أحمد الزعبي
أحمد الزعبي
3.5 k

وصفة ألمانية

22/7/2017
لسنا من فصيلة "السنوريات" ولا تعود جيناتنا كعرب إلى نمور "الكاركال" النادرة؛ حتى يتم اصطيادنا وإبادتنا بهذه القسوة وهذا البيع الرخيص في سوق السياسة، أو الحجر علينا في أقفاص اللجوء المنتشرة حول العالم، نساؤنا ككل نساء العالم تحمل بأطفالها تسعة شهور، وترضعهم حولين كاملين تدعو الله أن يعيشوا ويكبروا وألا يشتمّ ذئب الموت رائحتهم وهنّ على قيد الحياة، نحن بشر والله بشر... كسائر الأمم التي تنام على وسادة السلام، نحلم بأن يكون لنا أوطان تحفظنا وقيادات تحترمنا وجيوش تدافع عنّا وحقوق نأخذها وواجبات نؤديها، نحلم أن نجيد الصناعة أي صناعة غير صناعة الموت التي لا تهداً ولا تنتهي.

ثلاثة سطور قالها وزير الخارجية الألماني على طريقة الأطباء الشرعيين تلخص حالنا وتضعنا على مشرحة التحليل وتفسّر سبب وفاتنا السياسية والإنسانية وإن كنّا نتنفس الذل والبارود والقمع العربي المشترك.. قال وزير خارجية ألمانيا:

(العرب يشكّلون 5% من سكّان العالم، ويشترون 50% من سلاح العالم، ويصدّرون 60% من لاجئي العالم ). برغم كل هذا الضجيج الذي نحتّله في نشرات الأخبار عل القنوات العالمية، ضجيج الاقتتال والحروب الأهلية ونسف المدن بسكانها وشجرها وحضارتها وتغيير ملامح وجهها التاريخي، برغم الخصام والنزاع والتجريد والتجريح الذي نمارسه كل يوم بحق الشقيق وابن العباءة العربية، برغم الموت الجماعي بالكوليرا والأمراض الذي انقرضت منذ قرن ونيّف في أفقر وأضعف وأبعد مناطق العالم وأكثرها تخلفاً وبؤساً ورجعية؛ فقد أعدناها بنسختها الأسوأ بفضل عقليتنا "البسوسية" وناقة عروبتنا الجرباء..

الخيام المنتشرة كفقاعات الجلد بين الحدود وفي الصحراء الخالية هي من إنتاجنا.. والأسلاك الشائكة والأقفاص الضيقة في أطراف أطراف مدن أوروبا هي من إنتاجنا.. كل ما ترونه من لجوء ويتم وتهجير في هذا العالم الهانئ هي من إنتاجنا.. هل رأيتم أمة منتجة مثلنا؟
كل هذا الجنون الذي نحتكره على شاشات الدنيا ونحن فقط نشكّل 5% من سكان هذا العالم الفسيح.. 5% من سكان العالم ينقسمون إلى عشرين دولة جلّها تنزف من سيوف الحروب أو من سيوف الأشقاء التي تغرس في الظهر عل غفلة.. والصين (دولة واحدة) تمثّل رُبع سكّان العالم، ولا يموت فيها الإنسان إلا عجزا أو مرضا، ولا تصحو نهاراتها إلا على أصوات مكائن الإنتاج وأصوات المعاول في الحقول والعصافير تخيط المسافات لا تخشى على نفسها وعلى على رزقها شيئاً.. مليار و400 مليون ولم -يتذكروا مثلنا- أن ينبشوا على المذهب والعرق والدين ليجدوا ذريعة للاقتتال والذبح اليومي على الطريقة الصينية.. الصين برغم انفجارها السكاني وفقر شعوبها؛ قررت أن تكون آلة الإنتاج والنمو والحضارة والتطوّر ومركز المال القادم..

أصابتني تلك الوصفة الألمانية بصداع نصفي.. فنحن الــ"5%" لم نكتف بأننا قلّة في هذا الكون الممتد بالأمم، بل قررت الأنظمة العربية أن تشتري 50% من أسلحة الدول العظمي التي تنتجها لا ليواصل الزعماء العرب والخلفاء "غير الراشدين" الفتوحات التي بدأها الأجداد وإنما لينهوا ويقتلوا ويهجّروا ما تبقى من الــ"5%" من سكان هذا الوطن البائس، يشترون 50% من طائرات ودبابات وبوارج وقنابل وصواريخ عابرة للقارات وعقود آجلة تسحب النفط من عروق الأرض لعشرات السنين ولا يستطيعون أن يحرّروا "20" ألف كيلو متر مربّع تحتله "إسرائيل" منذ سبعين عاماً.. نصف إنتاج أسلحة العالم موجه إلى صدور الشعوب العربية نفسها بقرار جماعي متّفق عليه من القادة.. من يريد حريّة أو وطناً كامل الدسم أو يسأل أمير المؤمنين عن موارد الدولة وأرصدته التي تتضخّم على حساب جوع الشعب.. الرصاص والنحاس والبارود أولى بلحمه ودمه وروحه..

العرب يشكّلون 5% من سكان العالم لكنهم يصدرون 60% من لاجئي العالم.. هذه الخيام المنتشرة كفقاعات الجلد بين الحدود وفي الصحراء الخالية هي من إنتاجنا.. هذه الأسلاك الشائكة والأقفاص الضيقة في أطراف أطراف مدن أوروبا هي من إنتاجنا أيضا.. كل ما ترونه من لجوء ويتم وتهجير في هذا العالم الهانئ هي من إنتاجنا.. هل رأيتم أمة منتجة مثلنا؟ نصنع الموت ونصدر اللاجئين ونسمّن الشعب الداجن لكسب سعر أفضل في موسم الذبح، نفخر بأن أضاحينا مكتملة الشروط..

العربي الكائن الوحيد المخيّر بين ثلاثة مصائر... موت.. لجوء ..أو المسخ إلى دجاجة تأكل وتبيض وتمهّد ظهرها للديك المناوب..

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة