سامي الحاج
سامي الحاج
917

"غوانتنامو قصتي".. فرحة رسالة

13/7/2017

في الأشهر الأربعة الأولى في الزنزانة رقم 40 كان يقدَّم لنا طعام تخال وجباته أُعِدّت في مطلع التسعينيات لدرجة أن "الكيك" كان متعفناً وعليه طبقات من البكتريا. كانوا يعطوننا تلك الأكلات، والسعيد منا من يكون نصيبه كيس بقوليات أو وجبة سمك. وفي كل الأحوال كنا نتناول الوجبة باردة؛ إذ كنا محرومين تماماً من تناول أي شيء ساخن. وفي تلك الفترة لم يكونوا يسمحون لنا بالمشي في الشمس إلا مرتين أسبوعياً ولمدة عشر دقائق فقط.

 

وتلك الدقائق يحسبونها علينا بدقة حتى لا نتجاوزها بثانية فتضيع في إجراءات القدوم والخروج، ولا يسمح لنا حتى بالحديث مع أنفسنا. كان الاستحمام من ضمن تلك الدقائق العشر، فتخيل كيف تستبدل ثيابك. والأكثر سوءاً أن باب مكان الاستحمام كان مخلوعاً، فعليك أن تتعرى أمام الجندي أو الجندية. وربما شعر أحدنا بالحرج من التعري في وجود الجندية فاستحم مرتدياً بنطاله، ولا يخفضه حتى يذهب إلى الغرفة.

 

ومن العنت أيضاً ما كان يجري أثناء الحلاقة، إذ تمنح لنا مرة في الأسبوع أمواس حلاقة مستعملة وصدئة أحياناً. وعلينا أن نقوم بالحلاقة في وقت قصير جداً، دون أي كريمات أو شامبو أو صابون يساعد على استعمال تلك الأمواس.

 

بكيت طويلاً حتى بكى جيراني لبكائي وهم لا يدرون الأمر، فسألوني: ما الخبر؟ فأخبرتهم بأن رسالة وصلتني من الأهل وفيها صورة ابني الذي فارقته منذ أكثر من سنة

كانت عقوباتهم تهدف إلى حرماننا من كل شيء. ومن العقوبات إرسال المعتقل المعاقب إلى زنزانات انفرادية، مساحتها لا تتجاوز متراً في مترين. وفي كل معسكر هناك عنبر خاص بالعقوبات، ولكن في قسمنا كان هناك عنبران أحدهما يُسمى "نوفمبر" والآخر "أوسكار"، وهما عبارة عن حاويات حديدية مفصلة بطريقة تجعل الزنزانة مغلقة تماماً، ولا تستطيع رؤية أحد بجوارك، وكانت مكيفة من الداخل تكييفاً مركزياً، وتكون درجة البرودة فيها غالباً عالية جداً، إذ تصل أحياناً إلى ما تحت الصفر، والإضاءة قوية جداً والغرفة مطلية بالسواد بالكامل.

 

الزنازين الانفرادية.. يا إلهي! كانت حقاً تبعث على الضيق والقلق والهلع؛ فكل أدواتك تؤخذ منك، لتعيش في برد قارس وفي عزلة مطلقة. كانوا يتخذون من الطعام ـ على الرغم من سوئه ـ عقوبة. فيمنحونك وقت العقوبة خمس دقائق فقط عليك أن تكمل فيها الأكل، وإلا أُخذ منك. يضاف إلى ذلك الإزعاجات الليلية المتكررة بالتفتيش المفاجئ والإيقاظ غير المبرر والضرب أحياناً من دون سبب. في الزنزانة (رقم 40) بقيتُ مئة وعشرين يوماً على وجه التقريب. في تلك الفترة تم بناء المعسكر الثالث، وفيه عنابر: بابا وكوباك وروميو وسيارة وتانغو. لم أتسلم في تلك المرحلة رسائل، ولم يكن لي نشاط محدد، وكانت التحقيقات متواصلة بشكل دائم، أغلبها يدور حول قناة الجزيرة.

 

في تلك الأجواء الحالكة تسلل إليَّ فجأة دفءٌ من الشرق خبرت معه الفرحة في غوانتانامو لأول مرة. وسيظل ذلك اليوم محفوراً في ذاكرتي، وهو اليوم العشرون من سبتمبر حين وصلتني رسالة من أم محمد عن طريق الهلال الأحمر القطري. وصلت تلك الرسالة عن طريق بريد الجيش، وحملت إليَّ صورة محمد وأخباراً طيبة عن الأهل والعالم، ولا أخفي على القارئ أنه في تلك اللحظة بالذات:

 

هجم السرور عليَّ حتى إنه
يا عينُ صار الدمع منكِ سجيةً

 

من فرْط ما قد سَـرَّني أبكاني
تبكين من فرحٍ ومن أحزانِ

كنت قد رأيت رؤيا في المنام، قبل وصول الرسالة وهي أن أحد الجنود أتاني ووقف أمام زنزانتي، ثم سألني عن رقمي وقدم لي رسالة من أسرتي، فاستبشرت خيراً وانتظرت هذا اليوم، فإذا هو يومُ العشرين من سبتمبر. فقد حضر إلي الشخص الذي رأيته في الرؤيا بالمواصفات نفسها. كنت نائماً فناداني، وعندما استيقظت رأيته فتعجبت، فنظرتُ إلى يده فإذا هي تحمل رسائل. سألني عن رقمي، فقلت له الرقم، ففتح النافذة ومد لي رسالة. فرحت كثيراً، وعندما فتحتها ووجدتها من زوجتي ومعها صورة لابني، لم أتمالك نفسي، فأجهشت بالبكاء.

 

طمأنتني أم محمد بأنهم ينتظرون مقدمي إلى الدوحة وأن أمورهم طيبة، إذ تمنحهم الجزيرة راتبي بانتظام، وأن أوضاعهم جيدة وهم على اتصال بأهلهم في أذربيجان، كما أنهم على تواصل مع زملائي في الجزيرة الذين يَطْمئنُّون عليهم باستمرار

بكيت طويلاً حتى بكى جيراني لبكائي وهم لا يدرون الأمر، فسألوني: ما الخبر؟ فأخبرتهم بأن رسالة وصلتني من الأهل وفيها صورة ابني الذي فارقته منذ أكثر من سنة. علمت من رسالة أم محمد أنها موجودة في الدوحة، وأنهم علموا بما جرى لي وأنهم صابرون محتسبون يتضرعون للمولى عز وجل أن يفك أسري. ويؤكدون لي الإفراج عني قريباً لأنهم على ثقة أنني لم أقم بأي عمل يستوجب بقائي رهن الاعتقال.

 

طمأنتني أم محمد بأنهم ينتظرون مقدمي إلى الدوحة وأن أمورهم طيبة، إذ تمنحهم الجزيرة راتبي بانتظام، وأن أوضاعهم جيدة وهم على اتصال بأهلهم في أذربيجان، كما أنهم على تواصل مع زملائي في الجزيرة الذين يَطْمئنُّون عليهم باستمرار. كان هذا مجمل الرسالة ومعها صورة لابني محمد. كانت تلك أول وأشمل رسالة تلقيتها في تلك الفترة، فسعدتُ بها أيّما سعادة. وبعد ذلك بأيام جاء مندوب الصليب الأحمر وسلمني رسالة كانت طبق الأصل من الرسالة الأولى التي وصلتني عبر البريد، وأيضاً معها صورة لمحمد، وسعدت بها هي الأخرى سعادة عظيمة وكتبت رداً عليها.

 

كانت لي قصة مع الرسائل من قبل، فقد سلمت رسائل للصليب الأحمر في قندهار ووضعت عليها عنوان قناة الجزيرة في الدوحة، طمأنت فيها القناة على وضعي وأنني أنتظر الإفراج عني في أي لحظة. كان ذلك محتوى الرسالة التي لم يصلني عليها رد. وعندما وصلت إلى غوانتانامو كان من المفترض أن يقابلني مندوب الصليب الأحمر فور وصولي، ولكن لم يقابلني أحد. وبعد أن قضيت شهرين، أتى مندوب الصليب، فاستفسرت منه عن سبب عدم مقابلتي، فقال: ألم يقابلك أحد؟ قلت: لا. قال: سأرتب لك لقاء.

 

وبعد أقل من أسبوع قابلت وفداً من الصليب الأحمر في مكتبهم داخل المعسكر وأعطوني الرقم المسلسل الذي يكون عندهم. ثم سألتهم عن رسائلي، فقالوا إنهم لم يوصلوها لأنني قلت لهم لا أريد أن تعلم دولتي باعتقالي. قلت له مستنكراً: من الذي أبلغكم بهذا، فعائلتي تعيش في قطر وأنا سوداني، ثم إنني لم أطلب من أحد ما أبلغتني به الآن، وأنا أود فعلاً خلاف ما قلت. أريد أن تعلم دولتي بقضيتي وإلا فلمَ كتبت الرسائل؟! فهذا تلاعب منكم ولهذا سأقطع تعاملي معكم. قال: لا، لا، بعد أن سمعنا منك هذا الكلام سنبلغهم على عجل، ورسائلك موجودة في مكتبنا بجنيف. بعد ما وصلتني الرسالة الأولى عبر البريد الأمريكي، جاء وفد الصليب الأحمر وكانت معه الرسالة نفسها.

 

كان عمر الكندي  صغير السن ما بين أربع عشرة سنة وخمس عشرة سنة، وكان قد أصيب بطلقات نارية في صدره أصابت الرئة، كما أصيب في إحدى عينيه التي عميت تماماً، وكانت رؤية عينه الثانية ضعيفة جداً، وكان لا يزال يعاني آثارَ إصابة في ذلك الوقت

بعد ذلك نقلت إلى عنبر شالي، وبعد أيام قلائل أحضروا عمر الكندي وكانت تفصلني عنه ثلاث زنازين. سألت الإخوة عن قصته كما سألته هو، فعرفت منهم جميعاً أنه مصري الأصل كندي الجنسية قدم مع والده إلى أفغانستان ومعه أسرته، وقتل والده وأحد إخوته في اشتباكات مع باكستانيين، وكان الوالد يعمل في مجال الإغاثة. هذا ما عرفناه عنه لاحقاً، أما في المرحلة الأولى فلم نكن نعرف عنه إلا أن والده انفصل كرهاً عن العائلة التي تشتتت ولا تدري شيئاً عن مصير عائلها، ويتوقعون أنه وقع في قبضة الأمريكيين.

 

كان عمر صغير السن ما بين أربع عشرة سنة وخمس عشرة سنة، وكان قد أصيب بطلقات نارية في صدره أصابت الرئة، كما أصيب في إحدى عينيه التي عميت تماماً، وكانت رؤية عينه الثانية ضعيفة جداً، وكان لا يزال يعاني آثارَ إصابة في ذلك الوقت، وبعد ذلك اعتقلوا أخاه الأكبر عبد الرحمن وجاؤوا به إلى العنبر نفسه حيث مكث فترة من الزمن.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة