ولاء الخطيب
ولاء الخطيب
1.2 k

الموت.. ليس نهايتك

16/7/2017

منذ زمن بعيد جدًا كان هناك إمبراطور يحدث أحد الفرسان بالقصر، فقال الإمبراطور للفارس: اركب حصانك واجر به قدر المستطاع، وعند آخر نقطة تقف فيها ستصبح كل الأراضي التي جريت عليها ملكاً لك، فامتطى الفارس جواده وانطلق بأقصى ما يستطيع من سرعة ولم يتوقف نهائياً للراحة، لأنه بمجرد أن يتوقف سينتهي العرض، فظل يجري ويجري حتى شعر بالجوع والعطش أو الإرهاق ولكن لم يبالي بذلك، فأعياه التعب وأصبح غير قادر على الحركة بسبب الألم.


صحيح أنه قطع مسافة طويلة جداً أكثر مما كان يتوقع، لكنه أصبح في حالة احتضار، إنه بالفعل يموت، فتساءل في نفسه عن الجشع الذي دفعه لبذل ذلك الجهد في حين أنه الآن يموت ولا يحتاج إلا لمساحة صغيرة تتسع لقبر يدفن به، ثم مات الفارس!! هذه هي الحياة.


ندفع بأنفسنا طوال حياتنا لصنع المزيد من المال، المزيد من التوفير، إذا غطينا احتياجاتنا الأساسية سعينا لتلبية حاجاتنا الكمالية، في حال توفرها سعينا إلى الرفاهيات، لو نظرنا خلفنا في يوم ما سنجد أننا لم نفعل شيئاً، وكأن الحياة كلها ماهي إلا ملذات ومتاع.. لم نعمل ليوم لن ينفعنا فيه الحصان ولا أراضي الإمبراطور.

إنّ الحياة ما بعد الموت ليست بإرادية ولا تشبه الحياة الدّنيا حتّى بمقدار ذرّة فلَن تفعل فيها ما تشاء وقتَما تشاء.. إنّها وببساطة مبنيّة على حياة أخرى ألا وهي حياة ما قبل الموت

أسئلة ملحّة تراود النفس البشرية بشدة، والأشدُّ إلحاحاً بينها.. متى يوم القيامة؟ وللأسف الكثيرون يظنون أنه ليس بقريب.. ولكن وبالتمعّن بآيات القرآن الكريم وما ورد فيها عن يوم القيامة فإنّي أظنّه بقريب.. أقرب مِمّ نتخيّل، فالله عز وجل أثبت ذلك في عدة مواضع في القرآن.. فقد وصف سبحانه وتعالى أصحاب الكهف أنهم كانوا في حالة رقود {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ} واستخدم الله تعالى كلمة (رقود) ليتضّح لنا بأن الفترة الزمنية في حالة الرقود مختلفة تماماً عن تلك التي ندركها نحن في هذه الحياة الدنيا.


فإن أصحاب الكهف مكثوا فيه ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا.. عندما نهضوا من حالتهم هذه تساءلوا فقالوا كم لبثنا؟ ولكن في إدراكهم الحسّي ظنّوه يوماً أو بعض يوم.. وأيضاً في سورة يس {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52)}  يصف لنا سبحانه وتعالى حالنا عند البعث أي أنّنا حتماً سنكون في حالة رقود .وذكر أيضاً عز وجل في أواخر سورة النازعات عندما قال { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴿42﴾ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ﴿43﴾ إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا ﴿44﴾ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا ﴿45﴾ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴿46﴾}..


في كل آية تتكلم عن الساعة يثبت الله جل جلاله لنا مدى قرب ذلك اليوم الذي نظنه بعيد.. يريد الله تعالى من عباده أن يدركوا أمراً هامّاً ويتركوا التغاضي عنه، هو أن يوم القيامة مرتبط فقط بالممات لذلك هو قريب جداً {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} فقد يبدأ هذا اليوم الليلة أو غداً أو بعد أسبوع.. أنت لا تعلم متى ستكون بدايتك وليست نهايتك، لأنه بعد الموت ستبدأ بحياة جديدة ولكن مختلفة تماماً عمَّ تعيشه أنت الآن في دنياك.

إنّ الحياة كلها كحلمٍ قصير إلّا أنّه من صنع أيدينا وعند استيقاظنا منه سنتذكّر أو بالأحرى سنجد وقتها ميزان يذكّرنا بمَ صنعنا.. فلنصنعْ خيراً حتّى نجعله جديراً بالتذكُّر حينها

إنّ الحياة ما بعد الموت ليست بإرادية ولا تشبه الحياة الدّنيا حتّى بمقدار ذرّة فلَن تفعل فيها ما تشاء وقتَما تشاء.. إنّها وببساطة مبنيّة على حياة أخرى ألا وهي حياة ما قبل الموت. وبناءً على ذلك، لنذكّر أنفسنا أنّ ما نفعله في محيانا سنرى أثره بعد مماتنا. فالموت لا يستأذن أحد، ولا يترك أحد .

لنعلَم يا أصدقائي أنّ باب التوبة مفتوح.. ورحمة الله وسعَت كل شيء فإيّانا وتحجيرها وإيّانا واليأس.. ولا ننسى التقوى ثمّ التقوى فقد قال الشاعر:

فعليكَ تقوى اللّه فالزمْها تفزْ ... إِن التقيُّ هو البهيُّ الأهيبُ
واعملْ لطاعتهِ تنلْ منه الرضا ... إِن المطيعَ لربَه لقريبُ 

إنّ الحياة كلها كحلمٍ قصير إلّا أنّه من صنع أيدينا وعند استيقاظنا منه سنتذكّر أو بالأحرى سنجد وقتها ميزان يذكّرنا بمَ صنعنا.. فلنصنعْ خيراً حتّى نجعله جديراً بالتذكُّر حينها. الاستيقاظ الحقيقي هو لحظة مماتك، فأجعله أجمل استيقاظ ...

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة