براء نزار ريان
براء نزار ريان
1.1 k

من يحتاج إلى بندقية!

24/7/2017
"وأنا الآن أسير إلى حتفي راضيًا مقتنعًا وجدت أجوبتي، يا ويلي ما أحمقني وهل هناك أبلغ وأفصح من فعل الشهيد". الشهيد باسل الأعرج.


في ظروف كالتي تحرّك فيها "عُمر العبد"، شابٌّ بمفرده، يخطط لاقتحام مستوطنة شديدة التحصين، أعزل إلا من إيمانه وسكينه، أظنّه كان صعبًا عليه أن يتوقّع نتائج عمليته، لعلّ الأمر الوحيد الذي كان متأكّدًا منه، هو أنّ ساعاته معدودة جدًّا، فاستبق العملية بوصيّة تكادُ تكون أعظم من العملية نفسها، لقد كان فعلُه فعل شهيد، ولذلك حاز بلاغة الشهداء، قبل أن يحين أجله!


كانت وصيّته مركّزة مكثّفة مفعمةً بالمعاني، تحدّث عن نفسه، عن شبابه وصغر سنّه، وعن حبّه للحياة والجمال، عن مظلومية شعبه وطغيان الصهاينة عليهم، وعن المسجد الأقصى والواجب تجاهه، كتب ببساطة وعفوية، وبلغةٍ مشحونة بالوعي والعاطفة الصادقة، وكثيرٍ من الأخطاء الإملائية والنحوية.
حين قرأتُ كلمات الفتى، اقشعرّ جسدي حتى شعرتُ أن شعري قد سقط عن جلدي، بل كأن جلدي انسلخ عن لحمي، واصطكّت عظامي كأنّما مسّتني الكهرباء فلم تفلتني، وعرفتُ نوعًا جديدًا من البلاغة، لعلّه النوعُ الذي تحدّث عنه باسل الأعرج في كلمته تلك، كثيرًا قرأتُ وصايا الشهداء، وسمعتُ بعضها مسجّلة بأصواتهم وصورهم، لكن هذه الوصيّة كانت فريدةً حقًّا، كأنّ ضعف اللغة انصبّ قوةً في المعنى وجلاءً له، واستقلالًا عن كلّ ما يشوّش عليه.

لم يملك عمر ناصية الفصاحة والبلاغة، لكنه كتب كلماتٍ خالدة، أوصلت كامل المعنى، وما فوق المعنى وتحته، ثم طافت وصيته الشرق والغرب، يشاركُها من على صفحته الناسُ بالآلاف حتى حذفها فيسبوك.

الحقيقة أنّ الفتى كان معجزةً، لأنه صنع من لا شيء عملًا عظيمًا خالدًا، لقد كان فاقد الوسائل كليًّا، عاجزًا -بميزان القوة- أتمّ العجز، تعرفُ مرارة ذلك العجز في تحسّره على السلاح الذي لا يخرج إلا في المناسبات، بينما هو يخرجُ ليبذل روحه وليس معه إلا سكين مطبخه!

ثمة مستوطنات كثيرة كانت تحيط بمدن غزة ومخيماتها، ثم زالت وفككها سُرّاق الأرض بأيديهم، لم يخرجهم إلا عمليات مثل عملية عُمر، كانت أجهزةٌ عسكريّة كبيرة تقوم على مثل هذه العمليات، برصدٍ وتخطيطٍ يمتدّ شهورًا، وتسليحٍ بأحسن البنادق وأجود الرصاص، ثم بالكاد كانت نتائج هذه العمليات تتجاوز عملية عُمر.

لا يبدو عمر رجلًا مفتول العضلات، بل شابًّا وسيمًا جَذَعًا ليس وراءه إلا براءة الأطفال وعبث المراهقين، فكيف بربّك قتل هذا الصبيّ ثلاثة رجال! لم يهاجمهم نائمين، ولا باغتهم برصاص قبل أن يتحركوا من كراسيّهم، بل قاتَلَهم بسكين لا يخلو من مثله مطبخهم، فصرعهم جميعًا ثم لم ينله أحدٌ إلا بالرصاص الذي لا يملك مثله.

يقولُ إعلامُ العدوّ إنّ عمر أعرض عن امرأة وأطفالها، كانوا تحت يده، فتجنّبهم تمامًا حتى كانت هي من بلّغ عنه، رغم أنه ذكر استهداف عدوّه للنساء والأطفال، وكتب عنه قُبيل لحظات من هجومه، لقد آثر سلامة أطفال العدوّ على سلامته، وغامر بنفسه وسير عمليته حرصًا عليهم، ليؤكّد التفوّق لأخلاقيّ لشعبه ومقاومته على جيش قتلة الأطفال.

لقد علّمنا عمر العبد معنى لم نعرفه لقوله عزّ وجلّ: "وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً"، إذ كان العزمُ والصدق عُدّته، وإذا صحّ العزم، فمن يحتاجُ إلى بندقيّة!
مواقع التواصل 

لم يملك عمر ناصية الفصاحة والبلاغة، لكنه كتب -بلا لغةٍ تقريبًا- كلماتٍ خالدة، أوصلت كامل المعنى، وما فوق المعنى وتحته، ثم طافت وصيته الشرق والغرب، يشاركُها من على صفحته الناسُ بالآلاف حتى حذفها فيسبوك، فتناقلوا صورتها وكلماتها بينهم في عجبٍ وإعجابٍ لم تنله قصائدُ كبار الشعراء، وعظماء الكتاب، بل بلغت من الأهمية أن ترجمها العدوّ في تقارير عدّة، حتى إنّ بعض كتاب "هآريتز" الصهيونية كتب لها تحليلًا، وفوقه عنوان: "الوصية التي على كل إسرائيلي أن يقرأها!".

لقد كان الفتى -والله حسيبه- وليًّا تحفّه بركةُ الأقصى، لقد مسته البركةُ المذكورة في الكتاب الكريم: "الذي باركنا حوله"، لقد علّمنا معنىً لم نعرفه لقوله عزّ وجلّ: "وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً"، إذ كان العزمُ والصدق عُدّته، وإذا صحّ العزم، فمن يحتاجُ إلى بندقيّة!


لقد أعطى عمرُ معاني جديدةً لآياتٍ في القرآن الكريم كالتي سبق، وكان تجليًّا لمعاني آياتٍ أخرى، كقوله عزّ وجلّ: "قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ".

ثمة رابط شخصيّ يربطني بعمر، لقد شابه في حماسته وصغر سنّه، وشرفه القتاليّ شقيقي إبراهيم، الذي استشهد عن سبع عشرة سنة في مستوطنة مشابهةٍ، برفقة الشهيد عبد الله شعبان، الذي لم يجاوز العشرين بدوره، قيل آنذاك: إنهما تركا أربعةً فلم يقتلاهم، أمًّا وأطفالها الثلاثة، المستوطنة التي استشهد فيها إبراهيم، لم يعد لها اليوم أثر.

كتب عُمر على صفحته التي حذفها فيسبوك: "لا تنتظر صلاح الدين، كُن أنت صلاح الدين"، وعلى صورته كتب: "هي القدسُ وأنا الفاتح!"، لقد استحقّ عمرُ كلماته، واستحقّ اسمه أيضًا فكان الفاتح عُمر!

إن عمر العبد -وبتوصيف يظلمه ولا يوفيه حقه- كان درسًا صوفيًّا غير مسبوق، عن بلوغ الغاية بلا وسائل، عن السير بلا أقدام، والوصول بلا طريق!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة