إخليهن محمد الأمين
إخليهن محمد الأمين
1.3 k

الإخوان المسلمين في قلب التاريخ

16/7/2017
في كتابه "وجهة العالم الإسلامي" قام فيلسوف النهضة المعاصر المفكر الجزائري مالك بن نبي بتحليل عميق لأحداث التاريخ لإسلامي شارحا انعكاساتها على واقعنا الإسلامي اليوم، وقد عقد خلال هذا التحليل مقارنة بين تيارات النهضة، التي قسمها إلى ثلاثة تيارات:
أولها: الحركة الحديثة، ويعني بها ما يعرف بـ"الحركة الوطنية". ويرى بن نبي أن هذه الحركة "ليست لها نظرية محددة، لا في أهدفها ولا في وسائلها، والأمر بعد هذا لا يعدو أن يكون غراما بالمستحدثات، فسبيلها الوحيد هو أن تجعل المسلم (زبونا) مقلدا" وسبب هذا هو أنها لم تدرس الحضارة الغربية دراسة معمقة تقف عند (فكرة الثقافة)، وإنما وضعت على عينيها حُجُباً حالت بينها وبين "تأمل الحضارة إلا في جانبها النظري أو أشيائها التافهة".

وثاني هذه التيارات: الحركة الإصلاحية، ويعني بها مدرسة المصلحين الإسلاميين الأوائل، وبالذات منهم مدرسة الأفغاني وتلميذه الإمام محمد عبده، وينتقد بن نبي على هذه الحركة أنها أعادت إنتاج علم الكلام من جديد، و"اتجهت إلى تكوين متخصصين بارعين أكثر مما تتجه إلى خلق مخلصين"، وبالتالي فإنها لم تهتد إلى جوهر المشكل الإسلامي، "فليست المشكلة أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها، وإنما المهم أن نرد إلى هذه العقيدة فاعليتها وقوتها الإيجابية، وتأثيرها الاجتماعي".

الفكر العملي هو الذي أتاح للحركة الإسلامية أن تتحدى الهجمات الخارجية المدعومة بكتيبة من المفكرين المسلمين في داخل البلاد الإسلامية وبالاستبداد السياسي وتحافظ للأمة على هويتها وتبقي قضية المسلمين المركزية (فلسطين) حية.
والتيار الثالث: هو التيار الذي أطلق عليه اسم "الطريق الجديد" ويعني به حركة (الإخوان المسلمين) التي يرى أنها جسدت النظرية الإسلامية التي صاغها الفيلسوف الهندي "محمد إقبال" والتي تقول "إن المطلوب ليس العلم بالله، ولكنه في أوسع وأدق معانيه (الاتصال بالله)"، وبهذا فقد "تَلَمَّسَ فيها الضمير المسلم طريقه من جديد" باعتبارها "حركة تمتاز في جوهرها بالمؤاخاة العملية التي كان يحملها عنوانها" والسر في هذا أن زعيم تلك الحركة لكي يغير الفرد لم يستخدم "سوى الآية القرآنية، ولكنه كان يستخدمها في الظروف النفسية عينها التي كان يستخدمها النبي صلى الله عليه وسلم، وصحابته من بعده، وهذا هو السر كله: أن تستخدم الآية كأنها فكرة موحاة، لا فكرة محررة مكتوبة".

لم يكن الإمام الشهيد حسن البنا أو "الرجل" بحسب تعبير بن نبي (كان بن نبي يتحاشى ذكر البنا في كتاباته العربية) أعلم جيله، بل لقد ظهر في جيله أفذاذ من العلماء العباقرة الذين كتبوا تفاسير جليلة على كتاب الله، ولكن البنا هو الذي صاغ جماعة مجاهدة عظيمة تطبق كتاب الله وتجسد تعاليم القرآن في واقع الحياة، وقد صدق الذين وصفوه بأنه "انشغل بتأليف الرجال عن تأليف الكتب".
وهذا هو الذي فات على فيلسوفنا الذكي الدكتور محمد عابد الجابري أو غلبت عليه عقلية الفيلسوف النظرية وحبه للكلام، فقال إن فكر محمد عبده شهد "نوعا من التراجع مع رشيد رضا أولا ثم مع حسن البنا ثانيا"(إشكاليات الفكر العربي المعاصر، ص176).

نعم، هناك اختلاف بين فكر البنا وفكر عبده، ولكن هل هو تراجع؟ في نظري كانت هناك أسباب موضوعية أدت إلى تَغَيُّرِ فكر البنا عن فكر عبده، لقد كان العالم الإسلامي في تلك الحقبة الزمنية يعيش مأزقا حضاريا تمثل في التهديد الذي يواجه هويته وثقافته، ولهذا لم يكن بحاجة إلى علم الكلام ولا إلى الفكر النظري، بل كان أحوج من ذلك إلى الفكر العملي، وهو ما تجسد في آراء حسن البنا التي مثلت أحسن وسيلة للدفاع عن هوية الأمة في وجه الهجمات الشرسة من طرف المستشرقين والهزيمة النفسية للحركة الحديثة التي تجسدت فيها عبارة ابن خلدون الشهيرة "المغلوب مولع بتقليد الغالب"، ولهذا فقد كان من الطبيعي أن يتم تصحيح المسار الإصلاحي الذي انتهجه الإمام عبده، والذي رأى فيه بن نبي أنه لم يهتد إلى لبِّ المشكل الإسلامي.

إن فكر محمد عبده العقلاني وآراؤه المستنيرة كانا سابقين لعصرهما والسياق الذي طرحا فيه ليس هو سياقهما الصحيح، لقد كان العالم الإسلامي يشهد هجمات فكرية مكثفة تستهدف هويته الحضارية وثوابته الدينية، ولهذا فإن التجديد الفقهي والكلام العقلاني النظري لم يكن هو أحسن وسيلة لمواجهة هذه التحديات وهذا المأزق الحضاري، ولم يكن هو أحسن وظيفة تنشغل بها الحركات الإصلاحية في تلك الحقبة من الزمن، بل كان الفكر العملي هو أولوية تلك المرحلة، وهذا هو السبب في تغير فكر حسن البنا عن فكر عبده.

ولم تكن كتابات سيد قطب ومحمد قطب وعبد القادر عودة والندوي والمودودي والسباعي وغيرهم من علماء ومفكري الحركة الإسلامية إلا استجابة لهذا التحدي، وقد حققت الدور الحضاري المطلوب في تلك الحقبة من تاريخ الأمة وهو كسر الهجمة الشرسة على الإسلام. ليس معنى ذلك أن الفكر الذي طرحته هذه الكتابات صالح للاستمرار، بل هو بإقرار العديد من المفكرين الحركيين كان صالحا لزمانه وأدى دوره الحضاري.

وجدنا كاتبا حداثيا مرموقا مثل الدكتور رضوان السيد يصرح بهذه الحقيقة، فيقول: "إن أصالة هذه الجماعات (يعني الجماعات الإسلامية) في المجتمع الإسلامي تاريخا وحاضرا لا غبار عليها"، وهذا هو الفرق بين كلام العقلاء وبين أماني الإيديولوجيين.
صحيح أن هذا الفكر كان له تأثيره على تطور الفكر الإسلامي الحركي فيما بعد وكان تجاوزه أمرا ليس من السهولة بمكان، ولكن ليس بالشكل الذي يصوره به البعض، فكل عارف بمسيرة الفكر الإسلامي الحركي يدرك أنه شهد تطورا كبيرا وحدثت فيه تصحيحات ومراجعات تجاوزت فكر التأسيس مع جيل المفكرين الحركيين الوسيط؛ الغزالي، القرضاوي، الترابي، الغنوشي، عبد المجيد النجار، ومدرسة المغاربة ورائدها الريسوني... هذا فضلا عن المفكرين المستقلين الذين لهم نسب وقربى مع الإخوان؛ محمد عمارة، سليم العوا، فهمي هويدي، طارق البشري، عبد الوهاب المسيري.

وهذا الفكر العملي هو الذي أتاح للحركة الإسلامية أن تتحدى الهجمات الخارجية المدعومة بكتيبة من المفكرين المسلمين في داخل البلاد الإسلامية وبالاستبداد السياسي وتحافظ للأمة على هويتها وتبقي قضية المسلمين المركزية (فلسطين) حية، بل وتحدث نوعا من الوحدة الشعورية بين شعوب الأمة بعد سقوط رمز الوحدة الواقعية (الخلافة العثمانية)، فلولا الجماعات الإسلامية وفي مقدمتها "كبرى الحركات الإسلامية" لضاعت هوية الأمة، ولضاعت فلسطين ولكان مصيرها مثل مصير الأندلس، ولتلاشى حلم الوحدة الإسلامية أمام دعوات القطرية والوطنية الضيقة.

لقد جسد الإسلاميون وفي مقدمتهم "الإخوان المسلمون" أصدق تعبير عن الشعوب العربية والإسلامية، ويدل على هذا أن الشعوب المسلمة في كل البلدان العربية والإسلامية حين أتيحت لها فرصة الاختيار الحر النزيه، اختارت الإسلاميين؛ تكرر هذا في تركيا، وتكرر في مصر ثلاث مرات (انتخابات الدستور، انتخابات المجالس، الانتخابات الرئاسية)، وتكرر في تونس وحدث مرة في ليبيا، وتكرر في المغرب، وبدت مؤشراته واضحة في اليمن والأردن والكويت وموريتانيا.

ولهذا فإننا وجدنا كاتبا حداثيا مرموقا مثل الدكتور رضوان السيد يصرح بهذه الحقيقة، فيقول: "إن أصالة هذه الجماعات (يعني الجماعات الإسلامية) في المجتمع الإسلامي تاريخا وحاضرا لا غبار عليها"(الإسلام المعاصر.. نظرات في الحاضر والمستقبل، ص31)، وهذا هو الفرق بين كلام العقلاء وبين أماني الإيديولوجيين التي تتنكر لحقائق التاريخ وتجعل على أعينها حجبا تغطي عنها معطيات الحاضر.
إن من يراهن على إقصاء الإسلاميين أو شطبهم من الخريطة كمن يراهن على إقصاء الشعوب المسلمة وشطبها من الخريطة، وذلك أول المستحيلات.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة