناثر، ولقد اعْتُبِر من لم يهاجر غير داخل في ولاية المسلمين، حتى إذا تغير الوضع وفُتِحت مكة "عاصمة العرب" تغير التكليف الشرعي وقال النبي "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية".

نعم.. بقدر ما تبدو المعركة في مصر تعاني من أزمة خانقة، بقدر ما يبدو أنها المفتاح لحل مشكلات أكبر بكثير، وهو قدر مصر ومسؤوليتها ورسالتها، وهو ما فهمه الأوروبيون منذ الحملة الصليبية الخامسة وحتى الآن، فمن تلك اللحظة لم تكن الحملات تستهدف الشام حيث كنيسة القيامة ومهد المسيح، بل تستهدف مصر، وحين هُزِم الصليبيون كلفت الكنيسة المؤرخ الإيطالي مارينو ساوندو تورسيللوا بكتابة تاريخ للحروب الصليبية فكتب تاريخا طويلا في 13 مجلدا، وكان من توصياته أن الغرب إن فكر في احتلال الشرق مرة أخرى فليبدأ من مصر لأنها القادرة على إمداد الشام بالمال والرجال، وهي النصيحة التي استمعت لها أوروبا فجاء نابليون بعدها إلى مصر ثم الشام، وتلاه الإنجليز باحتلال مصر ثم الشام، ولا تزال المعركة حول مصر والشام هي المعركة الحضارية التي يتحدد بها مصير العالم.

والسؤال التالي: إذا لم يكن للحركة الإسلامية رأس يمكن أن توجه طاقاتها كلها في اتجاه واحد، فهل يمكن أن ينبري لهذا النداء من يستشعر تلك المسؤولية فيصرف طاقته وطاقة من يستطيع استثارتهم نحو تلك المعركة؟!

قديما قال إبراهيم لما قال له ربه (وأذِّن في الناس بالحج) قال عليه السلام: وما يفعل صوتي؟ قال: عليك الأذان وعلينا البلاغ! اللهم هذا الأذان.. وأنت المستعان، وعليك التكلان.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة