أحمد الزعبي
أحمد الزعبي
2.3 k

هدنة في الجنوب

15/7/2017
يقولون إن ثمة هدنة في الجنوب السوري.. هدنة تشبه الوقت المستقطع الذي يطلبه الرياضيون ليتمكّنوا من تجفيف نزف العرق، وإعادة بناء الخطة.. يستريحون قليلاً من الصراع، ثم ينهضون من جديد عند سماع الصافرة.

نحن أيضاَ نحتاج إلى هدنة من سماع الأخبار، نحتاج إلى وقت مستقطع نستنشق فيه الفرح النقي ولو لدقائق معدودة، نتمضمض بماء السلام لنطرد طعم الدخان والبرود العالق في أنفاسنا المتعبة.. نحن بحاجة إلى هدنة.. يسمح لنا فيها بزيارة أرض سوريا، نتفقّد ريش الحمام الوديع الذي كان يحلّق فوق كل مراكز الحدود التي تفصلنا، يرفرف في سمائنا يرافق الشمس في زفاف الغروب، نريد أن نرى في عيني اليمام الضيقة جنّة سلام لأرض الشام، نتفحّص شق العين لنرى كم طائرة شاهد، وكم جثّة حملت على الأكتاف شاهد، وكم من الأطفال الراكضين خلف نعوش آبائهم شاهد، وكم من البيوت ركع على داليته وعضّ على شرفة الذاكرة بعد أن تناثر طوبه الأبيض.. نريد أن نمسح كل هذه المشاهد من عيون اليمام حتى يحلّق ويصفّق ويهدل من جديد فوق قباب المساجد ومداخن البيوت العامرة.

نريد أن نرى حوران كما كانت ثوباً أخضر مطرّزا بالزرع والدحنون، نريد أن ندعو العصافير المهجّرة والحقول العطشى للجلوس سوية إلى طاولة المفاوضات.
يقولون إن ثمة هدنة في الجنوب السوري.. نحن أيضاَ بحاجة إلى هدنة.. يسمح لنا خلالها بزيارة نوى والشيخ مسكين والمزيريب وطفس والنعيمة وكل قرى درعا.. نطمئن على الأمهات اللاتي يحملن "مسابحهن" وقت الغروب على أدراج البيوت ينتظرن ما تبقى من الأولاد.. يسندن الوجه المتعب بكفّ أكثر تعباً فتتداخل التجاعيد كأمواج البحر بين مدّ العيون وجزر العمر الموشوم على الأكف.. نريد أن نطمئن على قائمة "الِورِد" اليومي الذي تقرأه الجدّات على الأحفاد النائمين أمام عريشة الدار، نريد أن نطمئن على منسوب الشجاعة والإيمان لدى سيدات الجنوب فالعمر واحد والوطن واحد وما زال في المكان "قرميات" لا يتزحزح جذرهن حتى لو تزحزحت الأرض حتماً سينبتن من جديد أبطالاَ ورجالاً وزيتوناً مرّاً لكنه كريماً وغزيراً.

يقولون إن ثمة هدنة في الجنوب السوري.. نحن أيضاَ بحاجة إلى هدنة.. نتفقّد فيها "الجرّارات" الزراعية المتوقّفة منذ ستّ سنوات، نريد أن نشغّل "الموتور" ونسمع الصوت الأجش الخشن ينطلق من حلوق "التراكتورات"، تنفث دخانها القاتم فتتنهّد الأرض لعودتها.. نريد أن نتفّقد "السكك" المدفونة تحت أكوام القش، نريد أن نفتح الخانات المهجورة، نستنهض الشواعيب والمناجل، نرشّ الماء فوق "الدرّاسات" المغشيّ عليها.. نريد أن نرى حوران كما كانت ثوباً أخضر مطرّزا بالزرع والدحنون، نريد أن ندعو العصافير المهجّرة والحقول العطشى للجلوس سوية إلى طاولة المفاوضات.. الطاولة ليست بأمر من أحد ولا على مقاس أحد، ولا يرأسها أحد.. هي طاولة ممتدّة من درعا الى جسر الشغور.. ومن الجولان إلى الرقة نريد أن يشارك فيها كل من نبت على أرض سوريا من زهر السهل إلى صدف الشاطئ المهم أن يتنفّس الوطن الحياة من جديد.

لا نريد مفاوضات يديرها الأغراب وتنتهي كسابقاتها إلى المقبرة.. لا نريد للغراب أن يتقمّص في بلادنا دور القبّرة.. نريد أن نعيد تأليف وطننا المسروق والمنسوخ كما كان.
يقولون إن ثمة هدنة في الجنوب السوري.. القمح هو الآخر بحاجة إلى هدنة، يريد أن يموج بحريّة دون أن يحسب على أحد، القمح وطن لا ينمو ولا يستطيل على مزاج أحد ولا بتسييس من أحد، هو يهزّ أجراس السنابل في تمّوز طرباً للصيف لا خوفاً من ضرب السيف.. القمح هو الآخر تعب من الوقوف في السهول المهجورة، وقد جفّت رموشه بعد أن ذرفت حبّاً يابساً على الأرض حزنّاً على "حصّاديه" الغائيبين.. أشتاق القمحُ لأكف الفلاّحين، أشتاق لفراش الخيش الذي يغطيه ويؤيه مونة للشتاء وبذاراً للموسم القادم.. أشتاق لغناء الريح التي تمشّط شعر سنابله الأشقر فيغفو عل تصفيق الحقول.

يقولون إن ثمة هدنة في الجنوب السوري.. لا نريد هدنة تنتهي بزمن أو تخترق بمجزرة، نريد سلاماً يشبه عيون المشتاقين للسلام.. لا نريد مفاوضات يديرها الأغراب وتنتهي كسابقاتها إلى المقبرة.. لا نريد للغراب أن يتقمّص في بلادنا دور القبّرة.. نريد أن نعيد تأليف وطننا المسروق والمنسوخ كما كان.. الأرض كل بنوده.. والشعب المحبرة.. 

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة