إبراهيم عبد القادر
إبراهيم عبد القادر
477

الحلم المقتول!

16/7/2017

أكتب هذه التدوينة من الرياض، من شقتي الصغيرة العامرة، التي سئمت بطالتي، كنت قبل عامٍ، تقريبا، ومن نفس الشقة، متفائل بعودة الوطن المسروق، الذي استنفر الأشقاء طاقتهم من أجله، كنت أشعر بنشوة استثنائية، حتى أني كتبت مغردًا: أفخر بعروبة أخيرًا مزّقت الحدود لمساندتنا"، غمرتني عاطفة وجدانية، وعلى طريقة الشاعر: هشام الجخ، وقفت بفخر، في مسرحٍ افتراضي قائلًا: بلاد العرب أوطاني.. وكل العرب إخواني؛ راميًا كل الخذلان خلف ظهري، ولم أستحضر وقتها سوى، عودة الأمجاد التي ترفرف راياته خفّاقة على أكتاف الرجال الميامين في جبال وصحاري اليمن، ذهبنا أبعد من ذلك، حتى أننا تجرأنا القول بأنه يبدو أن حلم "الوحدة العربية" بات على وشك الحدوث، وهو الذي طالما انتظرناه طويًلا، لكنه في كل مرة يرد علينا أن لا تنتظروا من الجُبناء والإنتهازيين أفعال الشجعان، كل ذلك بالطبع قبل أن تجتاح الكوليرا بلادنا، وحصدت أرواح الأطفال والنساء، ولا تزال!


هل يجب علينا أن نندم لأن سقف حلمنا ارتفع حد السماء؟ في لحظة كنا قد توقعنا أننا وصلنا إلى قاع الظلام! نعتذر لأمانينا التي استعجلت الفرح، وانهارت بفعل الصدمة، في الوقت الذي كان يجب عليها التروّي والتحلّي باليأس، كعادتها؛ ذلك أننا نعيش حياة طارئة، تتبدّل في اليوم مرات عديدة، وفقًا لرغبات الهوامير والنافذين، حتى مواقف حكّامنا، لا تُبنى على واقع رغبات الشعوب، وإنما بناء على واقع يخصّهم وحدهم، ابتليت الأمة بهم، وجثموا على صدورها، لذلك من الطبيعي أن نتوقع من الأسوأ أن ينحدر، ومن السقوط أن ينهار، أما عكس ذلك، فهو تهور سندفع ثمنه، كما ندفعه اليوم، ونهرول إلى دفعه دونما خيارٍ آخر!

وطنٍ حرّ له شرفه ومكانته، نتمسّك به كقضية جوهرية لا فكاك عنها ومنها، رغم سياط القمع التي تجلدها ودراهم الصحراء التي تمزّقها، وقبل أن يتحول حلمنا إلى حروبٍ بالوكالة تدار فوق أرضنا.

من هو المسؤول عن ذبح حلمنا المتواضع بدولة فقدناها وتمنينا عودتها فأبى واعترض؟ من هذا الذي يقف بالمرصاد لشعبٍ حُكم عليه بالموت منذ ثلاثة وثلاثون عامًا، وحينما قرر أن يصحو ضربه في الصميم؟ إنها اليد الطويلة الجريئة، التي راهنت على تحويل أحلام الأمة إلى كوابيس، ذات العنصر الخبيث الذي يريد أن تبقى الشعوب حبيسة في زنزانته إلى أن يشاء ويقرر وحده لا شريك له، اللص المتخفي (الظاهر) خلف (الحلم المقتول)، ووحده من يسعى بكل ما يملك من قوة وطاقة للغدر والاستفراد بنا..

إنها نفس الأداة التي تمتد لموائد أمتنا الثكلى وتدس سمها في أوساطها، جشعها وأطماعها، حقدها وانتهازيتها، تعرفهم في لحن القول، يحدثك عن السعادة في الإعلام وفي الواقع يصب عليك الجحيم صبًا، يفعل ما لا يقول، ويقول عكس الذي يفعله، يوعظك عن الأمل والحلم وتطلّعات الشباب، وفي الواقع يريد منك تنفيذ خطة لليأس والفوضى وقتل أحلام الشباب، أظنك عرفته، بل أجزم بذلك، هو خلف حلمنا المقتول يقف، ولا يزال يبالغ في أذيّتنا ويُثخن في جراحاتنا، ويتوارى خلف الشرف، على هيئة كونتينات وهيئات ومجالس!

لم نكن نتوقع أن تُصبح أرضنا مسرحًا يُدار فوقها المشاهد الأكثر سوداوية ووجعًا، وآخر ما كنا نتوقعّه أن تتطوّر الأمور لتصل إلى حد أن تصدّر (إسرائيل،..) مشاكلها الداخلية والخارجية إلى بلادنا، التي هي أصلًا غارقة في أزماتها ومشاكلها وفيها ما يكفيها، لكننا الآن الساحة التي يتصارع عليها المتصارعون، ويتّخذ كلّ طرف منا ذريعة، بل أصبحنا سلعة فارهة للبعض، وقاتلة للبعض الآخر..

كان حلمنا أن نصل لمرحلة، نجلس فيها على طاولة مع العالم، نناقش فيها مستقبل بلادنا، وخطة جريئة للإعمار والتنمية، ونضع اللمسات الأخيرة للنقاشات المستفيضة عن المرأة والتعايش، لكننا اليوم وبألم، لا نريد ونتمنى أكثر من أن نطلب من القوى الدولية المتصارعة على أرضنا، أن تتمّسك، على أقل تقدير، بأخلاق الحرب في ساحاتنا، وأن يكون لهم خطوط حمراء وهم يخطّطون في جبال وطننا الجريح، ليتذكروا، وهم يتنافسون على من يكسب الغنائم في سواحلنا، أن أمي لا دخل لها بالحرب، وابنة خالتي العشرينية، التي قتلها وباء الكوليرا، لم تكن تبحث عن أكثر من شريان حياة لتبقى وتعيش، ولم تكن بحاجة لكل هذه المصائب والكوارث!

يصبح المتمسّك بالأرض والحلم كالقابض على الجمر، نؤمن بيمننا حتى المنتهى، نعض عليه بالنواجذ دون أن ترمش لنا عين، ولو أبى القوم ورفضوا.

لا بأس، يُصاب الرجال بخيبات أمل، يتوقفون عن السير، يُصابون بالتبلّد، لكنهم على كل حال لا يموتون، إن هُزمنا فسنهزم ككل أحرار التاريخ الذين خانهم سلاحهم وخذلهم أصدقائهم، ولنا كل العذر أن نضحك من كبوة رفيق تركنا لقدرنا السيء بمنتصف الطريق، بعد أن ظننا أنه سيوصلنا إلى بر الأمان، لكنه من اختار قدره بإرادته، حاولنا أن نفعل ما نستطيع، نجحنا في مرات وفشلنا في أخرى، استخدمنا كل الوسائل المتاحة بأيدينا، أصبنا مرات، وأخطأنا مرة، وحين اعتقدنا أننا على شفا حفرة من النار، امتدت أيادي صديقة إلينا، فرحنا وهللنا واستبشرنا، وحين قرّرنا، معهم، أن نرسم للمستقبل خطة تتناسب مع أرضنا وهوية جغرافيتنا، خرجت الثعابين من جحورها لتدّنس واقعنا وتقتل مستقبلنا، وتريد حبس أنفاسنا، فقط لأننا نريد أن نعيش كما أي شعوب العالم، ويبدو أننا أخطأنا الطريق والكيفية، لكن ليعلموا أننا أبناء هذه الأرض، سنبقى نحن وإن طالت بنا الهجرة والشتات، هم مجرد طارئ، والطارئ لا يدوم ولا يبقى، طالما نحن على قيد الحياة!


وطنٍ حرّ له شرفه ومكانته، نتمسّك به كقضية جوهرية لا فكاك عنها ومنها، رغم سياط القمع التي تجلدها ودراهم الصحراء التي تمزّقها، وقبل أن يتحول حلمنا إلى حروبٍ بالوكالة تدار فوق أرضنا، يصبح المتمسّك بالأرض والحلم كالقابض على الجمر، نؤمن بيمننا حتى المنتهى، نعض عليه بالنواجذ دون أن ترمش لنا عين، ولو أبى القوم ورفضوا.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة